; غرس القيم.. لماذا؟ وكيف؟ (2) - أساليب تربوية | مجلة المجتمع

العنوان غرس القيم.. لماذا؟ وكيف؟ (2) - أساليب تربوية

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 22-يونيو-2013

مشاهدات 71

نشر في العدد 2058

نشر في الصفحة 58

السبت 22-يونيو-2013

اختتم المقال السابق بالحديث عن إستراتيجيات غرس القيم، وتناولت منها أربعا ، هي: القدوة، والنشاط والقصة، والمشكلة.. وفي المقال الحالي أستكمل حديثي عن بعض هذه الإستراتيجيات

خامسا : الحوار:

تعتمد إستراتيجية الحوار على مناقشة فكرة أو مبدأ، على أن تنتهي المناقشة باتفاق بين المربي والمتعلم على أن ينفذ الأخير القرار أو التوصية، ويتابع المربي تنفيذ ذلك. ومن النماذج التطبيقية لهذه الإستراتيجية موقف سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عندما خرج في جولة تفتيشية ذات يوم، فرأى إبلا سمانا تمتاز عن بقية الإبل بنموها وامتلائها فسأل: إبل من هذه؟ قالوا : إبل عبدالله بن عمر، فانتفض أمير المؤمنين، وقال: عبد الله ابن عمر ؟! بخ بخ يا ابن أمير المؤمنين (۱). وأرسل عمر؛ يطلب ابنه عبدالله رضي الله عنهما ، فلما جاءه سأله : ما هذه الإبل يا عبد الله؟ فأجابه: إنها إبل أَنضَاء – أي هزيلة اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى الحمى أتجر فيها، وأبتغي ما يبتغيه المسلمون. فغضب عمر، وقال لابنه عبدالله – في تهكم لاذع – ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك، ويربو ربحك يا ابن أمير المؤمنين، ثم صاح به يا عبد الله بن عمر، خذ رأس مالك الذي دفعته في هذه الإبل، واجعل الربح في بيت مال المسلمين.

وبتحليل هذا الموقف تربوياً ، نلاحظ ما يلي:

أ – أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما اعتنق فكرة أو نظرية لاستثمار ماله، وهذه النظرية - من وجهة نظره لا شبهة فيها، ولا غبار عليها، إذ إنه لم يأت شيئا جديدا، ولم يسلك طريقا استثماريا غير الذي سلكه المسلمون، ونلمح ذلك في دفاعه عندما استجوبه أبوه رضي الله عنهما : «إنها إبل أنضاء، اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى الحمى أتجر فيها، وأبتغي ما يبتغيه المسلمون».

ب- أن سيدنا عمر نظر إلى ما فعله عبدالله ابنه نظرة مختلفة؛ لأنه ليس كأي مسلم، إنما هو ابن الأمير، وقد يجد تيسيرات، وتلقى إبله رعاية خاصة لا تجدها إبل غيره، بل يحظى هو بذلك ويستأثر به ليس لأي سبب سوى لأنه ابن أمير المؤمنين لذا رأى سيدنا عمر رضي الله عنه أن في هذه النظرية الاستثمارية شبهة، وهذا ما جعله يعترض عليها ويرفضها .

ج – أن سيدنا عمر كان بإمكانه أن يصدر قراره في هذا الأمر، وأن يلزم ابنه بالتنفيذ دون أن يستدعيه ويتيح له فرصة الحوار، لكنه تصرف من منطلق أنه مرب، لذا فقد استدعاه، وأتاح له فرصة التعبير عن رأيه والدفاع عن النظرية الاستثمارية التي اقتنع بها واعتنقها، وبعد المناقشة والمداولة واقتناع المتعلم بوجهة نظر المربي اتخذ المربي (عمر) ابن الخطاب) قراراً عملياً يجب تنفيذه، وهو . قوله: «يا عبدالله بن عمر، خذ رأس مالك الذي دفعته في هذه الإبل، واجعل الربح في بيت مال المسلمين». ويمكن استخدام الأسلوب الحواري في كثير من المواقف الهادفة إلى غرس القيم الإيجابية، وتخلية القيم السلبية، وكذلك في إقناع الأبناء والبنات للعدول عن الأفكار السلبية أو الغريبة، فربما ترفض البنت الحجاب، وتظن أنه حرية، وأن خلع الحجاب ليس بمعصية، فيكون علاج ذلك بالحوار الهادئ المقنع، على طريقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع ابنه عبد الله، على أن ينتهي الحوار بقرار عملي، يلتزم الابن بتنفيذه ويتابع المربي ذلك.

 سادسا : أسلوب الترغيب والترهيب

الترغيب هو وعد من المربي للمتعلم بالإثابة والجزاء الحسن، بهدف دفعه إلى السلوكيات الإيجابية الحسنة.

أما الترهيب فهو وعيد من المربي للمتعلم بالعقاب، بهدف منعه عن أن يسلك سلوكا سلبيا غير مرغوب فيه.

ويكثر أسلوب الترغيب والترهيب في القرآن الكريم والسنة المطهرة.. ومن ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ للْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ (الليل).

ويمكن استخدام الترغيب في غرس القيم الخلقية، وذلك بتنشيط حماس الابن ودفعه إلى أداء الصلاة في وقتها، أو حفظ القرآن الكريم، وأداء واجباته المنزلية، وذلك بأن نعده بهدية، أو جائزة، أو رحلة إذا هو حقق ذلك. وكذلك نستخدم الترهيب في تحذيره من التكاسل أو أي سلوك سلبي، وذلك بأن نعلن أنه سيحرم من المصروف أو من الهدية أو من الرحلة إذا سلك سلوكا سلبيا .

وينبغي للمربين أن يستخدموا الترغيب والترهيب بحذر، وألا نسرف فيهما، والأساس في ذلك الأصل أن نأخذ منهما كما نأخذ من السكر والملح، فكلاهما نحتاج إليه في طعامنا، ولكن بقدر، دون إسراف ولا تقتير.

سابعا : الثواب والعقاب

الثواب هو أثر يحدثه المربي بعد أن يسلك المتعلم سلوكا إيجابيا، فيسبب له راحة نفسية أو مادية، بهدف دفعه إلى تكرار هذا السلوك الإيجابي.

أما العقاب فهو أثر يحدثه المربي في المتعلم بعد أن يسلك سلوكاً سلبياً غير مرغوب فيه، فيسبب له ألما نفسيا أو ماديا بهدف منعه عن تكرار هذا السلوك السلبي.

ولقد استخدم النبي الثواب في تعزيز الإيجابية لدى أصحابه رضوان الله عنهم أجمعين، فلقد كان يخلع عليهم ألقاباً وصفات محببة إليهم، ومن ذلك - على سبيل التمثيل لا الحصر – قوله عن أبي بكر: «لو وضع إيمان الأمة في كفة وإيمان أبي بكر في كفة لرجحت كفة أبي بكر». كما قال عن عمر رضي الله عنه : «لو كان نبياً من بعدي لكان عمر»، وقوله عن عبدالله ابن مسعود رضي الله عنه : «مَنْ أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد ، كما لقب خالد بن الوليد بـ«سيف الله المسلول وغير ذلك كثير.

ومن مواقف استخدامه للعقاب في تربية أصحابه وغرس القيم الخلقية فيهم ما حدث في غزوة تبوك، حيث قاطع النبي الثلاثة الذي تخلفوا عن الجهاد في غزوة تبوك، وقد استمرت هذه المقاطعة حتى تاب الله على المخلفين، وقد سجل القرآن الكريم هذا الحدث، وصور شدة ما عاناه هؤلاء الثلاثة بسبب هذا العقاب، وإن دل هذا فإنما يدل على أن العقاب وإن كان في ظاهره العذاب والألم، فإن في باطنه الرحمة والراحة، فمن المفيد أحيانا أن يستخدم المربي القسوة والحزم في تربية من يُحب.. يقول الشاعر:

فقسا ليزدجروا ومن يك راحماً *** فَلْيَقْسُ أحياناً على من يرحم

ولندع القرآن الكريم يصور لنا هذا الموقف، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلَفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحْبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١) (التوبة). وكثير من الآباء والأمهات والمعلمين يظنون أن العقاب ممنوع على إطلاقه التربية الإسلامية تأخذ بأسلوب العقاب فثمة أخطاء ينبغي لكي نعالجها أن يستخدم المربون العقاب، قال تعالى: الزَّانِيَةَ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (النور).

هذه هي عقوبة الجلد – أي الضرب على الزاني والزانية غير المتزوجين.. أما المتزوج والمتزوجة فيرجمان حتى الموت، كما حدث في أيام النبي مع ماعز والمرأة الله الغامدية. كما قرر الشرع عقوبة الجلد على من يقذف غيره، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ (النور).

وتجدر الإشارة إلى أن كثيراً من الدول الغربية التي قلدناها تقليدا أعمى في منع العقاب البدني عادت الآن نتيجة انتشار الجريمة، بعد أن قتل الطالب معلمه، وعودة الغرب إلى العقوبات التي أقرها الشرع الإسلامي للبشر في كل زمان ومكان وصدق رب العزة إذ يقول : أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ (الملك). ومن صور الثواب ما هو مادي، وما هو معنوي، وكذلك العقاب. ومن صور الثواب المادي الهدية القصة الكتاب، القلم الدراجة اللعبة المال الملابس الجديدة. ومن صور الثواب المعنوي تشجيع المتعلم كقول المربي له هذا عمل عظيم، حياك الله بارك الله فيك، عافاك الله ممتاز هذا كلام طيب هذا جهد مشكور، هذا عمل جيد إلخ.

ومن صور العقاب المادي: الحرمان من المصروف، والحرمان من الحلوى، والحرمان من الهدية، والقصة والنزهة الأسبوعية والدراجة، والملابس الجديدة.

أما صور العقاب المعنوي أن تنكر السلوك السلبي، كأن نقول: هذا سلوك غير محبوب، أنا غاضب عليك، لا يصح منك أن تفعل ذلك.

أسس استخدام الثواب والعقاب

أكثر المربين للأسف يستخدمون الثواب والعقاب دون أسس تربوية، مثلهم في ذلك مثل حلاق الصحة قديما ، حيث كان يقوم بدور الطبيب، ويمارس ذلك دون علم فيصيب مرة، ويخطئ مرات، ولعل من المفيد هنا أن أوجز أهم أسس استخدام الثواب والعقاب، وهي:

1- البدء دائماً بالثواب قبل العقاب؛ لأن النفس البشرية مفطورة على الثواب.

2- إثابة المتعلم فور السلوك الإيجابي وعقابه فور السلوك السلبي إن كان السلوك يستحق العقوبة.

3تجنب إثابة المتعلم بعد عقابه، حتى لا يعتمد الخطأ وسيلة للحصول على عطف المربي.

٤- التنويع في صور الثواب والعقاب.

5- أن يكون الثواب مناسباً للسلوك الإيجابي، وأن يكون العقاب مناسبا للسلوك السلبي.

٦- أن يكون الضرب هو آخر صور العقاب، فآخر العلاج الكي، مع مراعاة ضوابط الضرب، وهي:

أ – أن يكون الضرب بعصا ندية.

ب- ألا يكون في أماكن حساسة.

ج- أن يؤلم دون أن يترك أثراً .

د – أن يكون الضرب مناسباً لحجم الخطأ الجزاء من جنس العمل).

هـ - ألا يكون للتشفي.

7- أن يوضح المربي للتلميذ المعاقب السلوكيات الإيجابية البديلة عند معاقبته

وفي ذلك يقول الشاعر:

لا تَقُل: ذا عمل ناقص *** جيء بأوفى ثم قل: ذا أكمل

الهامش

(1) بخ بخ كلمة استحسان، ولكنها قيلت هنا لإنكار ما فعله عبدالله بن عمر والتهكم، كما لو خطأ ابن الرجل الصالح ويفترض أن يكون قدوة - فيقال له : حسن يا ابن الرجل الصالح !

(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل