العنوان أساليب مخابراتية في الحصول على اعتراف الضحية
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1989
مشاهدات 65
نشر في العدد 911
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 04-أبريل-1989
تحدثنا في مقال سابق عن «جهاز كشف الكذب» كأسلوب من أساليب المخابرات الإسرائيلية للحصول على اعتراف الضحية، وبينا طبيعة هذا الجهاز وكيفية استخدامه وإمكانية تضليله وإبطال مفعوله. وانتهينا إلى أن التحقيق في جوهره هو لعبة ذكاء بين المحقق «المجرم» باعتباره غاصب الديار وبين المتهم «الضحية» باعتباره صاحب الحق المجاهد دفاعًا عن وطنه.
وفي هذا المقال نستكمل الحديث في هذا الموضوع الهام، والانتفاضة المباركة في
فلسطين تتواصل دون كلل أو ملل، والسجون والمعتقلات الإسرائيلية تعج بكل فئات الشعب
الفلسطيني الذي أعلن الثورة على الاحتلال وهو لا يملك إلا الحجر سلاحًا في وجه المحتل
الصهيوني المدجج بالسلاح.
ولا شك أن صراعنا مع اليهود ليس صراعًا على حدود بمقدار ما هو صراع على وجود..
وإن الصراع في جوهره صراع حضاري بين مشروع غربي استعماري يعتبر الكيان اليهودي في فلسطين
رأس حربة له ومشروع إسلامي للنهوض تعتبر الصحوة الإسلامية إحدى مظاهره، وتعتبر الانتفاضة
الفلسطينية إحدى وسائله.
ومادام هناك مجاهدون فهناك معتقلون، وإذا كان هناك مجاهدون طلقاء فهناك مجاهدون
في الأسر أو في طريقهم إلى الأسر.. وليس معنى وجود المجاهد في الأسر أن تتوقف فاعليته
ذلك أن التحقيق في حد ذاته معركة جديدة ربما لا تقل خطرًا عن معركة المواجهة بالحجر
أو -كما نتعشم ونأمل- معركة المواجهة بالسلاح في مرحة لاحقة.
· هدف
المحقق اليهودي
وإذا كان هدف المحقق اليهودي هو إنهاء الانتفاضة «الثورة»، وإيقاف استمرارها
وتصاعدها، وتيئيس الشعب الفلسطيني ومن ورائه الأمة الإسلامية من إمكانية المواجهة مع
العدو الصهيوني أو فاعليتها فإن المتهم البطل وهو يخوض معركة التحقيق بصنوفه العنيفة
واللينة لابد أن يدرك أنه أمام معركة من نوع جديد سلاحها اليقظة والذكاء والصبر والإرادة
وقبل كل شيء قوة الإيمان.
ولهذا فعليه أن يضع في اعتباره منذ البداية أن اعتقاله لا يعني خروجه من دائرة
الصراع وإنما انتقاله من موقع إلى موقع، وإذا كان العقل الجماعي- كما يقول علماء الاجتماع
يحكم تصرفاته وهو في ساحة المواجهة الجامعية على الأرض وبالتالي يشحذ همته ويعطيه شحنة
من الشجاعة والإقدام فإن عقله الفردي هنا واحتماله البدني والنفسي وإيمانه العميق بربه
ومشروعية نضاله هي أسلحته في مواجهة محققين مهرة وأذكياء وخبثاء يملكون من الوسائل
المتطورة والأساليب الماكرة التي تمكنهم من الحصول على ما يبتغون إذا استطاعوا إيقاع
المتهم الضحية في حبائلهم.
* فماذا يريد المحقق على وجه التحديد؟
- يريد من المتهم أن يعترف أولًا عن نفسه، ثم عن زملائه، وأن
يدلي بكل ما يعرف من معلومات عن نفسه وعن الآخرين مهما كانت تافهة أو لا قيمة لها في
نظر المتهم وأن يعطي آراءه وتصوراته، واتجاهاته وشكوكه واحتمالاته.
- يريد منه أن يذكر أسماء وأماكن وتواريخ وشهودًا ووقائع وأحاديث وإشارات
وأدلة وملاحظات واستنتاجات، ولقاءات، ومشاهدات، ومسموعات.
- يريد منه أن يتحول بالتدريج من عنصر فاعل في الانتفاضة والحركة الجهادية إلى
أداة من أدوات إجهاضها وقمعها سواء عن وعي أو عن غير وعي.
- يريد منه أن ينهار وأن يصاب بالإحباط وأن يحصل له «غسيل مخ» كما يقولون
وأن تنشل إرادته، وأن يصبح أداة طيعة في يد المحتل المستعمر أملًا في النجاة بنفسه!
وإذا كان لكل إنسان شخصيته المميزة التي تقوم على محوري البيئة والوراثة فإن
المحقق يحرص على دراسة هذين المحورين دراسة تفصيلية حتى تتحدد له معالم شخصية المتهم
وبالتالي يستخدم معه الأسلوب أو الأساليب التي تتلاءم مع هذه الشخصية.
فإذا تبين أن المتهم حاد المزاج لجأ المحقق إلى إثارته باعتبار أن حدة الانفعال
تعطل عملية التفكير والإرادة بالتالي يخرج «المخبوء» من الأسرار التي يحتويها العقل
وتحجبها الإرادة.
وإذا كان حب الدنيا أو المال أو النساء أو الشهرة، إذا كانت إحدى هذه العواطف
هي العاطفة السائدة على كل العواطف لدى المتهم لجأ المحقق إلى التلويح بحرمان المتهم
من هذه العاطفة أو التلويح بإشباعها. وفي كلتا الحالتين -الخلاص من الحرمان أو الحصول
على الإشباع- لابد للمتهم أن يدفع الثمن وهو الاعتراف! فإذا حصل الاعتراف على الذات
ثم على الغير لجأ المحقق إلى المساومة من جديد لحصول المتهم على الحرية المزعومة مقابل
ما يسميه رجل المخابرات بالتعاون، وهو يعني بذلك تحويل المجاهد البطل إلى عميل.
وإذا حاول الضحية تضليل العدو للحصول على الحرية مقابل إعطاء معلومات كاذبة فإن
العدو يلاحقه ويضيق عليه ويطلب منه المزيد.
فإذا اكتشف العدو أن لا أمل في ولاء الضحية له لجأ إلى إحراقه جماهيريًا وإحراجه
أمام أهله وذويه والناس أجمعين بزيارته في بيته، أو استدعائه العلني لمكتب المخابرات،
أو حمله في سيارة مكشوفة والطواف به بين الناس، أو تسريب معلومات، أو بث إشاعات عن
طريق رجال المخابرات أو عملائهم عن تعاون الضحية مع المخابرات ليقوم الناس بنبذه أو
احتقاره أو تهديده بالقتل حتى يلجأ إلى العدو للحصول على الأمان. فإن لم يفعل أوعز
لبعض رجاله بقتله على اعتبار أن رجال الثورة أو المجاهدين هم الذين قتلوه، ليصبح عند
الله شهيدًا وعند الناس خائنًا عميلًا.
*
لماذا الإبعاد؟
وقد يلجأ العدو إلى إبعاده خارج البلاد للتخلص منه ليحاول أهله بعد ذلك إرجاعه
عن طريق المحامين أو المحسوبين على سلطة الاحتلال. ولإرجاعه ثمن باهظ هو ما يسميه العدو
بالتعاون وما يسميه الناس بالعمالة والخيانة!
والعدو الصهيوني يعلم ما يلاقيه المبعد خارج فلسطين من عنت وجحود وضياع وحنين
إلى الوطن والأهل وقيود لم يكن يجدها لدى العدو، وفساد في بعض النيات والتصرفات، رغم
الاستقبال المبدئي والبريق الإعلامي الذي يواجهه في الأيام الأولى من إبعاده.
فإذا ثبت المبعد على مبادئه وسعى للعودة إلى وطنه مجاهدًا اصطدم بعقبات الحدود
العربية محكمة الإغلاق بينما أجهزة الإعلام العربية تتغنى بالانتفاضة المباركة وأهلها
الأبطال.
فإذا رحل إلى ديار الغرب فربما وجد محاميًا «يهوديًا» يساعده على الحصول على
«الجنسية» ليتعايش مع المجتمع الجديد وكفى الله المؤمنين القتال!
*
أهل الرباط
نحن ننقل هذه الصورة المأساوية لنقول لأهل فلسطين المرابطين حذار من الوقوع في
أحابيل بني صهيون فأنتم أهل الرباط وطليعة الأمة التي أعزها الله بالإسلام فزلت بالتنكب
عنه. وأنتم طليعة الجهاد الإسلامي الشامل الذي لاحت بوادره رغم الغيوم الكثيفة والصعاب
الجمة والعقبات الجسام.
ورح الله الشاعر القائل:
وإذا كانت النفوس كبارا
تعبت في مرادها الأجسام
فما هو المطلوب من إخواننا الفلسطينيين المجاهدين الذين اعتقلوا أو الذين يمكن
أن يتعرضوا للاعتقال؟
- المطلوب أن يضع المجاهد في اعتباره أنه حين اختار طريق الجهاد في مواجهة
بني صهيون أو حين اختاره الله للجهاد فهو مقبل على أحد أمرين النصر أو الشهادة، ومن
أجل النصر ومن أجل الشهاد يسهل كل صعب ويهون كل كرب.
- المطلوب منه الثبات والصبر، وأن يعلم أن اعترافه على نفسه لن ينجيه من العقوبة،
وأن اعترافه على إخوانه خيانة كبرى، وأن العذاب البدني لا يؤدي إلى الموت إلا إذا انتهى
أجله، وأنه إذا مات تحت التعذيب مات شهيدًا.. وأن منزلة الشهداء عند الله لا تصل إليها
إلا مرتبة الأنبياء والصديقين.
- المطلوب منه ألا يدلي بشيء قد يؤدي إلى ضرر يلحق به أو بإخوانه مهما تصور
أن هذا الشيء تافه، وألا يدلي بأقوال إلا وهو في وعيه الكامل وإرادته الصلبة، وأن يكون
على يقين بأن أقواله لا تخدم المحقق الماكر بأي حال من الأحوال.
- المطلوب ألا ينخدع بالقول بأن إخوانه اعترفوا على أنفسهم أو اعترفوا عليه
حتى ولو واجهوه بهم وبأقوالهم أو بتسجيل لاعترافاتهم لاحتمال التزييف و«الدبلجة» والخداع
والانهيار النفسي عند بعض إخوانه.
- المطلوب أن يعلم متى يقول لا، ومتى يقول نعم، ومتى يقول على ما أظن، أو
على ما أعتقد، أو على ما أذكر، أو محتمل، أو ربما، أو يجوز، أو لا أعلم، أو لا أدري،
ومتى يصمت، ومتى يتكلم.
- المطلوب أن يتحكم في انفعالاته، أو في المظاهر الخارجية للانفعال، بحيث
لا تدل ملامحه أو حركاته أو فلتات لسانه أو زلات قلمه على ما تخفيه نفسه.
- المطلوب ألا تصدمه المفاجآت وأن يضع في حسابه كل الاحتمالات، وأن يكون جاهزًا
ومستعدًا لها بحيث يتمثل شخصية المحقق، ويضع في اعتباره الأسئلة التي يمكن أن توجه
إليه بحيث تكون إجاباته جاهزة لها.
- المطلوب أن يعلم أن السؤال يمكن أن يتكرر بصيغة أخرى، وألا ينسى إجابته
الأولى، وأن يثبت عليها إذا كانت قاطعة، وأن يؤولها إذا كانت تحتمل التأويل.
- المطلوب ألا ينكر ما لا يمكن إنكاره، وألا يتجاهل ما لا يمكن تجاهله، كمعرفة
أسماء أقاربه الأقربين، أو العلم ببعض الأحداث أو معرفة بعض الأسماء التي يعرفها كافة
الناس.
- حين يشتد الأذى البدني أو النفسي يمكن أن يلجأ إلى الحيلة والخداع فيتظهر
بالانهيار الجسمي أو النفسي للخلاص من العذاب ولو مؤقتًا والتظاهر بالإدلاء بمعلومات
خارجة عن إرادته بينما هي معلومات مسيطر عليها لتضليل العدو أو لتكرار ما سبق قوله.
- إذا ضبط متلبسًا ولا مجال للإنكار فليحجب المعلومات المتعلقة بإخوانه أو
أدواته المخفية، وإذا كان لابد من الحديث عمن نظمه أو أعطاه أداة المقاومة فليتحدث
عن أسماء لا وجود لها، أو عن أشخاص استشهدوا أو عن جواسيس معروفين بعمالتهم للعدو،
أو عن أشخاص خارج البلاد وليس في النية عودتهم.