; أزمة الديون الأمريكية.. إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان أزمة الديون الأمريكية.. إلى أين؟

الكاتب د. أشرف دوابه

تاريخ النشر الأحد 01-ديسمبر-2013

مشاهدات 77

نشر في العدد 2066

نشر في الصفحة 60

الأحد 01-ديسمبر-2013

يتسم النظام الرأسمالي بأنه نظام يفجّر الأزمات الواحدة تلو الاخرى، فهو نظام لا تنقضي أزماته، بل يعيش على الأزمات.

وفي ظل هذا النظام الذي تتبناه وتقوده الولايات المتحدة الامريكية لم تسلم دولة من أزماته.

فقد شهد الاقتصاد الأمريكي انتكاسة كبرى سُميت بالكساد العظيم في يوم ٢٤ أكتوبر ١٩٢٩م بعد إفراط البنوك في ضمان الاكتتاب في الأوراق المالية، وكذلك طرح ملايين الأسهم للبيع دفعة واحدة، مما أشعل حمى المضاربة في هذه الأسهم، فأصبح العرض أكثر من الطلب؛ فانهارت قيمة الأسهم، وتبخرت الأموال؛ فعجز الرأسماليون عن تسديد ديونهم، وأفلست البنوك، وأغلقت عدة مؤسسات صناعية أبوابها، كما عجز الفلاحون عن تسديد قروضهم، واضطروا للهجرة نحو المدن، وقد سمي هذا اليوم ب«الخميس الأسود»، وقد خسر فيه مؤشر «داو جونز» ما يقرب من ٥٠٪ من قيمته، ولم يعد لمستواه إلا بعد مرور أكثر من ٢٠ عامًا، واستمرت أزمة الكساد العظيم من عام ١٩٢٩ حتى عام ١٩٣٣م.

وفي ١٩ أكتوبر ١٩٨٧م، انهارت سوق الأسهم الأمريكية مرة أخرى؛ نتيجة لحمى المضاربة والإفراط في التعامل في المشتقات المالية، حيث انخفض مؤشر «الداو جونز» بنسبة ٢٢,٦٪، وسمي ذلك اليوم بـ«الإثنين الأسود».

ثم جاءت الأزمة المالية العالمية في ١٥ أغسطس ٢٠٠٨م، بعد أن اشتعلت شرارتها في سوق الرهانات العقارية الأمريكية، وازدادت اشتعالًا بفعل المشتقات المالية، وامتدت آثارها لدول العالمِ، وإن اختلفت درجة تأثيرها من دولة لأخرى - وفقا لارتباطها بأسباب الأزمة - من: خسائر، وإفلاس، وبطالة، وهبوط بورصات، وتقلب وتراجع أسعار، وفقر، وركود وكساد ..

ولم تقتصر تلك الآثار على الاقتصاد المالي، بل انتقلت أيضا إلى الاقتصاد العيني.

وقد كان امتداد انعكاسات الأزمة الأمريكية على دول العالم شيئًا طبيعيًا في ظل ترابط الأسواق العالمية، وتحكم الولايات المتحدة فيما يصل إلى نسبة ٤٠٪ من حجم التجارة الدولية، وسيادة الدولار كعملة عالمية للمعاملات التجارية العالمية، وكون الاقتصاد الأمريكي أكبر اقتصاد على مستوى العالم.

وقد تحول الأمر إلى أزمة ديون طاحنة، ولم يكن هذا شيئا مستغربا، بل كان نتيجة حتمية للنظام الرأسمالي المتوحش الذي يقدسٍ سعر الفائدة والمقامرة وبيع الديون والجشع، فضلًا عن السلوك الأمريكي المترف الذي اعتاد على الإنفاق من جيب غيره، والمغالاة في استهلاكه، وهذا هو ديدن الشعب الأمريكي، فضلًا عن الإنفاق في حروب لا تبقي ولا تذر.

فقد بلغت تكاليف الحرب على العراق وحدها نحو ٤ تريليونات دولار بعد حساب الفائدة، كما بلغ إجمالي ما أنفقته الحكومة الامريكية على الازمة المالية العالمية نحو ٤ تريليونات دولار، وقد أدى هذا التراكم المتوالي إلى تنامي الدين الحكومي حتى لامس حاجز ١٦,٧ تريليون دولار، بنسبة وصلت إلى أكثر من ١٠٤٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وتوقع تقرير لكتب الميزانية في الكونجرس الأمريكي أن يصل الدين الحكومي الأمريكي إلى ٢٦ ترليون دولار في عام ٢٠٢٣م، وإن ذكر أن نسبة الدين الأمريكي إلى الناتج المحلي الإجمالي المتوقعة ستتراجع إلى ٦٩٪ في نفس العام.

ويمثل الدين العام الأمريكي مجموع الدين العام المقرر على الحكومة الاتحادية، وهو جملة سندات الضمان المملوكة لأطراف خارج الولايات المتحدة، إلى جانب سندات الضمان التي تصدرها وزارة الخزانة الأمريكية والمملوكة لأطراف داخل الولايات المتحدة، ولا يشمل هذا الدين سندات الضمان التي تصدرها الحكومات المحلية وحكومات الولايات، وتستثمر في تلك السندات أهم دول العالم - من الناحية الاقتصادية - وفي مقدمتها: الصين، واليابان، والبرازيل، والهند، والمكسيك، وكندا، والنرويج، وسنغافورة، وأيرلندا، وهونج كونج، وروسيا، ولوكسمبورج، وبريطانيا، وبلجيكا، وسويسرا، وتايوان، وألمانيا، والدول المصدرة للنفط، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.

وقد أدت سياسة الديون الأمريكية القائمة على ترقيع الديون إلى تضخم الدين الأمريكي، وقرب انفجاره لا محالة، فكلما تعثرت الولايات المتحدة في سداد التزاماتها لجأت إلى طباعة الدولار، وإصدار سندات خزانة جديدة، فتأخذ من هذا وتعطي ذاك، ولكن هذا لم يغن عنها شيئًا، فتفاقمت الأزمة في شهر أغسطس ٢٠١٢م بصورة أوشكت فيها الولايات المتحدة على إعلان إفلاسها، وتم التخفيض الائتماني لسنداتها، وانتهى الأمر بترحيل الأزمة من خلال سَنَّ قانون شهد شدًا وجذبًا بين الديمقراطيين والجمهوريين بمقتضاه يتم تخفيض ميزانية وزارة الدفاع، ورفع سقف الدين العام بمقدار ٢,٤ تريليون دولار على مرحلتين، ووضع برنامج لخفض الإنفاق العام بمقدار تريليون دولار.

ثم عاودت الازمة خطورتها في شهر أكتوبر ٢٠١٣م حتى باتت الولايات المتحدة قريبة من الإفلاس، ولم ينقذها إلا الاتفاق الذي توصل إليه أعضاء الكونجرس من تمويل المؤسسات الحكومية، وإنهاء التعطيل الجزئي للحكومة حتى منتصف يناير المقبل، وتمديد سلطة الحكومة الأمريكية في الاقتراض حتى السابع من فبراير المقبل، بالإضافة إلى ضرورة تشكيل لجنة لبحث موازنة عام ٢٠١٤م، وقد أتى هذا الاتفاق قبل يوم واحد فقط من الموعد النهائي لرفع سقف الدين إلى ١٦,٧ ترليون دولار، وإلا واجه الاقتصاد الأمريكي خطر التخلف عن سداد الديون.

وهكذا ازدادت فقاعة الديون انتفاخًا، واقترب وقت انفجارها، ووقتها سيكون مصير الاقتصاد الأمريكي السقوط للهاوية، وسيتم إعلان وفاة القطب الأوحد والهيمنة الأمريكية، وهذا ما يقره العقل ويؤيده الشرع.

فالعقل يؤكد أنه ليس بعيداً أن ينهار الاقتصاد الأمريكي المنتفخ بفقاعة الديون، وتنتهي الإمبراطورية العظمى ذات القطب الأوحد، كما حدث لبريطانيا من قبل، وهذا ما شهد به الغربيون أنفسهم، فقد ذكر المؤرخ الكندي المشهور «بول كنيدي» - منذ أكثر من عشرين عامًا - أن الولايات المتحدة ستبدأ في الانهيار الإمبراطوري في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كما أشار أحد تقارير المخابرات الأمريكية إلى أن نفوذ الولايات المتحدة الاقتصادي والسياسي سينتهي خلال عقدين من الزمان.

أما ما يؤيده الشرع، فمن سنن الله تعالى الكونية أن الأيام دوَل، ولكل أمة أجل، وأن عاقبة الظلم والطغيان الزوال والخسران، قال تعالى: ﴿ وَلِكَلِ أمَّةِ أَجَلَ فإِذا جَاءَ أَجَلَهُمْ لا يَسْتَأْخِرُون سَاعَة وَلا يَسْتَقدِمُونْ ٣٤ (الأعراف)، وقال تعالى: • الذينَ طغَوْا فِي البِلادِ (١١) فأكثرُوا فِيهَا الفَسَادَ (١٢)فَصَبّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْط عَذَابٍ (1٣) إِنَّ رَبّكَ لَبِالمِرْصَادِ (١٤) ﴾ (الفجر).

إن أزمة الديون الأمريكية تمثل إنذارا للدول التي مازالت تربط عملتها بالدولار، وتشتري بفائض أموالها سندات الوهم الأمريكي، للتخلص من هذا المأزق والخروج من هذا النفق، فاستشراف المستقبل يؤكد حتمية فك ارتباط عملات تلك الدول بالدولار، كما يمثل إنذرًا للدول التي تعتمد على الغرب في تلبية حاجتها أن تعتمد على نفسها، وتلبي متطلباتها من صنع أيدي أبنائها؛ فتحل منتجاتها محل وارداتها، بل وتفتح أسواقًا خارجية لتصدير منتجاتها .

ويبقى بعد ذلك التأكيد على عظمة النظام الاقتصادي الإسلامي الذي حرّم الربا - الذي هو منبع أزمة الديون الأمريكية - وأعلن حربًا من الله ورسوله على المرابين في كل زمان ومكان، وإذا كانت أزمة الديون الأمريكية تمثل نذيرًا للبشر، فإن فيها بشارة حملة رسالة الإسلام للأخذ بيد البشرية نحو النجاة بتسويق منهجهم الاقتصادي الرباني الشامل الكامل رحمة بالعالمين؛ ﴿ومَا أَرْسَلَنَاك إِلاَ رَحْمَةً لِلعَالمِينَ (١٠٧) ﴾ (الأنبياء) 

 مفاهيم اقتصادية

الصكوك الإسلامية

هي وثائق متساوية القيمة تمثل حصصًا شائعة ومتساوية في موجودات معينة ومباحة شرعًا، تصدر وفق صيغ التمويل الإسلامية، وعلى أساس المشاركة في الغنم والغرم، والالتزام بالضوابط الشرعية.

وتتعدد وتتنوع الصكوك الإسلامية بتعدد وتنوع أساليب التمويل الإسلامي لتغطي كافة الأنشطة الاقتصادية المختلفة، فقد تمثل ملكية أعيان مؤجرة أو منافع أو خدمات كما في صكوك الإجارة، وقد يتم إصدارها لتحصيل رأسمال السلم، وتصبح سلعة السلم مملوكة لحملة الصكوك كما في صكوك السلم، أو يتم إصدارها لاستخدام حصيلة الاكتتاب فيها في تصنيع سلعة، ويصبح المصنوع مملوكًا لحملة الصكوك كما في صكوك الاستصناع، أو يتم إصدارها لتمويل شراء سلعة المرابحة، وتصبح سلعة المرابحة مملوكة لحملة الصكوك كما في صكوك المرابحة، أو يتم إصدارها لاستخدام حصيلتها في إنشاء مشروع أو تطوير مشروع قائم أو تمويل نشاط، ويصبح المشروع أو موجودات النشاط ملكا لحملة الصكوك في حدود حصصهم.

وتدار الصكوك على أساس الشركة بتعيين أحد الشركاء أو غيرهم لإدارتها كما في صكوك المشاركة، أو يتم إصدارها لاستخدام حصيلة الاكتتاب فيها في تمويل مشروع على أساس المزارعة، ويصبح لحملة الصكوك حصة في المحصول وفق ما حدده العقد كما في صكوك المزارعة، أو يتم إصدارها لاستخدام حصيلتها في سقي أشجار مثمرة والإنفاق عليها ورعياتها على أساس عقد المساقاة، ويصبح لحملة الصكوك حصة من المحصول وفق ما حدده العقد كما في صكوك المساقاة، أو يتم إصدارها لاستخدام حصيلتها في غرس أشجار، وفيما يتطلبه هذا الغرس من أعمال ونفقات على أساس عقد المغارسة، ويصبح لحملة الصكوك حصة في الأرض والغرس كما في صكوك المغارسة، وتدار الصكوك على أساس الوكالة بالاستثمار بتعيين وكيل عن حملة الصكوك لإدارتها كما في صكوك الوكالة.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل