العنوان دراسات فقهية قراءة في فقه الشهادة (1 من 3).. أحكام الجهاد في سبيل الله
الكاتب مركز الدراسات الإسلامية
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مايو-1996
مشاهدات 99
نشر في العدد 1199
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 14-مايو-1996
• الإسلام كرم الإنسان وحرم عليه قتل نفسه.. لكنه حثه في الوقت نفسه على بذل تلك النفس في سبيل الله
• أجمع علماء الأمة وقادتها الإسلاميون المعاصرون على أن الجهاد فرض عين على أهل فلسطين.. ومن في ثغور التماس مع العدو ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (الإسراء: 7).
كتب الشيخ سيد سابق في «فقه السنة» (ص 158 - 159 - المجلد الثاني): وأما قاتل نفسه فالله سبحانه وتعالى يحذر من ذلك فيقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: 195)، ويقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء: 29)، وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «من تردي من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سمًا فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدًا فيها أبدًا».
وروى البخاري عن أبي هريرة أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي يخنق نفسه يخنقها في النار والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار، والذي يقتحم يقتحم في النار» «يقتحم يرمي نفسه من عل»، وعن جنب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وكان فيمن قبلكم رجل به جرح، فجزع، فأخذ سكينًا فحر بها يده فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة» (رواه البخاري).
• تكريم الله للإنسان
هذا حكم الإسلام فيمن يقتل نفسه انتحارًا بالسم أو يرمي نفسه من عل أو بحديدة، أو بطعن أو بخنقها، أو بحر يده أو رقبته بسكين لينزف حتى الموت، فما المسلم أن يقتل نفسه بأسًا من حياة، أو جزعًا من جرح، أو مرض، أو هروبًا من دين أو فقر أو جوع أو خوف، أو مصاعب أو سجن أو عذاب فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بيده، ونفخ فيه من روحه، وجعل الملائكة تسجد له، وسخر له ما في البر والبحر والسماء، واستخلفه على الأرض، وفطره على التوحيد، وأعطاه القوة بروحه وعقله ويديه وبدنه. وعلمه ما لم يكن يعلم، وأتاح له أن يعرف الكون ويحكم، ويمسك بالآلة، ويعمل ويبدع، ويترقى فيحسن تأمين طعامه، ومنامه، وتنقله، وراحته، ويحسن تغذية روحه وعقله وأحاسيسه، وبعث إليه بالأنبياء والرسل ليصححوا ما أعوج من أمره، وليرشدوه إلى سواء السبيل، وكانت بعثة محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسل بالقرآن والسنة الشريفة ليتم نعمة الله التي أنعم بها على الإنسان، فهل بعد هذا من تكريم للإنسان فوق هذا التكريم؟! ولذا لم يكن للإنسان أن يقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (الإسراء: 33)، وحدد القرآن هذا الاستثناء تحديدًا دقيقًا كقتل الشيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة، ولكن الله تبارك وتعالى أتم هذا التكريم للإنسان على الأرض بأن جعل له غاية أكبر من تكريم حياته، وتأمين احتياجاته وسائر شؤون استخلافه على الأرض، فقد جعل له الفارقة الكبرى وهي عبادة الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، فهذه الغاية أكبر من الحياة نفسها، وفي أعلى مراتب تكريم الإنسان، وما هذه الحياة الدنيا إلا فانية، ولكنها مسرح الصراع بين الإيمان والكفر. كما بين عبادة الله وعبادة الأهواء والشياطين، فعلى الإنسان المكرم أن يختار بين الإيمان والكفر، أو بين عبادة الله وعبادة الأهواء والشياطين، وما بينهما من مشتبهات كالفسق والفجور، وارتكاب الكبائر ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان: 3)، وما جزاء ذلك إلا جنات الخلد أو إلى خلد في نار جهنم، وهذا ما يجعل الحياة جسرًا للإنسان إلى الجنة إن أراد أن يكون عابدًا لله شكورًا أو جسرًا إلى النار إن أراد أن يكون ناكرًا لله أو جاحدًا وكفورًا، وما عمر الإنسان في هذه الحياة، وإن بدت للبعض سنين عددًا، إلا عبورًا خاطفًا، إن هذه السنين حتى لو وصلت بالفرد إلى مائة عام لا تساوي في عمر الكون وفي عمر الخلد في الجنة أو في النار إلا لحظة، وهذه اللحظة لا تكاد تسمى أو تذكر في الزمن الكوني ناهيك عن الزمن الرباني في الآخرة، إنها أقل من واحد على مليون من طرفة عين، ولكن الحياة على الرغم من ذلك غرورة للإنسان تجعله يحسب أن ماله قد خلده، أو أن قوته أو صحته أو شهوته باقية، إلا من رحمة ربه فعرف المعنى الذي أراده رب العالمين من خلق الإنسان وحياته، وما أعطاه من تكريم في العقل والروح والبدن والإبداع والقدرة فعرف السبيل فكان عابدًا لله شكورًا، بل كان مجاهدًا في سبيل الله ليجعل كلمة الله هي العليا، بهذا قد استخدم حياته وسخرها، بل يكون قد عبر جسر هذه الحياة الدنيا على أحسن وجه أراده الله وقد جعل ماله الجنة، حيث النعيم المقيم، والخلد الأبدي.
وهذا ما جعل للجهاد في سبيل الله أحكامًا تخصه وحده تختلف عن الأحكام المتعلقة بمن يلقي بنفسه إلى التهلكة، وما ذكر من تحريم لقتل النفس إلا بالحق، بل إن هذه الأحكام تكمل تلك الأحكام ولا تناقضها، وتجعل الإسلام كاملًا في تكريمه للإنسان من حيث الحفاظ على حياته، وتحريم قتل النفس إلا بالحق، ومن حيث بذل النفس رخيصة في سبيل الله، فكلا الأمرين واحد، وهذا ما يميز الإسلام عن النظريات والفلسفات التي تسمح بقتل النفس وهدر دم الأفراد والجماعات لغايات الاستعباد والاستعمار، ونهب الشعوب، وتكريس حكم الطغيان، وتجعل الغاية المادية تسوغ الوسيلة كما يميزه عن النظريات والفلسفات التي تجعل المحافظة على حياة الإنسان غاية تعلو على غاية العبادة، وإقامة العدل، وإحقاق الحق، مما يفسح المجال للطاغوت أن يعلو ويفسد في الأرض دون رادع، أما الإسلام فقد بلغ فيه التوازن في هذا الأمر مبلغًا عجيبًا، فأحكامه التي تكرم حياة الإنسان وتحرم قتل النفس إلا بالحق «تأمل في هذا الاستثناء إلا بالحق»، وأحكامه التي تكرم حياة الإنسان بأن تجعل أسمى غاياتها عبادة الله وتجعل الجهاد والاستشهاد في سبيل الله أعلى مراتب هذه العبادة، حين تؤخذ جميعًا تستقيم حياة الأمة الإسلامية، ويصبح الإنسان المسلم أرقى نموذج إنساني حضاري.
• شهداء أحياء
يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: 39) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ (سورة البقرة: 216)،و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ (النساء: 71)، ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 95) وأمر الله المؤمنين أن يثبتوا في المعارك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ (الأنفال: 45)، و﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (التوبة: 39). ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (التوبة: 111)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (الأنفال: 15)، وإذا كان رب العالمين عز وجل أراد من حيث الأساس أن يحافظ الإنسان على نفسه ولا يلقي بها إلى التهلكة، ولا يقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق باد لإعلاء كلمة الله في أعلى مراتب التكريم للإنسان، وفي الجهاد قتل وقتال، وهذا ما جعل الذين يقتلون في سبيل الله شهداء أحياء ينتقلون إلى الفردوس بلا مرور بعذاب الموت والقبر وجعل مرتبتهم أقرب ما تكون من درجة الأنبياء والرسل عند الله، مما جعل طلب الشهادة أمنية لكل مسلم حقيقي يتبع التعاليم الربانية في الجهاد في سبيل الله ويسير على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن، وإلا ما معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل» (رواه أحمد والبخاري ومسلم، والبيهقي، والنسائي، وورد في أحاديث الجامع الصغير وكنز العمال)، أفلا يعني هذا الحديث أن أعظم أمنية لمسلم مؤمن هو أن يقتل في سبيل الله، فما من غاية لحياة المسلم في هذه الدنيا أعز من أن يحياها في سبيل الله، ويقتل فيها في سبيل الله، وهذا توجيه رباني يصلح لكل زمان ومكان، لأن الجهاد في سبيل الله حكم تبليغي، أما كيف يأخذ مجراه في الزمان والمكان، أو كيف تدار شؤون الحرب مع الكفار، إعدادًا ودفاعًا وهجومًا، وغير ذلك من حالات فأمر مفوض للسياسة الشرعية أو حكم الإمامة، «انظر فقه السيرة للبوطي - الطبعة الثامنة - ص 219».
• مداهمة العدو ديار المسلمين
ويقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في هذا الصدد: إن الحاكم يقرر شؤون الدفاع والإعداد والهجوم.. إلا إذا داهم العدو المسلمين في عقر دارهم وبلادهم، فإن عليهم دفعه بالقوة مهما كانت الوسيلة والظروف، ويعم الواجب في ذلك المسلمين والمسلمات كافة شروط الحاجة، وتوفر مقومات التكليف (219)، وقد قرر أغلب الفقهاء فرض الجهاد على الجميع في حالة دهم العدو المسلمين في عقر دارهم وبلادهم.
أما إذا وقفنا الآن لندرس وضع المسلمين في فلسطين فسنجد العدو المشرك والكافر قد دهمهم في عقر دارهم وبلادهم فشتت أغلبهم من الديار وأعمل في رقابهم السيف والنكال، وزج بعشرات الألوف في السجون، وأنزل فيهم ألوان العذاب وراح يقتل منهم كل يوم، ويسقط الجرحى بالعشرات، وعمد إلى تهويد الأرض، وانتهك المقدسات وجعل أولى القبلتين وثالث الحرمين المسجد الأقصى الذي بارك الله من حوله وصخرة الإسراء والمعراج مهددين بالإزالة لإقامة ما يسمى بالهيكل مكانهما، ووضعت اليد المشركة على الحرم الإبراهيمي في مدينة خليل الرحمن، وجعل العدو من وجوده في أرض فلسطين قاعدة عسكرية ذات أنياب ومخالب فتاكة بكل ألوان الأسلحة، لتمعن في إذلال بقية الدول العربية والإسلامية، وتسهم في تثبيت خطط الهجمة الغربية - الصهيونية العالمية، التي وضعت لتكريس نتائج هدم دولة الخلافة العثمانية، وفي مقدمتها خطة «سايكس بيكو»، وهي خطة تقسيم بلاد المسلمين «البلاد العربية وغير العربية»، إلى عشرات الدويلات، وإقامة نمط الدولة العلمانية في كل منها لتكرس التجزئة، وتجعل من كل جزء مصدر شلل للجزء الآخر، ولتجعل من دولة التجزئة وعاء للتغريب والحضارة الغربية، هذه الفكرة التي تفتك بالجسد الإسلامي كالسم الزعاف وذلك حين تحل محل الإسلام وكلام الله ومن ثم ليجعل من تلك الدولة أداة قمع واضطهاد لكل من يقول ربنا الله.
فأذى دولة الوطن القومي اليهودي في فلسطين لا يقتصر على احتلال جزء من دار الإسلام وهو فلسطين، وإذلال أهلها، ونشر الفساد اليهودي فيها فحسب، وإنما هو أيضًا جزء مركزي في خطة تمزيق الأمة الإسلامية وتغريبها وإخضاعها واستعبادها وشل إرادتها، ووضع النير الأبدي في عنقها، ومن هنا لا يمكن أن يعطل الجهاد إذا لم يوجد الحاكم الذي يأمر به، ولا يمكن أن ينتظر المسلمون في فلسطين وغير فلسطين عودة دولة الخلافة الإسلامية التي تأمر بالجهاد حتى يكون جهاد.... وإنما كان لا بد من أن يجاهد كل مسلم توفرت فيه مقومات التكليف أو كل جماعة إسلامية بقدر استطاعتها واجتهادها، ووفق ما تراه مناسبًا، فنحن أمام الحالة التي يمكن أن يخرج فيها المسلم إلى الجهاد دون إذن، وقد أجمع علماء الأمة وقادتها الإسلاميون المعاصرون منذ بدء الاجتياح الغربي – الصهيوني لفلسطين وحتى اليوم على اعتبار الجهاد بالنسبة إلى أهل فلسطين، وإلى من في ثغور تماس مع هذا العدو فرض عين لا بد من أن يقوم به كل من استطاع إليه سبيلًا، فعدو الإسلام والأمة دهم البلاد، وأذل العباد وأمعن في الكفر والفساد، ولم تسلم منه الأعراض ولا المقدسات، ولا ديار الجوار، وجوار الجوار، ولم ينفع معه ومع حلفائه ما عرضه بعض الحكام من نداءات للتخفيف من هذه الحال، ولم توقف التنازلات فتكة السرطان بجسد فلسطين والأمة، بل زاد الضعف في السؤال أعداء الأمة تماديًا وطغيانًا، عدوانًا، ولم ينج من الأذى حتى الذين بوا الأمن والنجاة بأي سبيل، فخطة صهيون وأمريكا، بصورة خاصة، تتجه إلى تهويد فلسطين تهويدًا كاملًا لا رجعة فيه، وتتجه إلى جعل دولة صهيون قوة عسكرية ضاربة تستمر باحتلال الجولان وأجزاء من لبنان، ومهيأة لاحتلال بلاد إسلامية أخرى، أو ضربها بالطائرات والصواريخ ولقد أرادوها قوة عسكرية ترتجف منها حكومات المنطقة وتتمنى مهادنتها، فتسلم قيادها لأمريكا حتى تأمن شرها، ويصل التسليم إلى خضوع وتبعية، بل حتى إلى تنفيذ خطط الغرب والشرق في محاربة الإسلام والمسلمين، ولم يشذ الشرق الماركسي عن هذه التوجهات، فاتفق مع الغرب الرأسمالي على الاعتراف بدولة «إسرائيل» واعتبار وجودها أمرًا لا يمس وإن اختلفا في التنازع على من يكسبها إلى جانب سياساته ومخططاته.
• الساكت أكثر من شيطان أخرس
إن هذا الحال لا يرضاه للمسلمين رب العالمين ولا يمكن أن يطبقه من يصلي موليًا وجهه إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والساكت عليه ليس شيطانًا أخرس فحسب، بل هو أكثر من ذلك؛ لأن العدو الصهيوني في فلسطين أكثر من ظالم، وأكثر من حاكم جائر وأكثر من طاغية، وأكثر من فرعون، فهو الكفر والشرك والشيطان والطغيان وعداء الإسلام والمسلمين في آن واحد وفي حوض واحد، وهو السرطان الذي يقري بدن الأمة، ولا مفر من أن يوقف عند حده، ويصار إلى اجتثاثه، ولا يكون ذلك إلا بأن يقاوم بكل وسيلة يقرها الشرع، ولا بد من أن تتضافر على ذلك لا جهود شعب فلسطين فحسب. وإنما أيضًا جهود الأمة الإسلامية كلها، فهو ليس بالعدو المحلي، وإنما هو عدو عالمي جزء منه في فلسطين، وأجزاء منه منتشرة في قارات الأرض كلها، هو رأس حربة تفتك بالأرض المباركة بينما بقيتها في عواصم الاستعمار والطاغوت العالمي تمده بجسر لا ينقطع من الإمداد العسكري والمادي والبشري والسياسي والإعلامي والمعنوي والجاسوسي، وإذا كان من المشروع في المقابل أن تتحرك كل القوى الإسلامية الحية في الأمة لتتدبر سبل النهوض وسبل المشاركة بواجب مواجهة هذا التحدي الكبير الخطير، وإذا كان من المشروع أن تجتهد كلها في ذلك وفق ما تراه طريقًا أقرب وأنسب لظروفها وأمصارها، فإن السبيل واضح بين بالنسبة إلى أهل الرباط والجهاد تحت الاحتلال في الأرض المباركة فلسطين، فما على هؤلاء إلا أن يستخدموا، كل وفق اجتهاده، طريق الصمود في الأرض والمحافظة على المقدسات والهوية الإسلامية، وتثبيت الناس في خوض كل ألوان المواجهة، والمقاومة السلبية والإيجابية المسلحة وغير المسلحة، والتي يكون التغير فيها ثبات «سرايا متفردة» أو جميعها، ويكون بالجماهير المتدفقة في الشوارع ترفع راية لا إله إلا الله، والله أكبر، أو يكون بمعارك الحجارة يقاتل بها الأطفال والفتيان والنساء، أو بمعارك المواجهة المسلحة تخوضها سرايا الجهاد الإسلامي، ولا بد من أن يتم ذلك كله بأعلى درجات الاتكال على الله، والتقوى والإيمان وطلب الشهادة بأعلى درجات التضحية، فيقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، ﴿وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 74).