العنوان أزمة «كسمايو».. لعبة الأعداء وفرقة الأشقاء
الكاتب أديب محمد
تاريخ النشر السبت 22-يونيو-2013
مشاهدات 93
نشر في العدد 2058
نشر في الصفحة 42
السبت 22-يونيو-2013
"كسمايو" أهم مدينة استراتيجية في الأقاليم الجنوبية حيث
تعد العاصمة الثالثة للصومال بعد "مقديشو" و«هرجيس»
كينيا تتخذ من مسألة اللاجئين الصوماليين المقيمين في المخيمات على
الحدود بين البلدين سببا لتدخلها في الشأن الصومالي
حكومة حسن شيخ أقنعت دول الجوار والاتحاد الأفريقي بضرورة حل هذه
الأزمة من قبل الحكومة الصومالية وليست عبر دول الجوار
تعيش مدينة كسمايو الساحلية (على بعد ٥٥٠ كلم جنوبي مقديشو) هذه
الأيام على وقع نار صراعات سياسية، وحرب أهلية تدور رحاها بين مليشيات مسلحة تنتمي
لجماعة «رأس كمبوني»، وعناصر أخرى تابعة لزعيم قبلي نصب نفسه رئيساً لولاية
جوبالاند، التي تتخذ من كسمايو، عاصمة لها.
وكانت المدينة حاضنة أساسية للمجموعات المسلحة ذات التوجه الإسلامي
والتي خاضت غمار حرب المقاومة ضد الإثيوبيين ما بين عامي (۲۰۰۸) - (۲۰۰۹م) وأصبحت فيما بعد أكبر معقل استراتيجي لحركة الشباب المجاهدين»،
وفرضت حكمها حتى في أواخر العام الماضي بعد توغل كيني عسكري ومسلحين من جماعة «رأس
كيموني» واكتسحت تلك القوات المتحالفة قوة «الشباب المجاهدين» التي أعلنت انسحابها
من المدينة في خطة وصفتها بأنها «تكتيكية».
غير أن جماعة «رأس كمبوني» انشقت تلك الجماعة المسلحة عن «الحزب
الإسلامي» في عام ٢٠١٠م احتجاجا على انضمام الحزب لـ «حركة الشباب» تتحكم في أمور
المدينة أكثر من القوات الصومالية والكينية، واختير رئيسها أحمد مدوبي رئيسا
لولاية «جوبالاند»، وذلك بمؤازرة من الحكومة الكينية التي لها مآرب اقتصادية وسياسية
من المدينة التي تتمتع بميناء اقتصادي ومطار محلي.
كينيا.. والمأزق الصومالي
ويرى المراقبون والمحللون السياسيون أن الحكومة الكينية تعبث بالمسألة
الصومالية العالقة في «كسمايو»، حيث أضحت هذه الأزمة الجديدة بمثابة «نذير شؤم»
بالنسبة للحكومة الصومالية التي تواجه تحديات داخلية وخارجية في إبقاء هذه المدينة
المهمة في صلب الحكومة، وتتمثل تلك التحديات في الرغبة الجامحة للحكومة الكينية في
تشكيل حكومة «أزانيا» في جنوب البلاد على طابع حكومة إقليمية تضم ثلاثة أقاليم (إقليمي
جوبا السفلى والوسطى، وإقليم جدو)، إلى جانب بعض التوجهات السياسية الصومالية المنحازة
للتوجه الكيني نحو إدارة الإقليم بنفسه بعيداً عن حكومة مقديشو .
وتتخذ كينيا من مسألة اللاجئين الصوماليين المقيمين في المخيمات
المطلة على الحدود بين البلدين سببًا لتدخلها في الشأن الصومالي، وخاصة في أزمة "كسمايو"
الراهنة، حيث تعتقد أن إيجاد حكومة إقليمية تحتضن هؤلاء اللاجئين أمراً ضرورياً
بغض النظر عن التوجس الرسمي والشعبي تجاه النوايا الكينية لإقامة خط سياسي عازل
يفصل "كسمايو" وحكومة "جوبالاند" عن الإطار الجغرافي السياسي
للصومال.
غير أن المحللين يؤكدون أن حكومة كينيا تهدف وراء دعمها للحكومة
الإقليمية في جنوب الصومال إلى جني مكاسب اقتصادية وسياسية، أهمها التحكم في ميناء
كسمايو الذي يعد الشريان التجاري الوحيد للأقاليم الجنوبية؛ ما يسهل لها في
المستقبل القريب التحكم في المياه الإقليمية الصومالية، وهي القضية المثيرة للجدل
حاليا بين البلدين ودخول اتفاقيات اقتصادية مع تلك الحكومة الإقليمية التي أسستها
من الألف إلى الياء؛ ومن ثم اقتناص تلك الفرصة والشروع في عمليات تنقيب النفط على
الحدود البحرية الصومالية بحجة وجود تلك المعاهدات والاتفاقيات الصومالية
(الأحادية الجانب) والكينية.
وكانت الحكومة الكينية أبرمت اتفاقية بحرية مع الحكومة الصومالية
السابقة في عام ۲۰۰۹م والتي توصل
الطرفان فيها إلى بنود اقتصادية وسياسية لم تكن تصب في صالح الصومال، بيد أن تلك
الاتفاقية لم تدخل حيز التنفيذ بسبب رفض البرلمان الصومالي بالأغلبية الساحقة
وإبطال المشروع الكيني، وأثارت تلك القضية زوبعة إعلامية أذهبت الخطط الكينية
لامتلاك حصص بحرية صومالية في المحيط الهندي أدراج الرياح.
لكن الحكومة الكينية لم تستسلم بعد حيث لا تزال تبذل جهودا مضنية
لإعادة ما تراه حقا يأبى النسيان، وحشدت قوتها السياسية والعسكرية مؤخرا في دعم
حكومة "جوبالاند" بهذا الغرض، ويجتمع زعماء تلك الحكومة الإقليمية بين
الحين والآخر في نيروبي، وأجرى الرئيس الكيني في الأسبوع الماضي لقاء مع زعيم
جماعة «رأس كمبوني» ورئيس ولاية "جوبالاند" أحمد مدوبي للتباحث مع
مستجدات الأوضاع السياسية والأمنية في «كسمايو».
الصوماليون.. فرق تسد
وتستخدم الحكومة الكينية سياسة «فرق تسد»؛ حيث تزداد لعنة التناحر
السياسي والقبلي بين أبناء المنطقة، وتتواصل الحرب الكلامية بين زعماء العشائر
القاطنة في كسمايو» عبر الإعلام المحلي ما يؤجج نار حرب قبلية تأكل الأخضر واليابس
وذلك في حين تبدو القوات الكينية مكتوفة الأيدي وتتفرج على المأزق الصومالي القائم
-في المدينة، وكأنها تصطاد فريستها في الماء العكر.
وبعد إعلان أحمد مدوبي رئيساً لـ "كسمايو"، أعلن أربعة
آخرون من الشخصيات البارزة في عالم السياسة في
الأقاليم منصب رئاسة الحكومة الجديدة ويعلن كل على حدة أنه الرئيس الشرعي
والمنتخب من قبل العشائر الصومالية ما أدخل المدينة في أتون فوضى سياسية وأمنية
واقتصادية.
وتعتبر «كسمايو» أهم مدينة استراتيجية في الأقاليم الجنوبية، كما كانت
تعد العاصمة الثالثة للصومال بعد «مقديشو» و«هرجيسا» التي أصبحت فيما بعد عاصمة
حكومة أرض "الصومال"، وتتميز كسمايو بنشاطها الاقتصادي والديمجرافي؛ ما
يجعل الحكومة الكينية تبذل قصارى جهدها لإقامة هذه الحكومة الإقليمية على أمل
فصلها عن حكومة مقديشو مستقبلا، والتصرف في أمرها كيفما تشاء عبر حلفائها
الإقليميين.
مساعي الحكومة
الحكومة الصومالية الجديدة لم تجد بداً من خوض غمار السياسة
والدبلوماسية مع الحكومة الكينية حيث تكثف سياستها حاليا لإرغام الحكومة الكينية
على سحب أيديها من السياسة الصومالية، حيث أجرى الرئيس الصومالي «حسن شيخ محمود»
لقاءً مع الرئيس الكيني للتباحث في أزمة «كسمايو»، ومستقبل حكومة "جوبالاند"
وتوصل الطرفان إلى اتفاقية كان من أهمها التعاون الأمني بين البلدين، وضرورة إبقاء
أبواب العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين الدولتين مفتوحة، ووضع حل جذري لأزمة
اللاجئين الصوماليين على الحدود وفي المخيمات الكينية.
غير أن القضية التي أضحت الغائب الحاضر في اللقاء الثنائي هي أزمة
«كسمايو»، والتي عالجها الجانبان بعيدا عن الأضواء الإعلامية، وتوصل "شيخ
محمود على" ما يبدو إلى اتفاقيات مع الجانب الكيني لجعل حل أزمة «كسمايو» أمرًا
خالصًا للحكومة الصومالية.
ويقول الدبلوماسيون: إن حكومة «حسن شيخ» تجيد اللعب على الأوتار
السياسية، وإنها قادرة على كسب أرصدة سياسية، وخاصة فيما يتعلق بأزمة "كسمايو"،
حيث أقنعت دول الجوار والاتحاد الأفريقي بضرورة حل هذه الأزمة من قبل الحكومة
الصومالية وليست عبر دول الجوار، وخاصة الحكومة الكينية وذلك في الاجتماع الأخير
للهيئة الحكومية للتصحر والجفاف (إيجاد) في أديس أبابا .
ونظرا لتلك الجهود الحكومية، أعلن المتحدث باسم حكومة «جو بالاند» عبد
الناصر صيرار، أن حكومتهم ستضطر إلى اتخاذ سياسة انفصالية، وستعلن انفصالها عن
حكومة مقديشو على غرار جمهورية أرض الصومال (شمال) الصومال ما لم تكف الحكومة
الصومالية عن سياساتها تجاه الولاية، غير أن حكومة مقديشو لم تعلق على هذا
الإعلان، واكتفت بالرد على ذلك بضبط النفس، وعدم الانجرار وراء متاهات حرب عسكرية
تعيد "كسمايو" إلى المربع الدامي.
أخيراً، تبدو أزمة «كسمايو» غامضة، ولا تجد لها طريقا إلى النهاية،
حيث تستمر لعبة الأعداء والمؤامرة السياسية من دول الجوار الإقليمي، في ظل انشغال
أهلها في صراعات قبلية وسياسية، والتصارع على حطام مدينة لم يتبق منها شيء سوى
فتات أرض هلكتها الحرب، ودمرتها الصراعات القبلية على مدى عقدين من الزمن ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل