العنوان المجتمع التربوي (1735)
الكاتب منير بن أحمد الخالدي
تاريخ النشر السبت 20-يناير-2007
مشاهدات 66
نشر في العدد 1735
نشر في الصفحة 54
السبت 20-يناير-2007
أساليب إبداعية في معالجة أخطاء الغير (1)
عرض لنا القرآن أساليب شتى في علاج كثير من أخطاء من نربي في مواقف مختلفة، وسأستعرض عددًا من الآيات مع التعليق على الموقف وكيفية العلاج ثم استنتاج بعض القواعد التي يمكن بواسطتها أن نختار الأسلوب الأنسب والأفضل والأقرب إلى حل المشكلة..
في سورة التحريم قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (التحريم: ١-٣).
سواء كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد حرم على نفسه مارية أو حرم على نفسه العسل بسبب بعض أزواجه أتى التوجيه هنا بسؤال من المولى عز وجل.
تأمل لترى كيف كان التصحيح، سؤال: لم تفعل هذا؟ ثم توضيح سبب هذا الفعل ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ له وكان هذا كافيًا لشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم .
هل نجرب هذا الأسلوب مع الأشخاص الجيدين والذين يندر خطوهم وهم على أتم استعداد للإصلاح.. أن نسألهم فقط لم فعلتم هذا؟ دون أن ننتظر الجواب.. سؤال للاستنكار فقط وذكر سبب فعلهم.
- ثم لننتقل إلى عتاب الله سبحانه لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم ، فنلاحظ أن الخطاب أشد ويأتي التهديد بتركهن واستبدالهن بزوجات غيرهن.
﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (التحريم: 5).
- ولنقف وقفة متبصرة متعظة من الآيات مع خطا وقع التي وردت في غزوة أحد.. لنقف مع خطأ وقع به کرام الناس كاد أن يودي بحياة الرسول ﷺ وتسبب في هزيمة ظاهرة للمسلمين، بل تسبب في فقدهم لسبعين من الصحابة رضوان الله عليهم ثم التمثيل بحمزة بن عبد المطلب، عم الرسول صلى الله عليه وسلم .
بدأ ذكر هذه الغزوة في سورة آل عمران: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمۡرَانَ: 137-138]. وبهذه الآيات الكريمات، وما بعدها في قصة أحد. يعزي تعالى عباده المؤمنين ويسليهم، ويخبرهم أنه مضى قبلهم أجيال وأمم امتحنوا وابتلي المؤمنون منهم بقتال الكافرين فلم يزالوا في مداولة ومجادلة، ثم بدأ سبحانه بتسلية للمؤمنين وأن المحنة التي أصابتهم أصابت غيرهم، يقول سبحانه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ . (آل عمران ١٣٩- ١٤٣).
نلخص الفوائد السابقة وأسلوب المعالجة:
- مراعاة المشاعر والعواطف: حيث إنهم فجعوا بما حصل وبمن قتل من الصحابة، وأن الألم يصيبهم ويصيب أعداءهم ولكن هم علاقتهم بالله وصلتهم به أما الكافرون فصلتهم بالدنيا يوالونها ويعملون لأجلها.
- إيضاح طريق الجنة: وأنه لا بد من التمحيص ومعرفة الصابرين.
- تذكيرهم بقصص السابقين: وما لاقوه وهذا تقوية لهم بأنه طريق سار فيه غيرهم منالمؤمنين، ودرب لابد فيه من ألم الشوك ومدافعة أمواج الباطل العاتية للوصول إلى النصر.
- أنه سبحانه معهم: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران:151،150).
- بعد ذلك ذكر الله سبحانه الخطأ الذي وقعوا به: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آلِ عِمۡرَانَ: ١٥٢].
ولأضرب هنا مثلًا لمعالجة خطا ابن لم يهتم بدروسه فكانت نتيجته سيئة.. فالشيء الذي يفعله الوالدان مباشرة هو اللوم والعتاب لكن إذا اتبعنا الأسلوب القرآني الناجح، فينبغي أولًا:
- مراعاة نفسية الابن وأنه مستاء من هذه النتيجة فلا بد من مواساته والاهتمام بمشاعره.
- ثم توضيح أن طريق النجاح مليء بالمتاعب.
- تذكيره بمواقف إخفاق مشابهة وقع بها آخرون صححوا أخطاءهم بعد ذلك.
- أن الله معه إن توكل عليه.
- تذكيره بعد فترة بخطئه بأسلوب يجعله يتق هذا التقصير.
العبد يموت على ما عاش عليه ... ويبعث على ما مات عليه
من نعم الله على العباد أن فتح لهم من أبواب الطاعات ما يدخلون عليه بها، ويسر لهم القيام بها حسب استعداداتهم وطاقتهم، فمنهم من دخل عليه من باب الصلاة، فزاد على الفروض والواجبات نوافل لازمها وأحسن فيها، فمات عليها، ويبعث – إن شاء الله – عليها.
ومنهم من دخل على الله من باب الصيام فدوام عليه وأحسن فيه وأكمل ثم مات على ذلك، ويبعث - إن شاء الله - على ذلك، وهكذا بالنسبة لسائر الطاعات.
ومن مات ملبيًا بعث ملبيًا كما أخبر عن ذلك النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال النووي: «معناه على هيئته التي مات عليها ومعه علامة لحجه، وهي دلالة الفضيلة، كما يجيء الشهيد يوم القيامة وأوداجه تشخب دمًا»([1])
وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يبعث كل عبد على ما مات عليه»([2])
والكامل من ضرب بسهم في جميع الطاعات والعبادات وهم قلائل منهم الصديق رضي الله عنه الذي يدعى من جميع أبواب الجنة، ويمتع بجميع نعم الجنة وتكمل له اللذة في الجنة جزاء لما قدم للإسلام والمسلمين.
فهل نكون من أولئك القلائل؟
إن العبد يموت على ما عاش عليه ويبعث على ما مات عليه ويعود عليه عمله بعينه فينعم به ظاهرًا وباطنًا فيورثه من الفرح والسرور واللذة والبهجة وقرة العين والنعيم وقوة القلب واستبشاره وحياته وانشراحه واغتباطه ما هو أفضل النعيم، وأجله، وأطيبه وألذه؟ وهل النعيم إلا طيب النفس وفرح القلب وسروره وانشراحه واستبشاره هذا؟
وينشأ له من أعماله ما تشتهيه نفسه وتلذ عينه من سائر المشتهيات التي تشتهيها الأنفس وتلذها الأعين ويكون تنوع تلك المشتهيات وكمالها وبلوغها مرتبة الحسن والموافقة بحسب كمال عمله ومتابعته فيه وإخلاصه وبلوغه مرتبة الإحسان فيه وبحسب تنوعه، فمن تنوعت أعماله المرضية المحبوبة له في هذه الدار تنوعت الأقسام التي يتلذذ بها في تلك الدار، وتكثرت له بحسب تكثر أعماله هنا وكان مزيده بتنوعها والابتهاج بها والالتذاذ هناك على حسب مزيده من الأعمال وتنوعه فيها من هذه الدار.
وقد جعل الله سبحانه لكل عمل من الأعمال المحبوبة له والمسخوطة أثرًا وجزاء ولذة وألمًا يخصه لا يشبه أثر الآخر وجزاءه، ولهذا تنوعت لذات أهل الجنة وآلام أهل النار، وتنوع ما فيهما من الطيبات والعقوبات. فليست لذة من ضرب في كل مرضاة الله بسهم وأخذ منها بنصيب كلذة من أنمى سهمه ونصيبه في نوع واحد منها ولا ألم من ضرب في كل مسخوط لله بنصيب وعقوبته كألم من ضرب بسهم واحد من مساخطه.
وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن كمال ما يستمتع به من الطيبات في الآخرة بحسب كمال ما قابله من الأعمال في الدنيا عن عوف بن مالك قال: «دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وبيده عصا وقد علق رجل منا قنا([3]) حشفا، فطعن بالعصا في ذلك القنو وقال: «لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها»، وقال: «إن رب هذه الصدقة يأكل الحشف([4]) يوم القيامة»([5]).
فأخبر أن جزاءه يكون من جنس عمله فيجزى على تلك الصدقة بحشف من جنسها([6]).
فما أكثر من يتصدقون بفضول أموالهم!
وما أكثر من ينفقون فضول أوقاتهم!
وما أكثر من يعلمون بفضول علمهم!
فجزاؤهم يوم القيامة مثل ما تصدقوا وأنفقوا وعلموا فالجزاء من جنس العمل.
الهوامش:
([1]) صحيح مسلم بشرح النووي.
([2]) صحیح مسلم، باب: الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت رقم (۲۸۷۸).
([3]) القنو: العذق.
([4]) الحشف: هو أردأ أنواع التمر وهو الذي يبس على النخل قبل أن يتم نضجه.
([5]) سنن أبي داود، قال الشيخ الألباني حديث حسن.
([6]) اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٣٦.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل