العنوان أزمة «السلطة» طبخة على نار «إسرائيلية» هادئة وبتوابل فتحاوية!!
الكاتب أحمد كرماوي
تاريخ النشر الجمعة 13-أغسطس-2004
مشاهدات 97
نشر في العدد 1613
نشر في الصفحة 26
الجمعة 13-أغسطس-2004
● ما يجري على الساحة الداخلية الفلسطينية أعقد من أن يكون صراعًا بين تيارين ذوي رؤى سياسية أو فكرية مختلفة.
● دحلان الساعي لوراثة عرفات... بلغت قوته ١٥ ألف مسلح يحصلون على رواتب طائلة وقام بأكبر حملة لجمع وشراء الأسلحة من العامة لإضعاف الفصائل الأخرى.
كل المؤشرات تدل على أن العد التنازلي لبقاء الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مبنى المقاطعة برام الله أوشك على الوصول إلى الصفر والمرحلة التي تعيشها قيادة عرفات للشعب الفلسطيني هي الآن الأسوأ -بالنسبة لأبي عمار وللشعب الفلسطيني على حد سواء ليس منذ توقيع اتفاق أوسلو فقط وإنما منذ بروز عرفات أواخر الستينيات.
نجح الرئيس عرفات في تجاوز المحن وإفشال محاولات التغيير التي شهدتها الساحة الفلسطينية خلال العقود الثلاثة الماضية حيث غابت خلالها كل القيادات المؤثرة والمنافسة له ولم يبق من القيادة التاريخية الفلسطينية سوى عرفات وعدد محدود جدًّا من مؤسسي حركة فتح.
لكن أخطر ما يمر به أبو عمار وما تعيشه الساحة الفلسطينية ليس الحصار الصهيوني. الأمريكي له وللسلطة الفلسطينية، ولا تجاهل الأوروبيين الذين تركوه لمصير، وليس الغياب العربي الرسمي والشعبي عن كل ما يدور في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل أخطر من ذلك كله الأزمة الفلسطينية الداخلية. وتحديدًا الصراعات داخل الأطر الفتحاوية نفسها التي تقود السلطة الفلسطينية والتي وصلت إلى منحنيات خطيرة خلال الأسابيع القليلة الماضية شملت عمليات خطف مسؤولين أمنيين وأجانب في غزة ونابلس، واقتحام وإحراق مقرات أمنية فلسطينية في خان يونس وغزة وجنين وإطلاق نار في رام الله على نبيل عمرو وزير الإعلام السابق وعضو المجلس التشريعي والمحسوب على من يصفون أنفسهم بتيار «الإصلاحيين» داخل السلطة وحركة فتح.
من غزة إلى الضفة
سيناريو الفوضى الفلسطينية انتقل من قطاع غزة إلى الضفة الغربية بسرعة وظاهر الأمر أن المتضررين مما حدث في غزة أرادوا الرد بالمثل فكان ما كان في الضفة الغربية فقد اقتحم مسلحون من كتائب شهداء الأقصى بقيادة شاب صغير يدعى زكريا الزبيدي، أحد القادة الميدانيين للكتائب في جنين ليلة السبت الماضي مقر المخابرات العامة في جنين وأحرقوه بالكامل مشاهد الحرق لم تكن مألوفة، فقبل كل شيء تظل المقرات الأمنية جزءًا من السلطة الفلسطينية، لكن الزبيدي ورفاقه حرصوا قبل إشعال النار في المقر على إظهار ولائهم لمن أسموه بـ القائد الرمز والقادة الشهداء الآخرين.
وقد اتهم الزبيدي المخابرات الفلسطينية بمراقبة وملاحقة مطلوبين من كتائب الأقصى والفصائل الفلسطينية الأخرى، وقال إن عملهم يهدف إلى إرسال رسالة تفيد بضرورة عدم التعرض للمقاومين بما قد يعرض تحركاتهم للخطر.
بعض المصادر تحدثت عن أن مبنى المخابرات في جنين كان يحتوي على ملفات قضايا الفساد بيع الأسمنت المستورد من الشركات إسرائيلية تبني الجدار العازل وغيرها من القضايا والتي يعتزم المجلس التشريعي بحثها قريبًا!
وقبل ذلك بعدة ساعات أقدم مسلحون ينتمون لنفس الجماعة على إحراق مقر محافظ جنين قدورة موسى الذي لم يمض على تعيينه سوى أيام قليلة احتجاجًا منهم على ما وصفوه بتنصله من وعده بعدم ممارسة مهماته قبل إنصاف المقاتلين والأسرى والجرحى ومنحهم كامل حقوقهم ورواتبهم التي لم تدفع منذ مدة طويلة.
وقبيل هذا الحادث أعلنت أجهزة الأمن الفلسطينية أنها عثرت على ثلاثة رهائن غربيين وحررتهم بعد أقل من ساعتين من قيام مجموعة من المسلحين باختطافهم من مبنى سكني قرب جامعة النجاح في نابلس والمختطفون الثلاثة المحررون هم أمريكي وبريطاني وأيرلندي ينتمون إلى جمعية تنصيرية وجاءوا للعمل تحت ستار تعليم اللغة الإنجليزية. كما اقتحمت مجموعة مسلحة من كتائب العودة التابعة لفتح أيضًا مقر محافظة نابلس حيث كان إصلاحية الحركة يعتزمون عقد اجتماع لهم لبحث ظاهرة الفساد في السلطة واضطر القائمون على الاجتماع إلى إلغائه بقوة السلاح.
وكان نفس السيناريو -تقريبًا- قد تكرر قبل تلك الأحداث بأسبوعين فقد شهد الوضع الأمني في قطاع غزة تدهورًا خطيرًا بعد ساعات من إطلاق سراح القائد العام للشرطة الفلسطينية غازي الجبالي، إذ اختطف أربعة فرنسيين في مدينة خان يونس وأحرق عدد من عناصر كتائب شهداء الأقصى مقر الاستخبارات العسكرية في مدينة خان يونس كما تم اختطاف أحد المسؤولين الأمنيين الأمر الذي دفع أحمد قريع لتقديم استقالته، ثم جرى اقتحام محافظة خان يونس من جماعة قيل إنها من كتائب أحمد أبو الريش التابعة لحركة فتح هي الأخرى.
لا شك أن تلك الأحداث شكلت وما زالت أزمة لدى السلطة وحركة فتح وخصوصًا عرفات بعض المراقبين يحلو له تبسيط الأمور والزعم بوجود تيارين داخل فتح والسلطة تيار يقوده الرئيس عرفات والآخر بقيادة رئيس الوزراء السابق محمود عباس ومعه العقيد محمد دحلان وزير الشؤون الأمنية في حكومته السابقة ومدير جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة قبلها.
إلا أنه على الرغم من التسليم بالخلافات الشديدة بين عرفات من جهة وعباس ودحلان من جهة أخرى فإن ما يجري على الساحة الداخلية الفلسطينية أعقد من أن يكون صراعًا بين تيارين ذوي رؤى سياسية أو فكرية مختلفة، فالتباينات السياسية تكاد تكون معدومة، والفساد والفاسدون موجودون على خطي المواجهة لدرجة أصبح فيها من الصعب معرفة من يضرب من؟ ومن يهاجم من؟ فقد اختلطت الأوراق وغابت الحقيقة في خض صراع: ظاهره محاربة الفساد وباطنه إسقاط عرفات -كما عبر بيان لكتائب العودة -أو إسقاط خصوم عرفات.
دحلان لم يغب عن الساحة
الحديث عن محمد دحلان ووجوده في الساحة الفلسطينية بهذه القوة على الرغم من تجريده من أي منصب رسمي، يكشف مدى نفوذ الرجل وقوته على الأقل في قطاع غزة حيث يقدر عدد أنصاره المسلحين الذين يتلقون رواتب منه بحوالي ١٥ ألف مسلح ولا يتحدث أحد عن مصدر التمويل الذي لم يقف عند حد دفع رواتب المسلحين بل تعداه إلى أكبر حملة يعرف الكثيرون أن وراءها العقيد دحلان لشراء الأسلحة من العامة وجمعها بهدف إضعاف الفصائل الأخرى أو الخصوم بعض الخصوم لا يتورع عن ربط دحلان والأموال التي يتلقاها بأجهزة الأمن الصهيونية.
لعل عودة محمد دحلان إلى الساحة وبتهديد صارخ لعرفات يعطي مؤشرًا على الدور الذي يلعبه الرجل في تحريك الأحداث التي جرت وتجري في الأراضي المحتلة، فقد حذر دحلان الذي ظل شهورًا عديدة غائبًا في جامعة أكسفورد بإنجلترا، حذر من أنه إن لم تسر الإصلاحات السياسية بشكل جيد حتى العاشر من أغسطس، فإن تيار الإصلاح الديمقراطي، في حركة فتح سيستأنف الاحتجاجات السلمية المطالبة بالإصلاح ومكافحة الفساد، وسيواصل تكتيل حركة فتح في هذا الاتجاه حتى لو كلفنا ذلك رقابنا هذا التحذير جاء في لقاء له مع عدد دحلان الساعي لوراثة عرفات.... بلغت قوته من رؤساء التحرير والكتاب في الصحف الأردنية الأسبوع الماضي.
ووفقًا لصحيفة الشرق القطرية قد أشار دحلان خلال اللقاء إلى أن عرفات وافق في آخر لقاء عقده مع رئيس المجلس التشريعي روحي فتوح ولجنة المصالحة التي تشكلت من أعضاء في المجلس التشريعي على مطالب المجلس التي تمثلت في:
- تنفيذ وثيقة الإصلاح الشامل التي أقرها المجلس التشريعي في مايو ۲۰۰۰ والالتزام بها.
- إعادة النظر في هيكلية ومرجعية المؤسسة الأمنية.
- مراعاة التعامل مع شخصيات غير مشكوك فيها!
- توقيع عرفات على جميع القوانين التي أحالها المجلس التشريعي إليه.
- تفعيل الدور الرقابي للمجلس التشريعي. وتجدر الإشارة إلى موافقة الرئيس الفلسطيني على إعطاء رئيس وزرائه أحمد قريع الصلاحيات الأمنية الكاملة التي ينص عليها الدستور، وذلك مقابل تراجع قريع عن الاستقالة التي قدمها بعد أحداث غزة الأخيرة وما وصفه قريع بحالة الانفلات الأمنِي في مناطق السلطة.
إذن فدحلان يتحدى ويهدد القائد الرمز الذي يدرك خطورة العقيد الشاب على زعامته رغم أن لا أحد في الشارع الفلسطيني يمكنه تصديق أن دحلان بديل مناسب لعرفات بسبب سجله الأسود وعلاقته المباشرة والمكشوفة مع الإسرائيليين، ولأن الشاب لا يملك من الكاريزما الشخصية ما يؤهله الخلافة عرفات فكان من الضروري إعداده أو تأهيله سياسيًّا وثقافيًا في جامعة مرموقة کأكسفورد، ولحين اكتمال الأمور ونضوجها يبحث الشاب عن شخصية يلتصق بها ويعتقد أنها أكثر قدرة منه على المناكفة والتحدي وهو محمود عباس، الذي على الرغم من أنه من أوائل الفتحاويين المؤسسين فإنه يفتقر إلى القوة المسلحة التي يمكنها إبقاؤه في خط المنافسة مع عرفات.
ومهما كان الأمر في معركة التجاذبات والاستقطاعات داخل فتح والسلطة، فإن ما هو واضح أن الإصلاحيين بزعامة محمود عباس ومحمد دحلان يريدان إنهاء الرئيس الفلسطيني معنويًّا وسياسيًّا على الأقل. المرحلة القادمة تبدو هي الأخطر على مستقبل الرئيس الفلسطيني والأمور يبدو أنها تطبخ على نار إسرائيلية هادئة وبتوابل فتحاوية إصلاحية .