العنوان أزمة الحداثة العربية
الكاتب محمد جميل أحمد
تاريخ النشر السبت 21-سبتمبر-2002
مشاهدات 69
نشر في العدد 1519
نشر في الصفحة 52
السبت 21-سبتمبر-2002
ثمة تساؤلات كثيرة تفرضها جدلية الوجود والعدم في مسار الحداثة العربية، وتتصادى مفاعيلها الحادة في الفكر العربي المعاصر دون أي إجابات يمكن أن تفسر لا تبرر إشكالاتها المتراكمة بمعزل عن تحققها الوجودي في المجتمع الغربي.
فمنذ الصدام الحضاري بين العرب والغرب، إبان الحملة الفرنسية على مصر، مازال سؤال الحداثة العربية يتجدد طرحه حتى اليوم دون أي تمثلات واقعية منجزة تنتج آثاره الفاعلة في مجتمع يطبق مفردات تلك الحداثة.
وإذا كانت دهشة الحداثة -رغم فجيعتها في المجتمع العربي -قد خلقت نوعًا من الانسياق المأخوذ لدى النخب الثقافية العربية بدايات القرن الماضي.
بالنموذج الاستعماري «والذي هو نتاج الحداثة الأوروبية بامتياز» كانعكاس للعلاقة الجدلية بين المستعمر والمستعمر بحسب ابن خلدون، مما أدى إلى ترسم خطى النموذج الغربي في محاولة استنساخ حرفي لهذا النموذج دون أي انتباه لمفارقات الوعي بسبب تلك الدهشة أو الصدمة، إذا كان الأمر كذلك، فإن ما انحسر اليوم - بسبب الرؤية الزمنية المفارقة- عن ذلك الاستنساخ دلل تمامًا على مدى السذاجة والاستسهال في التزام النموذج الغربي دون ممارسة مهمة الاختيار الحضاري «التي مارستها اليابان ودول أخرى فيما بعد» وإذا كان هذا الأسلوب قد ارتد علينا وفق مقولة «فاقد الشيء لا يعطيه» فإن الأفق الذي كان ممتدًا في تلك اللحظة التاريخية في ديار العرب هو تمثلات «القابلية للاستعمار»، بحسب مالك بن نبي -الأمر الذي خلق في الذهنية العربية وعيًا نشأت عنه فيما بعد سيطرة أحاديثه هيمنت على خطاب الفكر العربي وحبست أنساقه الفكرية والثقافية والمعرفية في إطارها حتى اليوم، اللهم إلا بعض الشظايا التي انفلتت من ذلك الإطار، وخلقت فيما بعد تيارًا مخنوقًا يقابل تلك الذهنية رغم الحصار الذي فرض عليه.
لقد كانت الرؤية الوثوقية اليقينية لفرض مفهوم مسطر للحداثة كاختيار أحادي وملزم دون أي شك أو لبس في جدواه على طريقة طه حسين في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» عندما قال: «فإذا أردنا أن نتقدم فعلينا أن نأخذ بأسباب الحضارة الغربية كلها حلوها ومرها خيرها وشرها، إن كان فيها شر» منافية حتى لطبيعة الفكر كنتاج عقلي مشدود بتعدد وجهات النظر.
وبالرغم من التفسير الذي نراه اليوم -بسبب المسافة الزمنية- لتخلق ذلك الوعي؛ إلا أننا لم نزل نعيد إنتاج القفز على استحقاقات تلك المرحلة دون البحث الجاد عن الأسباب والظروف التي أنتجت ذلك الوعي، مما أدى في النهاية بعد أكثر من قرن ونصف إلى إعادة سؤال الحداثة.
وفيما يلي عروض لبعض إشكالات الحداثة العربية:
فمثلًا صراع العلم والكنيسة الذي أنتج الحداثة الأوروبية بسبب خلعها لبوس الكنيسة «ضمن عوامل أخرى» هذا السؤال تم تأويله خطأ في أدبيات الحداثة العربية، ونتجت منه أخطاء كبيرة في بنية الفكر العربي بسبب هذا التأويل. ففي حين أزهرت الحضارة الإسلامية في المجتمع العربي، الرقي والانفتاح وإنجازات الفكر الفلسفي، والمنهج التجريبي في العلوم، أنتجت الحضارة المسيحية في نسختها المحرفة في أوروبا الحروب الدينية، وتكرس الإقطاع والجمود والتخلف، ومن ثم كان استدعاء مفهوم صراع العلم والكنيسة في أوروبا، والتسوية بينه وبين خلاف الحداثة العربية مع شكل التدين التقليدي على أنه الإسلام حيث كان الإسلام مغيبًا تحت ركام الانحراف خطأ قاتلًا علق الفهم الحقيقي للإسلام زمنًا طويلًا في بنية الوعي العربي ربما حتى الآن منذ القرن الماضي، والسؤال: لماذا لم يتم حتى الآن دراسة جدلية العلاقة بين الحداثة العربية والإسلام كمكون تاريخي للعرب.
كذلك تبرز إشكالية فشل المشروع القومي العربي الذي أعاد تركيب المشروع القومي الغربي في استنساخ عروبي ورث المرارات ولم يحصد الثمرات، وبالرغم من أن الفكرة القومية الأوروبية ورثت المرارات بين الأوروبيين في الحروب الإقليمية في القرن التاسع عشر، والحربين الكونيتين في القرن الماضي، إلا أن المفاعيل الفكرية للقومية في أوروبا أسست في كل شعب على حدة روح التماهي مع القيم القومية، وتمثلها في المجتمع قبل الدولة كمعطيات وجودية حلت محل الكنيسة في روح الشعب بالتقليد العلماني وبشفافية عالية طورت فيما بعد إلى مفهوم الوطنية، وتجسد ذلك في الدولة الحديثة بكل ما يحمله ذلك المفهوم من دلالات، فالقومية في أوروبا كانت تجربة ضرورية بمقدار ما هي مريرة تمامًا كتجربة الخروج الكبير من نفق الفكر الكنسي، وهي تجربة تاريخية اقتضتها محاولات الدمج القسري للشعوب الأوروبية تحت راية الأفكار العليا للكنيسة «والتي كانت في حقيقتها تحالفًا نفعيًّا مع الإقطاع» أي أنها كانت ذات جدوى رغم مراراتها، بينما كانت شروط نشأة الفكرة القومية العربية تخلو من أي محمول فكري.
فبينما كانت الشعوب الأوروبية تكتشف عبر الفكر القومي صيرورتها التاريخية تحت ضغط التنوع اللغوي والديموجرافي الفارقة بين كل شعر وآخر من خلال القومية المشكلة له، كانت كل شرور التعريف القومي متحققة للعرب كأمة ذات رسالة تماهت تجربتها التاريخية تمامًا مع الإسلام كقالب «العرب مادة الإسلام» (عمر بن الخطاب) ينعطف على ذلك الاكتشاف الشكلي للقومية العربية اكتشاف تنتفي الحاجة إليه، إذ تزامن ذلك «الاكتشاف» من التشكل الأخير لقوميات أوروبا في صورته اللامعة من ناحية، ومع ارتداد العثمانيين إلى قوميتها الطورانية مما أدى إلى خروج العرب من عباءة العثمانيين من ناحية أخرى.
بكلام آخر، فإن أهم إنجازات الفكر القومي هـي شحذ روح المقاومة للاستعمار، وبخروج الاستعمار كانت الاشتراكية المعربة و«المخففة» هي المضمون المقولب للفكر القومي، وهي بهذا الاعتبار لا علاقة لها بمشمولات القومية العربية، والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل هناك فكر قومي عربي مجرد غير متلبس بالإسلام أو الاشتراكية، وما إمكانات نجاح هذا الفكر كإطار للعمل العربي؟
وإذا تجاوزنا الماركسية باعتبارها كلاسيكيات القرن العشرين «دون أن يعني ذلك تحت اليسار الفكري والسياسي» نجد أن الفكر الليبرالي بتمثلاته التي حلت محل الأيديولوجيا في القر الماضي كالديمقراطية والعولمة، وحقوق الإنسان هـي البديل الذي أمن فيه بعض المفكرين نهاية التاريخ «فرنسيس فوكوياما» باعتباره فكرًا يتجلى دائما عبر أقنية نسبية تتبدى آثارها المرتبطة بالحريات أكثر من محدداته الفكرية.
فالعولمة بالإضافة إلى آلياتها الضاغطة حتى تخوم العالم، والتغول الاقتصادي وما ينتج من ذلك من مؤثرات مادية باهرة في يوميات البشر تنزع دائمًا إلى تذويب الفوارق المجتمعية والهويات المشكلة للشعوب من خلال ثقافة الصورة، خصوص في عالم الجنوب، مما يقضي علينا دائمًا باستنطاق سؤال الوجود بالنسبة لنا كأمة، والسؤال هنا يتجدد مرة أخرى، ولكن ليس في سياق التحدي والاستجابة «بحسب توينبي»، حيث إن البون هائل بين التحدي والاستجابة رغم ضرورة ذلك، ولكن السؤال هو ما هي المنظومة الفكرية والقيمية التي تجسد الانفتاح والانضباط مع العالم دون أي مبالغات حدية متعاكسة؟
واليوم في بدايات الألفية الثالثة تتجاوز في واقع الحداثة العربية ثلاث حقائق تشكلت عبر مسيرة الحداثة، بعضها في الجانب السلبي والبعض الآخر من تحولات الحداثة
الأوروبية والغربية في سيرورتها الراهنة.
أولى هذه الحقائق أن الاتجاه الليبرالي الذي يسود العالم اليوم عبر مفرداته الفاعلة لا يمنح فكر أو أيديولوجيا يمكن استهلاكها والاستتار وراء مفاهيمها الفكرية والسياسية، أي أن الخيار الليبرالي يقتضي بالضرورة إرساء الديمقراطية سياسيًّا، والتسريع بوتيرة التنمية الاقتصادية بلزوم الشفافية في كل، رغم التجاوزات الأمريكية المرتبطة بالمصالح وتقرير حقوق الإنسان.
ثانية هذه الحقائق أن السبب في إعادة سؤال الحداثة رغم مرور أكثر من قرن ونصف على تجربة الحداثة العربية يكمن في انشداد النخب العربية والسياسية والثقافية إلى إعادة إنتاج الأنماط الفكرية والسياسية وحتى التكنولوجية المتألقة في الغرب الراهن عبر تحولات «مسلوقة» إن صح التعبير، أي عبر إهمال الشرط التاريخي لتأسيس الحداثة ومفرداتها في المجتمع العربي، وبمعزل عن الشروط الموضوعية لتحولات الحداثة الراسخة، وهكذا نشتكي نحن العرب من انعدام الديمقراطية رغم وجود «البرلمانات والنواب»، ونشتكي من التخلف رغم وجود الجامعات والمعاهد الأكاديمية، وقس على ذلك المجتمع المدني وحقوق الإنسان وحتى مفهوم «الدولة الحديثة» في عالمنا العربي وغير ذلك من الشعارات.
بمعنى آخر، فإن التحديث المطلوب هو تحديث الإنسان، وليس تحديث الأشكال. هذا يستدعي تلازم التربية مع عملية التحديث ويقتضي في الفضاء الزمني والاجتماعي معاناة اجتماعية ونضالًا تاريخيًّا يؤسسان البنية الراسخة والعميقة لشكلانية الحداثة. والحقيقة الثالثة هي أن الأمة العربية أمة إشكالية «على وزن فرد إشكالي»، فهي ليست أمة طرفية « بالمعنى الجغرافي والتاريخي معا»، كاليابان مثلًا، ولقد كان التكون التاريخي للأمة العربية والأمة الإسلامية فيما بعد تكونًا خارقًا للعادة أي أن الانسياح العربي «الإسلامي» على مساحة جغرافية هائلة « من الصين إلى الأندلس» في لحظة تاريخية قصيرة بعمر الأمم (٥٠ عامًا) كان بنفسه حدثًا أسطوريًّا أقرب إلى المعجزة والامتداد التاريخي حتى يومنا هذا، كل هذا الإرث الحضاري يفرض إشكالية نوعية للأمة العربية في حالتي الضعف والقوة والتقدم والتأخر؛ أي إن هذه الإشكالية النوعية تقضي بأن الوجود التاريخي بدأ بالتشكيل الإسلامي لهذه الأمة، كذلك التجديد التاريخي لهذه الأمة يقضي بالعودة إلى ذلك التشكيل الإسلامي من خلال النص القرآني والنص النبوي، بعيدًا عن الرؤى المنغلقة لبعض التيارات الإسلامية، ومن دون أن يعني ذلك الانغلاق على الآخر «الغرب». ولعل غزارة الدراسات الاستشراقية -التي فكك دلالة المسكوت عنها المفكر الكبير إدوارد سعيد- ونشوء ملابسات القضية الفلسطينية قبل وبعد تقرير اللورد كامبل في بدايات القرن الماضي، عن العالم العربي الإسلامي إلى يومنا هذا هو أكثر من مسألة تفسير سياسي، بل تتعدى دلالتها إلى الوجود الإشكالي لهذه الأمة ما يعني ملزومية الصراع الحضاري، كما ذهب إلى ذلك المفكر الأمريكي صموئيل هنتجتون. أليس عجيبًا أن تتقدم أمم طرفية كالصين وكوريا -رغم التماهي مع الخطاب الأيديولوجي الماركسي- ولكن بشروطها الذاتية في صياغة ذلك الخطاب، وبما ينسجم مع التركيب الداخلي لمجتمعاتها، بينما ماركسيو العرب يرفعون المظلات في البلاد العربية إذا هطلت الأمطار في موسكو، كما تندر عليهم أحد المفكرين اللبنانيين إبان الحرب الباردة، في إشارة إلى الحرفية والإخلاص «والأمانة»، في تطبيق مبادئ نظرية نسبية دون أن تكون وحيًا منزلًا أو حقائق علمية لا تقبل الجدل.