; أزمه خانقه تهدد بناء الأسرة | مجلة المجتمع

العنوان أزمه خانقه تهدد بناء الأسرة

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 21-سبتمبر-2002

مشاهدات 70

نشر في العدد 1519

نشر في الصفحة 25

السبت 21-سبتمبر-2002

تدهورت مؤسسة الأسرة خلال العقدين الأخيرين في معظم البلاد العربية رغم تنامي الصحوة وازدياد الشعور الديني، مما يلقى في النفس بأسئلة كثيرة حول الدور المجتمعي للصحوة والدعوة والحركات الإسلامية ومدى قدرتها على مواجهة الظواهر المادية الطاغية، وإلى أي حد نستطيع إحداث تغيير حقيقي في المجتمع وعاداته أو على الأقل لإبقاء على الإيجابيات المتوارثة ولو كانت في صورة تقاليد وعادات.

الذي أثار هذه الموجة من التساؤلات تقرير صدر مؤخرًا عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر، ونشرت ملخصًا له معظم الصحف في 5/8/2002م.

كانت الأرقام مفاجأة: تبين أن هناك 8.962.412 من الشباب (حوالي 9 ملايين) بلغوا سن الـ ٣٥ سنة ولم يتزوجوا أي عانس وعانسة، منهم 3.738.407 فتاة أي حوالي النصف، بينما يصل عدد المطلقين في المجتمع إلى مليونين٢٦٤,٣١٦ منهم ٢٠٦,١٥٢ مطلقة و٥٨,١٦٤ شابًّا خلال سنة واحدة، وهي أكثر من الزواج خلال سنة واحدة. 

وأول ما يلفت الانتباه في هذه الأرقام التي تثير الفزع حول مستقبل الأسرة في مصر أننا نعاني مشكلة عنوسة بجانب مشكلة الطلاق، وأن الأزمة تكمن في صعوبة الزواج لا في فصم عُرى زوجية مستقرة، حيث بلغ عدد ممن فاتهم قطار الزواج من الجنسين 5 أمثال المطلقين في المجتمع تقريبًا، كما من الأسر الحديثة تواجه مشكلات ضخمة حيث زادت نسبة الطلاق خلال سنة حتى قاربت عدد حالات الزواج خلال نفس السنة، ومعروف أن عدد سكان مصر وصل إلى حوالي ٦٨ مليونًا.

الآثار الاجتماعية للمشكلة

لا شك أن مشكلة تأخر سن الزواج لها آثار اجتماعية خطيرة، يأتي في مقدمتها انتشار الفساد الأخلاقي، وتنامي ظاهرة الزواج العرفي بآثارها النفسية والاجتماعية ومشكلاتها القانونية ثم العلاقات الجنسية غير المشروعة.

ومن المعروف طبيًّا أن تأخر سن المرأة عند الحمل يعرضها لمشكلات صحية ضخمة تتعلق صحتها وسلامتها أثناء الولادة وقدرتها على تجنب أمراض خطيرة كسرطان الثدي والرحم، وهذه مخاطر معروفة وليست في حاجة إلى تأكيد، كما أن الإنجاب المتأخر يثير أيضًا قضايا تربوية حول ازدياد الفارق السنِّي بين الآباء والأمهات وبين الأولاد، فتأخر إحساس المرأة بالأمومة إلى سن الأربعين وكذلك الأبوة المتأخرة سينعكس سلبًا بالقطع على أسلوب التربية الذي قد يتسم بالتدليل الشديد المؤدي إلى الإفساد أو العصبية الزائدة التي تفضي إلى القطيعة بين الأجيال.وإذا أضفنا إلى ذلك الشعور بالقلق الذي ينتاب أسرة العانس أو الشاب وعدم الاطمئنان إلى المستقبل، فسنجد أن المشكلة ضخمة وتحتاج إلى حلول جادة وفورية،  لأننا إذا حذفنا نسبة التكرار العائلي وتصورنا أن العدد الكلي (بدون تكرار) حوالي ٦ ملايين شاب وفتاة، فإن هناك ٦ ملايين أسرة تعاني القلق حول مستقبل أولادهم، وإذا أضفنا المليوني مطلق ومطلقة فستزداد حدة المشكلة جدًّا.

الأسباب الكامنة

لا شك أن هناك عوامل عديدة تكمن خلف هذه المشكلة، منها الحرص على استكمال تعليم الفتيات حتى المرحلة الجامعية، ثم الحرص على عمل المرأة بعد التخرج، وتصور أن ذلك كله يتعارض مع فرص الزواج سواء في المرحلة الجامعية (مرحلة النضج الجنسي للفتاة) أو بعد التخرج مباشرة بحجة التعارض مع مقتضيات العمل والوظيفة التي تحتاج في بدايتها إلى نوع من التفرغ لإثبات الجدية حرصًا على الاستمرار في الوظيفة في ظل بطالة شديدة ونزعة مادية وتكاليف الحياة الصعبة، إلا أن السبب الحقيقي هو ازدياد تكاليف الزواج بصورة مزعجة نتيجة النزعة المادية الطاغية في المجتمعات الإسلامية، ووضع الصعوبات والعراقيل في وجه الشباببسبب المفاخرة الكاذبة والتباهي بين الأهل.

يضاف إلى ذلك أسباب أخرى منها عدم وجود حياة اجتماعية سليمة يتم من خلالها التعارف النظيف بين الأسر وكذلك بين الراغبين والراغبات في الزواج مما يقلل فرص الإقبال على الزواج.

والعجيب أن هذه المشكلة لا تجد اهتمامًا، لا من الدولة التي لا تشعر بالمشكلة ولا من مراكز الأبحاث الاجتماعية التي عليها أن تولي القضية عناية أكبر، ولا حتى من الحركات الإسلامية التي تعاني الحصار الشديد، لدرجة أن كفالة الأيتام وهو أحد مشاريعها الاجتماعية أصبح مهددًا بالتوقف بسبب المخاوف الأمنية والمطاردات المستمرة، ولا حتى من دعاة مستقلين أو جمعيات أهلية تقوم بحلول جزئية.

إلى الحل

لفت انتباهي خلال الشهور الماضية حلقتان أقامتهما جمعية «العفاف» الأردنية للزواج الجماعي، ونقلت الفضائيات صورًا منهما، كل حفلة كانت الزواج أكثر من ٥٠٠ أسرة، كما تقوم دولة الإمارات العربية المتحدة بجهود المساعدة المقبلين على الزواج، وهناك جهود فردية يقوم بها البعض لتيسير التعارف بين الراغبين في الزواج عبر شبكة الإنترنت، إلا أن ذلك كله جهود مشكورة لكنها لن تؤدي إلى علاج جذري للمشكلة، مما يعني أننا في الطريق إلى أزمة اجتماعية خطيرة.

يحتاج الحل إلى تضافر جهود عديدة في مقدمتها الحكومات عبر وسائل الإعلام وبرامج التعليم والتربية التي غيرت الثقافة السائدة في المجتمع عبر القرن المنصرم، كما نحتاج إلى جهود المؤسسة الدينية في العالم العربي لترشيح الهدي النبوي في تيسير الزواج والتشجيع على التبكير به وعدم وضع عقبات في طريق الشباب.

والحقيقة التي يجب أن نواجهها هي أن مشكلة العنوسة إحدى مظاهر الأزمة العامة التي تخنق مجتمعاتنا: سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، فإذا وضعت المجتمعات العربية أقدامها على طريق إصلاح حقيقي وجاد فإنها ستساهم في حل هذه المشكلة بصورة تلقائية. 

دور الحركة الإسلامية مهم جدًّا، ليس فقط لحماية المنتمين إليها، ولعلهم لا يعانون من المشكلة بنفس الحدة التي يعاني منها الآخرون، ولكن لأن المجتمع الذي تعمل وسطه مهدد بكارثة خطيرة، مما يعني في النهاية تفجير حقل الدعوة كله، وهذا يقتضي النظر بجدية إلى الآفاق الواسعة التي تهتم بها الحركات الإسلامية وليست النظرة التقليدية تحت الأقدام التي تعنى فقط بالبعد التنظيمي والعمل الخاص، إن الاهتمام بالمجتمع ودراسة الظواهر الخطيرة التي يتعرض لها، ورسم الحلول وخطط العمل المناسبة، حتى في ظل التضييق الأمني يستدعي بالضرورة نظرة ابتكارية وحلولًا إبداعية للحفاظ على نسيج المجتمع من الانهيار، وإلا فماذا يعني إنقاذ أنفسنا والمجتمع ينهار؟! وماذا يعني تحقيق أحلامنا في تطبيق شرع الله في مجتمعات تفسخت وتحللت لن تستجيب بحال الطموحات العمل الإسلامي؟!

الرابط المختصر :