العنوان أزمة التراخيص الأجنبية للصحف المصرية
الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-2000
مشاهدات 64
نشر في العدد 1388
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 15-فبراير-2000
لفت نظري خبر نشره بعض الصحف المصرية في الثالث عشر من يناير يقول: «انتهى قسم التشريع بمجلس الدولة من مناقشة مشروع القانون المقدم من وزارة الداخلية بشأن عدم إصدار وتداول الصحف والمجلات والمطبوعات التي تصدر بتراخيص من الخارج قبل الحصول على إذن من الوزارة».
«وكانت الهيئة العامة للاستثمار قد سبق وأبدت تحفظًا على قيد الإصدارات التي يتم طبعها برسم المناطق الحرة لاعتباره قيدًا على حرية الصحافة، كما أصدرت محكمة القضاء الإداري مؤخرًا حكمًا بالسماح لصحيفتين تصدران بتراخيص من الخارج بأن تكون إحداهما يومية والأخرى أسبوعية».
من الواضح أن وزارة الداخلية وحدها دون الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة الوثيقة بالفكر والثقافة والرأي والإعلام هي التي نهضت وتسعى لإغلاق المنافذ والنوافذ التي تمثلها الصحف والمجلات التي تصدر بتراخيص من الخارج، وذلك من خلال اشتراط حصولها على إذن من الوزارة، وهو إذن بعيد المنال في ظل واقع الصحافة الحالي الذي وضع ألف عرقولة وعرقولة أمام إصدار صحيفة أو مجلة.
كنا نود أن تكون معالجة قضية إصدار الصحف بتراخيص أجنبية معالجة تستند إلى أسس فكرية صحيحة وأسس صحفية سليمة تفسح المجال لإبداء الرأي.. وطرح مختلف الأفكار.. تعزيزًا لحرية الرأي من جانب، وتأكيدًا لمبدأ وأسلوب الحوار الحضاري من جانب آخر وإتاحة لفرصة معرفة الآراء والأفكار الكامنة في الأذهان من جانب ثالث.
أليس من العجيب أن يكون الحصول على رخصة من قبرص أو لندن أو أمريكا أمرًا ميسورًا في وقت تتكدس أمام الحصول على مثل هذا الترخيص من مصر.. عقبات القوانين التي تحتاج إلى مراجعة جذرية وشاملة.
في محاضرة لواحد من أساتذة الإعلام المرموقين.. ألقاها في نقابة الصحفيين، أصاب الحضور الذهول بل والحسرة حين قال الرجل: «إن قانون المطبوعات المصري منذ أكثر من مائة عام كان أكثر تقدمًا وتحضرًا وتحررًا من قانون المطبوعات الحالي.. إذ كان يكفي أن يبعث من يرغب في إصدار صحيفة بمجرد إخطار إلى الجهات المسؤولة من أجل العلم وليس من أجل الاستئذان».
إضافة إلى كل ذلك فإن الدستور قد أكد على حق كل مواطن مصري في إصدار صحيفة.. وأيضًا حقه في تشكيل حزب أو الانضمام إلى الحزب الذي يرى فيه ما يناسب أفكاره، أو يتيح الفرصة أمامه لطرح آرائه وأفكاره.
إن واقع الصحافة في مصر اليوم يجسم أزمة تعيشها الصحافة والصحفيون على حد سواء، وهي أزمة ذات أوجه عديدة.
وعليه فإن القضية ليست قضية سن قانون لمنع إصدار صحف بتراخيص أجنبية، وليس الحل الأمني هو الحل المناسب أو الناجع لذلك، بل هي قضية الأفكار الحبيسة، والآراء المصادرة، إنها قضية حرية الفكر والرأي المفتقدة أو المقيدة بأغلال وسلاسل قانون الصحافة الغريب والعجيب والشاذ والذي أفقد الصحافة دورها، وأساء إلى وجه مصر إساءة بالغة.. ويكفي أن العشرات قد سعوا للحصول على تراخيص من قبرص أو لندن أو أمريكا.. فلم يجدوا قيودًا.. ولم تمنعهم قوانين استثنائية.
كنا نأمل مع حلول عام 2000م أن نبادر على المستوى الرسمي والمستوى النقابي والمستوى الشعبي إلى تنقية القوانين، ورفع القيود لنعيش أجواء حرية الرأي والفكر، والتعبير، ويصبح من حق المواطن المصري -كما كان منذ مائة عام- أن يصدر صحيفته أو مجلته، ولا يتطلب الأمر منه سوى إخطار إلى وزارة الداخلية أو وزارة الإعلام.
كنا نأمل لو تغير الأسلوب التعاملي والعلاجي مع قضايانا الفكرية والإعلامية.. من الأسلوب الأمني إلى الأسلوب العلمي الموضوعي الذي يؤكد على الحريات والحوار، ومواجهة الرأي بالرأي ومعالجة أي اعوجاج في فكر أو رأي بالحجة والمنطق، ويؤكد على تحرير الإذاعة والتلفاز وليس الصحف القومية فقط من الأسر الحكومي، كما يتيح الفرصة لكل مواطن أو حزب ليمتلك إذاعته.. أو محطة تلفازه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل