; أساليب وطرق التنمية الذاتية للقيادة «٤» | مجلة المجتمع

العنوان أساليب وطرق التنمية الذاتية للقيادة «٤»

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1988

مشاهدات 76

نشر في العدد 862

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 12-أبريل-1988

في هذه الحلقة يحدثنا فضيلة الشيخ جاسم مهلهل الياسين عن الأسلوب الأول في تنمية البداهة والمبادرة وأخذ القرار، بعد أن تحدث في العدد الماضي عن تقسيم أهل التصنيف للقيادة.

 

الأسلوب الأول في تنمية البداهة والمبادرة وأخذ القرار

ما كان يوصف به إسحاق بن محمد بن يعقوب أنه لا يُطاق شجاعةً واقتدارًا وصبرًا، يرتجل الخطبة والمقالة البديهية في الساعة الراهنة (1). فالبداهة من مستلزمات القيادة للتدرب على تحليل الأشياء بهدوء، ومدارستها باهتمام لعمل موازنة بين المحاسن والمساوئ قبل اتخاذ القرار، وهو نوع من التدبير بحيث يجعل لكل سؤال جوابًا؛ مما ينمي حاسة الصواب الكامنة في كيانه، وبهذا يكون دائمًا على أهبة الاستعداد للعمل. فالحياة عبارة عن مجموعة قرارات صغيرة فمن أحسن اتخاذها في حياته اليومية، استطاع في اللحظة الحرجة اتخاذ القرار الحاسم الدقيق.

 

فتكون المبادرة في انتهاز الفرصة في وقتها ولا يتركها حتى إذا فاتت طلبها، فهو لا يطلب الأمور في أدبارها ولا قبل وقتها، بل إذا حضر وقتها بادر إليها ووثب عليها وثوب الأسد على فريسته، فهو بمنزلة من يبادر إلى أخذ الثمرة وقت كمال نضجها وإدراكها، فإن من لم يُحطّم المتاعب حطمته. قال ابن هبيرة البغدادي: «لولا الظلم الجائر ما حصلت الشهادة للشهيد، ولولا أهل المعاصي ما بلغت بلوى الصابر في الأمر بالمعروف، ولو كان المجرمون ضعفاء لقهروا فلم يحصل ذلك المعنى» (2).

 

فإذا ما حطمت المسلمات ولم يستطع القائد الرجوع لجماعته بادر إلى قياس الأمور على الأصول التي يعرفها واستقرت عنده، وبهذا ستنمو روح المرونة والجرأة عنده، كما يقول أندريه موروا: «إن حدود الأشياء الممكنة مرنة تزيد أو تنقص بحسب مواهب المنفذين وبداهتهم» (3).

 

وبسرعة البداهة واختيار العبارة قال ابن الجوزي يعظ المستضئ: «يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك، وإن سكت خفت عليك، وإن قول القائل لك اتق الله خير لك من قوله لكم إنكم أهل بيت مغفور لكم» (4). أما المبادرة فهي انتهاز الفرصة في وقتها وعدم تركها، فالقائد حتى يحقق القيادة في نفسه لا بد أن يستشعر المسؤولية، فهذا سفيان الثوري رحمه الله يقول: «إني لأرى الشيء يجب عليَّ أن آمر فيه وأنهى فأبول دمًا» (5).

 

فالقائد مهتم بالعمل الإصلاحي على الدوام، كما عبر إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بقوله: «كل فكر في غير صلاح سهو، وكل كلام في غير رضا الله لغو» (6).

كما يُحسن من القائد تحديد واختيار الطريق، فهذه من بدايات النجاح التي ستساعده على عملية التنفيذ، فرجل ينفذ أفكاره القليلة بهمة ورغبة أفضل ممن امتلأ رأسه بالأفكار وعجزت يداه عن تنفيذها، فهو يعرف ما يريده ويقوم بالتنفيذ، فتكون طاعته عن رغبة لا رهبة، فيستطيع أن يستخدم كلمتي «نعم» أو «لا» في الوقت المناسب. «فالناس حازمان وعاجز: فأحد الحازمين الذي إذا نزل به البلاء لم ينظر به وتلقاه بحيلته ورأيه حتى يخرج منه، وأحزم منه العارف بالأمر إذا أقبل فيدفعه قبل وقوعه، والعاجز في تردد وتثني حائر بائر لا يأتمر رشدًا ولا يطيع مرشدًا» (7). فالذي لا يقرر في الوقت المناسب من الممكن أن يكون عالمًا كبيرًا، ولكن لا يكون قائدًا ناجحًا، فالقائد كلماته محدودة ونظمه محدد، قال سلمة بن علقمة: "جالست يونس بن عبيد -تابعي ثقة- فما استطعت أن آخذ عليه كلمة واحدة" (8).

 

وقد كان سلفنا مثالًا ناجحًا في الرد السريع واختيار العبارة، فهذا الخليفة العباسي هارون الرشيد رحمه الله يلعب بالصوالج (9) فيقول لزيد بن مزيد الشيباني: "كن مع عيسى" -أي في حال اللعبة الحربية والمبارزة- فيأبى عن ذلك، فيقول الرشيد: "أتأنف ويحك أن تكون معه؟" فيرد الشيباني: "يا أمير المؤمنين إني حلفت يمينًا ألا أكون على أمير المؤمنين في جد ولا هزل!!" وهذا المأمون يسأل يحيى بن المبارك عن شيء فيقول: "لا، وجعلني الله فداك يا أمير المؤمنين." فيقول المأمون: "لله درك، ما وُضعت واو قط موضعًا أحسن من موضعها في لفظك هذا" (10).

 

وفي الحكمة النبوية في قصة حكم سيدنا داود وسيدنا سليمان عليهما السلام دليل كذلك. قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء:78-79).

قال ابن مسعود في تفسير الآية: "كرم قد أنبتت عناقيد فأفسدته الغنم، فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان: غير هذا يا نبي الله. قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا كان الكرم كما كان. دفعت الكرم إلى صاحبه ودفعت الغنم إلى صاحبها فذلك قوله: «ففهمناها سليمان»".

 

وقيل لأعرابي: "أين منزلك؟" قال: "بحيث ينزل الغيث وفي حسن الأدب في الطلب." قال محمد بن واسع لقتيبة بن مسلم: "إني أتيتك في حاجة رفعتها إلى الله قبلك، فإن أذن الله فيها قضيتها وحمدناك، وإن لم يأذن الله فيها لم تُغضها وعذرناك." وسأل ابن الزبير معاوية حاجة فلم يقضها، فاستعان عليه بمولاة له فقضى حاجته، فقال له الرجل: "أاستعنت بامرأة؟" فقال: "إذا أعيت الأمور من أعاليها طلبناها من أسافلها." والتصرف السريع ليس في القول فقط، بل بالفعل، قال الهيثم بن جميل: "جاء فضيل بن مرزوق من أئمة الهدى زهدًا وفضلًا إلى الحسن بن حي، فأخبره أنه ليس عنده شيء، فقام الحسن فأخرج ستة دراهم، وأخبره أنه ليس عنده غيرها، فقال سبحان الله! ليس عندك غيرها وأنا آخذها، فأخذ ثلاثة وترك ثلاثة" (12).

 

ومن جميل ما قيل في الرد الجميل أن زوجًا قال لزوجته:

إنَّ النســاءَ شياطينٌ خُلِقنَ لنا *** نَعُوذُ باللهِ من شَرِّ الشياطينِ

فأجابته الزوجة:

إنَّ النســاءَ رياحينٌ خُلِقنَ لكمُ *** وكلُّكم يشتهي شَمَّ الرياحينِ

 

وعن معمر بن طاووس قال: "إن رجلًا كان يسير مع طاوس فسمع الرجل غرابًا ينعب فقال خير، فقال طاوس: أي خير عند هذا أو شر، لا تصحبني ولا تمش معي" (13). وقال له رجل مرة: "ادع لي"، فقال -أي طاوس-: "ادع لنفسك فإنه يجيب المضطر إذا دعاه" (14).

 

وقال رجل للحسن البصري: "مات فلان فجأة"، فقال: "لو لم يمت فجأة لمرض ثم مات" (15). وقال رجل للأحنف بن قيس: "أخبرني الثقة عنك بسوء." فقال الأحنف: "الثقة لا ينم" (16). وفي مجلس وجد عمر بن الخطاب من بعض جلسائه رائحة، فقال: "عزمت على صاحب هذه الريح إلا قام فتوضأ." فقال جرير بن عبد الله البجلي: "أعزم علينا كلنا فلنقم." فعزم عليهم، ثم قال: "يا جرير ما زلت شريفًا في الجاهلية والإسلام" (17).

 

وقام رجل إلى ابن الجوزي فقال: "يا سيدي نريد كلمة ننقلها عنك، أيهما أفضل.. أبو بكر أم عليّ؟" فقال له: "اقعد." ثم قام فأعاد مسألته فأقعده ثم قام، فقال: "اقعد، فأنت أفضل من كل رجل" -يعني فضولي- (18).

 

ودخل عبد العزيز بن يحيى المكي على المأمون، وكانت خلقته شنيعة جدًا، فضحك المعتصم، فأقبل عبد العزيز على المأمون وقال: "يا أمير المؤمنين لم ضحك هذا؟ لم يصطفِ الله يوسف لجماله، وإنما اصطفاه لدينه وبيانه، وقد قص ذلك في كتابه بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (يوسف:54) (19). ولم يقل لما رأى جماله، فبياني يا أمير المؤمنين أحسن من وجه هذا." فضحك المأمون وأعجبه قوله (20). وكتب رجل إلى طاهر بن الحسين بن مصعب قائد المأمون رقعة يسأله فيها، فوقع له عليها: "ما شاء الله كان." فوقع الرجل في أسفلها: "إن الله شاء المعروف." فلما قرأها طاهر وصله (21) وقدم وكيع بن الجراح بن مليح الحافظ مكة، وكان سمينًا، فقال له الفضيل بن عياض: "ما هذا السمن وأنت راهب العراق؟" فقال: "هذا من فرحي بالإسلام" (22).

 

ونختم هذه اللطائف في حسن الرد وبداهته في الحوار الذي تم بين عمر بن عبد العزيز والفقيه الكبير سالم السدوسي، قال عمر: "أسرّك ما وليت أم ساءك؟" فقال السدوسي: "سرني للناس وساءني لك" (23).

 

يتبع

 

(1) البداية والنهاية للحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير - مكتبة المعارف بيروت (11/226).

(2) الإفصاح (1/35).

(3) لمحات في فن القيادة - ح. كورتوا، ترتيب المقدم هيثم الأيوبي ص 45.

(4) البداية والنهاية (13/19).

(5) الإمام سفيان الثوري للبيانوني ص (159).

(6) الوافي بالوفيات (9/32).

(7) عيون الأخبار (1/280).

(8) تهذيب التهذيب (11/444).

(9) الصولجان من أدوات الحرب والقتال.

(10) تاريخ بغداد 4/148.

(11) الأنبياء:78-79.

(12) ميزان الاعتدال للإمام الذهبي تحقيق علي محمد البجاوي- ط دار المعرفة بيروت (3/392).

(13) البداية والنهاية (9/241).

(14) البداية والنهاية (9/239).

(15) العقد الفريد (3/186).

(16) وفيات الأعيان (2/506).

(17) شذرات الذهب (1/08).

(18) طبقات الحفاظ للذهبي (4/404).

(19) يوسف:54.

(20) تاريخ بغداد (10/10).

(21) البصائر والذخائر (1/27).

(22) طبقات المفسرين للحافظ شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الداوودي- تحقيق علي محمد عمر- مكتبة وهبة (2/359).

(23) البصائر والذخائر لأبي حيان علي بن محمد بن العباس التوحيدي- تحقيق إبراهيم الكيلاني- مكتبة أطلس (4/188).

 

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل