; أزمة الشيوعية المعاصرة | مجلة المجتمع

العنوان أزمة الشيوعية المعاصرة

الكاتب فتى الخليج

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1970

مشاهدات 113

نشر في العدد 22

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 11-أغسطس-1970

من لوازم العمل السياسي السليم وضوح الرؤية السياسيَّة، ولا يتحقَّق الوضوح في الرؤية السياسيَّة إلَّا حين يكون للنظرة الموضوعيَّة مكان الصدارة في تصور الواقع السياسيِّ القائم، ونظرًا لأن للاتجاه الإسلامي اهتماماته السياسيِّة فمن الضروريِّ إذن أن تتَّضح الصورة السياسيَّة العالميَّة في أذهان أصحابه بكافَّة سلبيَّات تلك الصورة، ذلك بأنَّها الإطار الواقعيّ للعمل الإسلاميِّ من جهة، وكافَّة التطوُّرات السياسيَّة العالميَّة من جهةٍ أخرى، ففي الصورة السياسيَّة العالميَّة أزمات كثيرة ناشئة عن تناقض وتضارب مصالح المعسكرات السياسيَّة العالميَّة غربيها وشرقيها، وضمن إطار تلك الصورة تعمل كثير من الحركات السياسيَّة محاولة ضبط تيَّار الأحداث السياسية وتوجيهه لصالحها، والانعزال التام عن تيَّار الأحداث السياسيَّة يفقد أي حركة من عنصر المبادرة فوق المسرح السياسيِّ، ذلك العنصر الذي تعتمد عليه استمرارية الحياة في جسم الحركة، والإصرار المستمر من جانب الحركة أن تكون طرفًا في تلك الصورة هو الذي يثبت وجودها، ومن ثمَّ يُعطيها الفرصة لاسترداد عنصر المبادرة والتحكم في تطوُّر الحدث السياسيّ. وفيما يلي جوانب أزمة تواجهها الأحزاب الشيوعيَّة في العالم، الحاكمة في أقطار متفرقة، وإن إدراك أبعاد هذه الأزمة الواقعية من جانب الاتجاه الإسلامي لتعطيه رصيدًا لا بأس به من المعرفة الموضوعية، ومن ثمَّ تنير أمامه سبل مواجهته للتجمعات الشيوعية العربية التي تعمل اليوم فوق الأرض العربية في حماية مظلة من النفوذ السوفياتي، الذي يتصاعد في منطقتنا بشكل يدعونا لمتابعته يومًا أثر يوم.

 

·       رفض التسمية الشيوعية

ليس في العالم دولة واحدة تدعي بأنَّها دولة شيوعية، وأنَّ الدول المعروفة مجازًا اليوم بالدول الشيوعيَّة ترفض رسميًا هذه التسمية، وتُصِر على أنَّها في مرحلة ما قبل المرحلة الشيوعية، وبعضها يقبل تسمية الجمهوريَّة الديمقراطيَّة الشعبيَّة؛ نظرًا لأنَّ القوة السياسيَّة في تلك الدول تكمن في يد الطبقة العاملة، وقليل من الدول في العالم من تصف نفسها رسميًا وفي الدستور بأنَّها دولة اشتراكيَّة؛ نظرًا لأنَّ هذه التسمية تعني بصورة عملية بأن الدولة انتهت من تصفية كافَّة الكيانات الطبقيَّة المعادية لطبقة العمال، أو حتَّى الخارجة بطبيعة تكوينها الاجتماعيِّ عن طبقة العمال، إلَّا أن كل هذه الدول تقر إقرارًا رسميًا بأنَّ الشيوعية وتحقيقها هي الهدف المشترك. والمدلول الواقعي للفكرة الشيوعيَّة هو القضاء على كافَّة صور الاستغلال الطبقي، ويعتبر الشيوعيون بأنَّ المؤسَّسة الحكوميَّة بما أنها مؤسسة ليست إلا أداة من أدوات الضغط التي تُمكن طبقة ما من استغلال الطبقات الأخرى، ولذا وبناءً عليه فليس في المرحلة الشيوعيَّة مؤسَّسة حكوميَّة، ومن هنا جاءت نظرية ماركس في ضرورة ذوبان الكيان الحكوميِّ في تلك المرحلة، غير أنَّه لم يُحدد لذلك فترة زمنية.

 

·       متى تتحقَّق الشيوعيَّة؟

وبما أنَّ الفكرة الشيوعيَّة لا تتحقَّق في النهاية إلَّا بتحقق ذوبان المؤسَّسة الحكوميَّة، إذن نستطيع أن نقول بأنَّها -أي الفكرة الشيوعيَّة- لا تمنح معتنقيها نظرية حكم، وإنَّما هي أساسًا وكما جاءت في كتابات مارکس استراتيجيَّة تغيير للعالم بأسره، وفرق شاسع بين النظريَّة والاستراتيجيَّة، وأزمة الأنظمة الشيوعيَّة اليوم تكمن في أنَّها حولت الفكرة الشيوعيَّة إلى نظام حكم، وجردتها بذلك من مضمونها التاريخي، وكونها بالأساس استراتيجية تغيير، وترتب على ذلك تركيز الأحزاب الشيوعية الحاكمة كل طاقاتها في الحفاظ بمركز القوَّة والنفوذ والسلطة في مؤسسة الحكم، وقد يبدو لأول وهلة بأن ما سبق ذكره تبسيط ساذج لأزمة الشيوعية المعاصرة، غير أنّه في مجمله تكثيف مبسط لأمر واقع تعيش في دوامته كافة الأنظمة الشيوعية، ولا شكَّ بأنَّ غزو تشيكوسلوفاكيا ١٩٦٨م المفاجئ والذي ذهب ضحيَّته ألوف في شوارع براغ معلم من معالم اهتمامات الأحزاب الشيوعيَّة الحاكمة في الحفاظ على السلطة، وبأن تلك الأنظمة لا تحتمل أيَّ هزَّة تُحدثها أي دعوة ليبراليَّة لا مركزيَّة، وعلى نطاقٍ أضيق كانت محاولات خروشوف الليبراليَّة العديدة والتي كانت تهدف إلى نظام حكم يتربع فوقه الحزب الشيوعي.

·       ما بين الحزب والحكومة

المهمَّة الأولى إذن للحزب الشيوعيّ أصبحت البقاء في سُدة المسؤوليَّة والسُلطة والحفاظ عليها. والمهـمَّة الثانويَّة هي الاستعداد لذلك اليوم الذي فيه لا تكون هناك حاجة لمؤسَّسة الحكومة غير أنَّ ذلك اليوم أصبح بعيدًا للغاية حتى تحوّل إلى أسطورة جميلة حوادثها وشخوصها ومناخها وهواؤها، غير أنَّنا لا يمكن أن ننسى بأنَّها أسطورة، ففي المجتمعات الأوروبيَّة الغربية لا أحد يحلم بأنَّه في يوم ما لا تكون هناك حاجة لمؤسَّسة الحكومة، فمؤسَّسة الحكومة حقيقة كما الماء والشمس والهواء. أمَّا في المجتمعات الَّتي تحكمها الأحزاب الشيوعية، فإنَّ قدوم ذلك اليوم الذي فيه تذوب المؤسَّسة الحكوميَّة لفصل الحكومة عن كيان الحزب بصورة جديَّة مدعاة لقلق الحزب على نفوذه، مما دعاه لفصل وعزل خروشوف ذلك العزل المفاجئ. ولو قُدِّرَ لخروشوف أن يحقق ذلك الفصل بين كيان الحكومة کجهاز إداري والحزب كتجمّع عقائدي لازدهر بذلك الاقتصاد السوفياتي، ولما اضطر الكرملين عام 1970م -أي بعد حكم زاد على نصف قرن- أن يرفع سعر اللَّبن واللَّحم والصوف، وذلك في محاولة يائسة لزيادة احتياطي الأغذية، وبات من المعتقدات الرسميَّة اليوم في الأنظمة الشيوعيَّة بأنَّ الحفاظ على كيان الحزب وتعميق نفوذه وسُلطته هو بالتالي الحفاظ على ذات الثورة وتعميقًا لنفوذ مفاهيمها. وتحوَّلت الأحزاب الشيوعيَّة الحاكمة إلى طبقة جديدة كما أسماها میلوفان دجیلاس النائب السابق للرئيس تيتو، وتحوَّلت الفكرة الشيوعيَّة من كونها استراتيجيَّة تغيير عالميَّة و«لكلٍّ حسب حاجته» مبدأ يتحقَّق بلا سُلطة ردع والإنسان بعد أن كان وحشيًّا استغلاليًّا طبقيًّا يتحوَّل بقدرة قادر إلى إنسان شيوعيٍّ وديع آمن في بيته وبلاده وله حسب حاجته.

إنَّ قدوم ذلك اليوم أمرٌ تعزِّزه المعتقدات الرسميَّة في النظام. وليس تجنيًّا على ماركس وأتباعه إذا قلنا إنَّ في تلك النظريَّة خيوطًا طوبائيَّة خيالية بعيدة الاحتمال في عالم الحدوث، والمجتمعات التي تعيش في ظلِّ حزب شيوعيٍّ حاكم في حالة انتقال دائمة أو هكذا يحاول النظام أن يقنع الشعب وعلى الشعب الاحتمال من أجل الغد الأفضل، لكن متى الغد؟ لا يجيب النظام، كلّ شيء يعلّق، الدستور، القانون، المصالح، المؤسّسات، حتّى حقّ الإضراب من قبل النقابات العُمَّاليَّة، حقّ الكلمة الحرَّة والرأي غير الملتزم، كل هذا يعلّق من أجل الغد الأفضل الشيوعيّ، لكن نعود إلى السؤال متى الغد؟ لا جواب.

 

·       دور الستالينية

عوامل عديدة في تاريخ الحركة الشيوعيَّة هي التي سبَّبت هذه الأزمة. وأقصد بالأزمة تحوُّل الفكرة الشيوعيَّة إلى نظام حكم دائم بدلًا من استراتيجيَّة عالميَّة. فنشوء الاتحاد السوفيتي سنة 1917م اعتبر مقدِّمة لثورة عالميَّة تبدأ بتغطية الأرض الأوروبيَّة نظرًا لنضج تناقضات الأوضاع الاجتماعيَّة هناك وخاصَّةً في ألمانيا، كما توقَّع ماركس ولم تصدقه توقُّعاته. وعندما لم تصدق توقعات ماركس تبنّی ستالين مبدأ «الاشتراكيَّة في بلد واحد» وكان لذلك مدلولات واقعيَّة أوَّلها بأنَّ تبنِّي سياسة الاتِّحاد السوفيتيّ الخارجيَّة مع باقي الدول على أساس المصلحة المتبادلة، ولا يخفى علينا أن ذلك خروج على الفكر الماركسيّ الداعي للثورة العالميَّة ومن هنا انشق ليون تروتسکی وكتب كتابه «الثورة الدائمة» وما زال له أتباع كثر غير أن ستالين تمكن من اغتياله في المكسيك، وكان لتبني ستالين مبدأ الاشتراكيَّة في بلد واحد مدلولات واقعيَّة كثيرة انعكست على بناء كلِّ من الحزب الشيوعيِّ ذاته والمجتمع الروسيِّ في ظلِّ حكم ستالين. كما نشأت تناقضات بین ستالين نفسه والأحزاب الشيوعيَّة العاملة في أوروبا. وكثيرًا ما ضحَّی ستالین برفاقه الأوروبيِّين في سبيل مصلحة الاتِّحاد السوفيتيِّ. وتضخَّم بعد ذلك الجهاز الحكوميُّ في روسيا وارتبط عمل ذلك الجهاز بعمليَّة التصنيع وتعميق جذوره في البلاد وبدلًا من أن يمضي الحزب الشيوعيُّ الروسيُّ في سعيه لإشعال نار الثورة العالميَّة كما يُثير بها ماركس توجَّه للاتِّحاد السوفياتيِّ يعمِّق فيه نفوذه وسُلطته يدًا بید مع برنامج تصنيع ثقيل رفع الاتِّحاد السوفيتيِّ في مصافّ الدول الصناعيَّة العالميَّة. ومنذ ذلك الحين والسوفيات يعملون في كثير من الميادين المؤثِّرة على ما يُسمَّى بـ«السلام العالميِّ» مع الأمريكان سادة الرأسماليَّة ودُعاتها. ومن هنا نشأ الخلاف بين موسكو وبكين التي لها تفسير آخر لنظرية التعايش السلميِّ بين الشعوب وأثر تلك النظريَّة على علاقة المعسكر الشيوعيِّ بالمعسكر الرأسماليِّ.

الأحزاب الشيوعيَّة الحاكمة حبيسة هذه الأزمة، أزمة تحويل الفكرة الشيوعيَّة من استراتيجيَّة تغيير عالميٍّ كما هي في الأساس والمضمون إلى نظرية حكم دائم كما يشهد واقع الأنظمة الشيوعيَّة اليوم. الأزمة انعكست على بناء الكتلة الشيوعيَّة العالميَّة، فسبّبت انشقاقًا عميقًا تشكّل فيه الصين جانبًا وروسيا جانبًا آخر. وبين الجانبين يقف تيتو مستقلًّا عن هذا وذاك متَّخذًا نهجًا خاصًّا، حَرِي بنا أن ندرسه ونمحِّصه وندرس أثر جوانب ذلك الاستقلال المنهجيّ على مساعي الرئيس تيتو في مشكلة الشرق الأوسط الحاليَّة. كما انعكست آثار تلك الأزمة على البنية الداخليَّة لكوادر الأحزاب الشيوعيَّة العربيَّة، فنجد فيها جناحًا صينيًّا وآخر موسكويًّا. ولا نبالغ إذا قلنا بإنَّ نجاح التجـربة الشيوعيَّة المعاصرة مرهون بقدرة الأنظمة الشيوعيَّة القائمة على الخروج من تلك الأزمة وإعادة ذلك الزخم الثوريِّ الَّذي كان من سمات تلك الأنظمة، فهل تستطيع الأنظمة المذكورة ذلك؟ ستجيب الأيام.

                                                                               فتى الخليج

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 7

91

الثلاثاء 28-أبريل-1970

افتتاحية - العدد 7

نشر في العدد 11

82

الثلاثاء 26-مايو-1970

قضية الحرب والسلام!

نشر في العدد 17

78

الثلاثاء 07-يوليو-1970

تحركات مشبوهة.. فأين المسؤولون؟