العنوان أزمة الانتخابات الرئاسية تكشف عيوب الديمقراطية الأمريكية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-2000
مشاهدات 62
نشر في العدد 1429
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 05-ديسمبر-2000
أثارت أزمة الانتخابات الأمريكية الأخيرة كثيرًا من التساؤلات والمناقشات حول ما يسمى الديمقراطية الأمريكية، وبخاصة حول قواعدها الدستورية، وإجراءاتها القانونية ومدى كفاءة هذه الإجراءات في الوصول إلى الكشف عن الإرادة العامة للشعب، وضمان النزول عند هذه الإرادة عبر التداول السلمي للسلطة، حسبما تسفر عنه نتيجة الاقتراع العام، ومع استمرار هذه الأزمة دون حسم لأسابيع عدة، والبعض يرشح استمرارها إلى مطلع العام المقبل في سابقة هي الأولى من نوعها في التاريخ السياسي الأمريكي؛ فإن تداعياتها الفكرية والسياسية أخذت تتسع وتتعمق وتعيد طرح مطالب قديمة لقطاعات مؤثرة من النخبة الأمريكية بضرورة إعادة النظر في النظام الانتخابي المعقد، والذي أصبح شديد، التقليدية، في عالم ما بعد الحداثة، وهو عالم تتزعمه الولايات المتحدة نفسها.
لقد كشفت الأزمة عن أمور كثيرة ربما كانت غائبة أو غامضة بالنسبة لقطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي- والعالمي أيضًا- ومن ذلك:
- أن الديمقراطية الأمريكية ليست فوق مستوى الشبهات وأنها ليست منزهة عن النقائص والاتهامات، بما في ذلك اتهامات التزوير والمغالطة في عد الأصوات وغير ذلك من الممارسات المعيبة التي تحدث- وإن على نحو صارخ وبطريقة أكثر عنفًا - في معظم البلدان النامية، هذا إلى جانب العيوب التقليدية للانتخابات الأمريكية من حيث خضوعها لتأثير جماعات الضغط وأصحاب المصالح الاقتصادية والمسيطرين على الثروة والنفوذ ووسائل الإعلام.
أن المعركة الانتخابية جرت على أسس شخصية لا فكرية ولا برامجية كما هو مفترض في بلد يمتلك زمام التقدم والحداثة السياسية، والدليل على شخصنة العملية الانتخابية هو ضالة الفارق في الأصوات التي حصل عليها المرشحان الديمقراطي والجمهوري. وقد يعني هذا عدم وضوح ما يميز البرنامج الانتخابي لكل منهما، أو عدم قدرة الناخب الأمريكي على إدراك الفرق بينهما إن سلمنا بوجوده، وكلنا الحالتين تضع علامة استفهام كبيرة حول العملية الانتخابية برمتها وهذه آفة من الآفات التي عادة ما توصم بها انتخابات معظم البلدان النامية.
التشكيك بحق أو بدون حق في «التكنولوجيا السياسية»، وتجلى ذلك في العودة إلى الفرز اليدوي للأصوات لتدارك أخطاء الفرز الآلي، الأمر الذي فتح الباب واسعًا أمام مزيد من الشك والشك المضاد في كلتا الوسيلتين، إذ ليست إحداهما بأفضل من الأخرى، وقد تفاقمت هذه المشكلة ووصلت إلى القضاء ونقلت الصراع إلى ساحاته، ووضعته- كسلطة مستقلة كما هو مفترض - موضع التساؤل، حيث اقتضت تداعيات الأزمة تحكيم المحكمة العليا في فلوريدا للبت في مسالة العد البدوي، ولكن معظم قضاة هذه المحكمة معينون بقرار من الإدارة الديمقراطية في ظل رئاسة كلينتون، وفي ذروة الصراع السياسي الحاصل وحرص الديمقراطيين الشديد على البقاء في البيت الأبيض فإن أحدًا لا يستطيع أن ينفي تأثير الولاء السياسي لقضاة المحكمة العليا على القرار الذي اتخذوه لصالح العد البدوي، الذي رأه الجمهوريون محاولة لسرقة الانتخابات عن طريق المؤسسات القضائية.
وأيًا ما تكن المثالب التي كشفت عنها أزمة الانتخابات الأمريكية الراهنة، فإن الذي يهمنا بالدرجة الأولى- نحن العرب والمسلمين- وعلينا أن نفكر فيه بجدية هو: ما الذي تعنيه هذه الأزمة بالنسبة لنا، وكيف ستنعكس على السياسة الخارجية الأمريكية تجاه قضايا شعوبنا العربية والإسلامية وفي مقدمتها «قضية فلسطين»؟
إن الدلائل تشير إلى أن السياسة الخارجية الأمريكية سوف تظل في المرحلة المقبلة - كما كانت عليه في السابق - دون تغيير جوهري فيما يتصل بمصالحها الاقتصادية وبنمط علاقاتها السياسية على الساحة العالمية، بما في ذلك توجهاتها بشان القضايا والعلاقات العربية والإسلامية وفي القلب منها قضية فلسطين، فالتقارب الكبير الذي كشفت عنه نتائج الانتخابات بين الحزبين في سياساتهما الداخلية سوف يدعم التقارب الموجود بينهما أصلًا في سياساتهما الخارجية وأيًا ما يكن الفائز بالرئاسة «جور أم بوش»، فإن كلا منهما قد وعد اثناء حملته الانتخابية بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وبعدم الضغط على الكيان الصهيوني وبعدم الموافقة على قيام الدولة الفلسطينية إلا بموافقة هذا الكيان، كما تعهدا بضمان أمنه وتفوقه، ومده بمختلف صور الدعم المالي والعسكري والتكنولوجي، أي أنه من غير المتوقع أن تحدث نتائج الانتخابات أي أثر إيجابي في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية لمصلحة القضية الفلسطينية، بل ربما تنعكس هذه النتائج بمزيد من السلبيات، حيث من المرجح في ظل ضالة فارق الأصوات بين من سيفوز ومن سيخسر أن يستمر التوتر قائمًا بين الفريقين، وأن تكون قدرة الرئيس على الحسم في اتخاذ القرارات ضعيفة ومترددة وأكثر عرضة للابتزاز من قبل اللوبي الصهيوني في الكونجرس، وفي الإدارة الأمريكية المقبلة بشكل عام.
صحيح أن العرب والمسلمين الأمريكيين قد بدأوا في تنظيم أنفسهم، وممارسة حقوقهم السياسية، بطريقة أكثر فاعلية عن ذي قبل، وصحيح أنهم استطاعوا التأثير إلى حد ما في توجيه نتائج الانتخابات الأخيرة، والحد من النفوذ الكبير للوبي الصهيوني، إلا أنهم لا يزالون في بداية الطريق، ومن الصعب أن يكون لهم دور ملموس في التأثير على السياسة الخارجية الأمريكية، كما يفعل هذا اللوبي ومؤيدو الكيان الصهيوني منذ سنوات طويلة.
وعلى صعيد آخر، فإن أزمة الانتخابات الأمريكية وما نجم عنها من اهتزاز مصداقية النموذج الديمقراطي، تعنينا أيضًا من زاوية فكرية سياسية، حيث من المفترض أن تتفتح اعين المنبهرين بهذا النموذج والمروجين له في بلادنا العربية والإسلامية على طريقة التقليد الأعمى، وأن يقوموا بمراجعة مقولاتهم، وأن يمارسوا فضيلة النقد الذاتي أولًا، ونقد الأفكار المستوردة ثانيًا، وألا يقتصروا فقط على مهاجمة الأفكار والاجتهادات والاختيارات والتجارب التي تستلهم القيم الإسلامية الأصيلة، وتسعى لبناء قوة الأمة والمحافظة على هويتها، وتحقيق النهضة والتقدم لشعوبها في ظل تعاليم الإسلام ومبادئه السمحة.