العنوان أزمة الكونغو الديمقراطية.. نموذج لتشابك الأبعاد السياسية والاقتصادية والعرقية
الكاتب بدر حسن الشافعي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-سبتمبر-1999
مشاهدات 60
نشر في العدد 1369
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 28-سبتمبر-1999
على الرغم من مرور أكثر من عام على الأزمة التي اندلعت بين الرئيس الكونغولي لوران كابيلا وقوات المعارضة المسلحة من التونسي في شرق البلاد، إلا أن كل محاولات إنهاء الأزمة باءت بالفشل، ولعل ذلك يطرح التساؤل عن أسباب تعقد الأمور هناك؟ وتأتي الإجابة البدهية أن أزمة الكونغو لا يمكن تصويرها على أنها أزمة داخلية فقط، بل إن البُعد الخارجي يسهم في تعقيدها بصورة كبيرة، إذ تتدخل مصالح أكثر من 6 دول من دول الجوار الإفريقي فيها، ومن ثم فإن أي محاولة لتحقيق السلام قد تقابل بالفشل بسبب عدم موافقة طرف من الأطراف على شروط السلام، بل قد يلاحظ المرء وجود نوع من تبادل الأدوار بين الفصيل الواحد.
وقد ظهر ذلك بوضوح عند توقيع اتفاق السلام في لوزاكا عاصمة زامبيا في العاشر من يوليو الماضي، إذ وقعته أطراف النزاع جميعًا ماعدا المعارضة، على الرغم من أنه كان يضمن -إلى حد ما- عودة الاستقرار إلى الكونغو، حيث نَص الاتفاق على عدة بنود من أهمها:
1- وقف إطلاق النار بين الجانبين.
2- مد سُلطة الحكومة المركزية في كينشاسا على المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في شرق البلاد وشمالها.
3- دمج قوات المعارضة داخل الجيش النظامي.
4- تشكيل قوة شرطة مشتركة من الجانبين لمراقبة وقف إطلاق النار، والإشراف على نزع سلاح المليشيات غير النظامية تحت إشراف قادة من الدول المحايدة وفي مقدمتها جنوب إفريقيا.
وعلى الرغم من ذلك، فقد باءت المحاولة بالفشل بسبب موقف المعارضة، ولكي نحاول فهم إبعاد القضية الحالية، ينبغي علينا بداية الإشارة إلى أسبابها الأولى، ومن ثم مواقف الأطراف الخارجية الإقليمية لكي يساعدنا ذلك على فهم تطوراتها المستقبلية.
أسباب الأزمة
بدأت مأساة الكونغو الديمقراطية «زائير سابقًا» منذ ما قبل الاستقلال وعقب الحرب العالمية الثانية، عندما ورثت بلجيكا مستعمرات ألمانيا في رواندا بالإضافة إلى استيلائها على الكونغو نفسها، لكن يلاحظ أن بلجيكا وجدت الأقلية من التوتسي في حالة صراع دائم مع الأغلبية من الهوتو، وعندما فشلت بلجيكا في حل مشكلة رواندا، عملت على تهجير جماعات كبيرة من أقلية التونسي إلى الجانب الآخر من الحدود الرواندية في شرق الكونغو، حيث استوطنوا وتملكوا مساحات شاسعة من الأراضي، ومن ثم بدأت المشكلات والاحتكاكات بينهم وبين مواطني الكونفو، وازدادت المشكلة تعقيدًا بعدما نجح بيا سانجي مانا -كبير مستشاري الرئيس الكونغولي السابق موبوتو والذي ينتمي إلى أصول تونسية- في إقناع موبوتو -نهاية الستينيات- بفتح باب الهجرة الجماعية لأبناء عرق التونسي من الروانديين، ومنحهم الجنسية الجماعية، لكن موبوتو اضطر نتيجة لزيادة الخلافات بين هؤلاء وأبناء الكونغو إلى وقف عملية منح الجنسية عام ١٩٧٢، بالإضافة إلى قراره بشأن مراجعة الجنسية لهؤلاء الذين حصلوا عليها.
ولقد كانت تلك الخطوة بداية اندلاع الأزمة بين الجانبين ووصلت الأمور إلى ذروتها في منتصف التسعينيات، بعدما وجد كابيلا -قائد المتمردين آنذاك- الفرصة سانحة للإطاحة بموبوتو، خاصة بعدما تجمعت العوامل الداخلية والخارجية ضده، إذ وجدت الولايات المتحدة أن نجمه أخذ في الأفول، كما وجد كل من أوغندا ورواندا في كابيلا ضالتهما المنشودة لاستعادة أمجاد التوتسي التي سلبها موبوتو.
وبالفعل تمكن كابيلا اعتمادًا على التونسي في دخول العاصمة كينشاسا عام ١٩٩٧م، وتنصيب نفسه رئيسًا للبلاد، وإطلاق اسم الكونغو الديموقراطية عليها بدلًا من زائير.
لكن لم تهدأ الأمور في البلاد، إذ سرعان ما تدهورت مرة أخرى بسبب ممارسات كابيلا، الذي قيّد الممارسات السياسية، وألغى الأحزاب باستثناء الحزب الحاكم، إلا أن أحد الأسباب الرئيسة لاندلاع التوتر الآخر، قيامه بالتخلص من زعامات التونسي التي أسهمت في نجاح تمرده العسكري، إذ خشي كابيلا من هيمنة التونسي على مقاليد الحكم، ومن ثم عمل على الإطاحة بهم، خاصة بعد ما تردد عن وجود اتجاه لإقامة دولة التونسي الكبرى في المنطقة والتي تضم أوغندا رواندا - بوروندي - شرق الكونغو، وفي سبيل ذلك لجأ إلى كل من أنجولا - ناميبيا - زيمبابوي.
كما يلاحظ أنه أعتمد على مليشيات الهوتو التي كانت تشكل أساس الجيش الرواندي السابق والمعروفة باسم أنتامغي والمعروف أن هذه المليشيات كانت مسؤولة عن المذابح التي تعرض لها التونسي عام ١٩٩٦م، والتي راح ضحيتها أكثر من ٨٠٠ ألف شخص.
ومن هنا يمكن فهم أسباب تجدد النزاع الداخلي هناك بين جماعات المعارضة وكابيلا، وأسهمت المواقف الخارجية في إذكائه، ولكن لماذا كان التدخل الخارجي بهذه القوة؟
الأطراف الخارجية
بداية يمكن القول إن هناك تنافسًا محمومًا على الكونغو بعدما تأكد -بشكل قاطع- وجود مخزونات غازية وبترولية ضخمة في ثلاث مناطق رئيسة في الكونغو بما في ذلك شمال شرقي البلاد، بالإضافة إلى الثروات الهائلة التي تتمتع بها خاصة الألماس، والذهب، والكوبالت، واليورانيوم.
أما إذا نظرنا إلى كل دولة خارجية على حدة، فنجد أن رواندا أو أوغندا لهما المصالح المشتركة نفسها تقريبًا في الكونغو، ومن ثم فهما يميلان إلى جانب الثوار التونسي، بعدما كانتا من قبل تدعمان كابيلا، هذه المصالح يمكن إيجازها في رغبة كل منهما في القضاء على المعارضة التي تستخدم أرض الكونغو في شن هجوم ضدهما، كما ترغب الدولتان في الانتقام من كابيلا الذي يسعى إلى اللعب على وتر المعارضة للتأثير عليهما.
ومن ناحية ثالثة، فإن من مصلحة هاتين الدولتين استمرار الصراع في الكونغو على ما هو عليه الآن، حتى لا يهيمن كابيلا على منطقة البحيرات العظمي -خاصة بالنظر إلى الثروات الهائلة والمساحة الشاسعة للكونغو- ومن ناحية رابعة فهما يرغبان في توحيد التونسي في المنطقة فی دولة واحدة واقتطاع شرق الكونغو من كينشاسا.
ومن هنا يمكن فهم أسباب تغير موقف هاتين الدولتين من كابيلا قبل وصوله للحكم وبعد وصوله.
أما إذا انتقلنا إلى القوى المؤيدة لكابيلا فسنجد هناك أنجولا التي تساعد كابيلا ردًا على مساعدة سافيمبي -زعيم منظمة يونيتا المعارضة- في أنجولا للمعارضة الكونغولية، ومن ثم فهي تهدف إلى ضرب كابيلا لمنع السلاح القادم من الخارج إلى يونيتا والذي يمر عبر الكونغو.
ومن ناحية ثانية فإن أنجولا -في دعمها لكابيلا- تطمع في سكوت الأخير عن المطالبة بجيب كابيندا الغني بالبترول، والتي تزعم الكونغو أنه جزء منها.
أما بالنسبة لزيمبابوي فستجد أنه على الرغم من عدم وجود مصالح مباشرة لها في الكونغو، بل وعدم وجود حدود مشتركة بين البلدين، إلا أن الرئيس موجابي حرص على لعب دور محوري ومركب في الصراع الدائر هناك، حيث حاول أن يكون الوسيط والحليف لكابيلا في ذات الوقت وقد دفعه إلى ذلك عاملان هما:
الأول - الرغبة في الحفاظ على المكانة الإقليمية لدولته، خاصة في ظل التنافس المحموم بين بلاده وجنوب إفريقيا حول السيطرة على الجنوب الإفريقي.
الثاني - العلاقات الشخصية والمنافع الاقتصادية التي تربط بين الرئيسين موجابي
وكابيلا.
ولقد لوحظ التنافس بين زيمبابوي وجنوب إفريقيا بصدد أزمة الكونفو في اجتماعات منظمة سادك لدول الجنوب والتي ترأسها جنوب إفريقيا، إذ في الوقت الذي فضلت فيه جنوب إفريقيا اتخاذ موقف الحياد، والمطالبة بوقف الدعم الخارجي، حرصت زيمبابوي على دعوة الأطراف المهتمة والمتورطة في النزاع الدائر في الكونفو للتفاوض، وقد أسفرت هذه المفاوضات التي شارك فيها بعض دول مجموعة «السادك» على اتخاذ قرار بالتدخل العسكري في الكونغو، ووافقت على هذا القرار تسع دول من السادك دون استشارة بقية دول المنظمة أو الدعوة إلى عقد قمة لبحث هذا الشأن.
أما بالنسبة لناميبيا فهي ترغب في لعب دور ما على الساحة، وخاصة أنها دولة
حديثة النشأة ولم يمر على استقلالها عن جنوب إفريقيا سوى 11 عامًا.
اعتمد كابيلا على التوتسي في تمرده حتى استولى على السُلطة لكنه سرعان ما تخلص من زعاماتهم خوفًا من هيمنتهم.
ألغى الأحزاب وقيّد الممارسة السياسية.
مستقبل الصراع
لم تسفر قمة مجموعة التنمية الإفريقية للجنوب «سادك» والتي عقدت في الثامن عشر من أغسطس الماضي في مابوتو عاصمة زيمبابوي عن حدوث تقدم في حل الأزمة، على الرغم من أن القمة تم تخصيصها لحل النزاع في الكونغو، ويلاحظ أن كابيلا الذي حضر إلى القمة أنسحب قبل عقدها مباشرة بدعوى أن الأوضاع متدهورة في بلاده، لكن المحللين يرون أن انسحابه جاء يسبب توجيه القمة الدعوة لكل من رئيسي أوغندا «يوري موسيفيني» ورواندا «باستورينر يمو نجو» للحضور والاستماع إلى رأيهما بشأن الأزمة.
ويبقى التساؤل: ما الحل؟ وما سيناريوهات المستقبل؟
يمكن القول بوجود سيناريوهات عدة:
الأول: أن يتدخل طرف ثالث قوي كالولايات المتحدة لتحقيق وقف إطلاق النار والتوصل لاتفاق سلام على غرار ما تم في زامبيا في يوليو الماضي.
الثاني: أن يحظى كابيلا بدعم دول «السادك» الدبلوماسي والعسكري والسياسي في مواجهة الثوار ورواندا وأوغندا، وأن يتقدم كابيلا مع حلفائه إلى الشرق للسيطرة عليه وإخضاعه، وهذا الاحتمال إن حدث سوف يدخل كابيلا وحلفاؤه في مواجهات مع الثوار ورواندا وأوغندا قرب حدودهما، وعلى بعد آلاف الأميال من القيادة المركزية لكابيلا وحلفائه، مما ينذر بحروب طويلة في المنطقة.
الثالث: أن يقنع كابيلا بالسيطرة على أراضي الكونغو باستثناء الشرق، الأمر الذي يؤدي عمليًا إلى تقسيم الكونغو واستمرار بذور الصراع بين الجانبين.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل