العنوان أساليب وطُرق التنمية الذاتية للقيادة (2)
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1988
مشاهدات 75
نشر في العدد 860
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 29-مارس-1988
بدأنا في العدد
الفائت بنشر حلقات هذا الكتاب القيم الذي أعده فضيلة الشيخ جاسم مهلهل الياسين،
ونتابع في هذا العدد نشر الحلقة الثانية بعد أن وقف فضيلته في العدد السابق
مستشهدًا بما ذكره سيد قطب رحمه الله من أنه: «لا بد من طليعة تقوم على العمل لبعث
هذه الأمة». وفي الحلقة التي بين أيدينا يتابع الشيخ جاسم حديثه عن تلك الطليعة
فيقول:
"فهذه
الطليعة هي مفتاح الأمر في القديم والجديد، فانتصار الإسلام لا بد أن تكون بدايته
حملة تجميع وتربية لعدد من المؤمنين يتجردون ويتبنون قضايا الأمة، يقومون بذلك من
خلال:
1. بناء وتربية مجاميع الشباب إيمانيًا وعلميًا
وحركيًا وجهاديًا.
2. تنفيذ برامج الدعوة التربوية ومتابعة
المنفذين لها في ميدان العمل والتطبيق لضمان تحقيق الأهداف.
3. ممارسة دور الرقابة والحفظ للذين معهم في
العمل، فالقيادة هي العين الساهرة في المسيرة.
4. تجذير الروح الشورية في واقع التكامل بين
الرائد والأفراد.
5. الإشراف على عملية البناء التربوي المبرمج
ومعرفة مواطن الخلل في البرنامج ومدى ملاءمته للظروف والواقع والأفراد.
وهذا عمل جليل
وعلى النفس ثقيل، وبعون الله مذلل للسائرين المرددين: "إذا فاتني يوم ولم
أصطنع يدًا ولم أكتسب علمًا فما ذاك من عمري"
وسلفهم في ذلك
قولة الأمير القائد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمعاوية بن خديج عندما جاء مبشرًا
بفتح الإسكندرية: «لئن نمت النهار لأضيعن الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي،
فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية». (1)
وهذا من بعده
الشيخ علي بن عقيل شيخ ابن الجوزي في النحو، المولود سنة 431هـ، يقول: «إني لا يحل
لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة،
أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره» (2).
وبهذا الحرص
يمكن للعاملين أن يعيشوا لغيرهم، فمن آثر الله على نفسه آثره الله. والمخاطرة
بالنفوس مشروعة في إعزاز الدين (3)، فالقادة الأعلام يوم من أيام أحدهم أكبر من
عمر آحاد الناس (4)، فهؤلاء القادة تجري سنة الله في تحقيق منهج الله لتنقض ركام
الجاهلية عن الفطرة، فهم قدر الله لإعلاء كلمته وتسلم منهجه الزمام (5).
فالأيام قليلة
لمن استقام وصبر. قال العلاء بن الزبير الكلابي يحدث عن أبيه أنه قال: «رأيت غلبة
فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارسًا، ثم رأيت غلبة المسلمين فارسًا والروم، كل
ذلك في مدة خمس عشرة سنة» (6). وقال رحمه الله: «ما زال الإسلام في دهره في مد
وجزر» (7). فلا بد من العمل، فالمسلم داعية والداعية مسؤول عن رعيته.
فإذا غاب عنهم
تخلى عن واجبه، وعرض أمته لعبث المبطلين، وغواية الشياطين، ولن يسوغ له هذه
العاقبة بحال من الأحوال، إنه حسن النية في الخلوة بربه. وإنا نقرأ في كتاب الله
أن عملًا كهذا سبق من موسى عليه السلام، فأوقفه الله به موقف الحساب والمؤاخذة،
لأن شعبًا بأسره ضل بغيابه عنهم ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ *
قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ * قَالَ
فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ *
فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ (سورة طه: 83-86) (8).
وإنا لنرى في
سيرة سيد الدعاة صلى الله عليه وسلم أنه لم يلجأ إلى هذه العزلة مرة واحدة مذ أمره
الله سبحانه بالدعوة والتبليغ، فقد ظل مع أصحابه وأتباعه لا يفارقهم ولم يدع
الرعية للسامري بدون راع (9).
وهذا التحرك
لازم للجميع حتى لا تخرب المجتمعات، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سئل:
«أتوشك القرى أن تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها على أبرارها» (10).
فالتحرك القيادي
هو نوع من الولاية التي يقول عنها شيخ الإسلام ابن تيمية: «إنها من أعظم واجبات
الدين، بل لا قيام للدين إلا بها» (11)، فالقائم بها حريص على هداية الناس متمثلًا
قول زهير: «وددت أن جسدي قرض بالمقاريض، وأن هذا الخلق أطاعوا الله» (12).
نفسية متجردة
تفضل الله بها على الدعاة كما قال عبد القادر الجيلاني: «سبحان من ألقى في قلبي
نصح الخلق وجعله أكبر همي» (13). وهذه النوعية من المسلمين يتم اختيارها من مجامع
الخير، وليس في ذلك حرج، فمحمد بن عبد الله ابن عبد الحكم المالكي السعدي يستشيره
قوم في الحج أو الجلوس إلى السماع، فيشير على بعضهم بالحج، وعلى بعضهم بالجلوس،
فيسأله الذي أمره بالحج عن هذا التفريق، فيقول له: «رأيت عند أصحابك فهمًا ورأيتك
بخلافهم».
وهذا الأمر له
فرسان (14)، فالأمر الذي تقوم عليه العصبة صعب لا يعين عليه إلا الله، فقد فني
عليه الكبير وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي، حتى حسبوه
دينًا لا يرون الحق غيره (15)، فمهمتهم ليست في أن يقولوا للمخطئ إياك والخطأ،
ولكن مهارتهم أن يهيئوا للمخطئ مجتمعًا ويرسموا له طريقًا يعينه على الصلاح (16).
إذًا فالتكليف ثقيل والخطة شاقة، والثمن مرهق باهظ، ولكن لا بد من ذلك فالرسالة
أثقل، والمهمة أخطر والبضاعة أربح، والمنزلة سامية، ورضوان الله سبحانه أسمى وأكبر
(17)، فمن كان لغير نفسه كان أفضل فهذا إبراهيم بن سعيد الجوهري يقول: قلت لأبي
أسامة: أيهما أفضل؟ فضيل بن عياض أو أبو إسحاق الفزاري؟ فقال: «كان فضيل رجل نفسه،
وكان أبو إسحاق رجل عامة» (18). وهو الذي أفتى به الإمام أحمد، قيل له: الرجل يصوم
ويصلي ويعتكف، أحب إليك، أو يتكلم في أهل البدع؟ قال: «إذا قام وصلى واعتكف فإنما
هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين وهذا أفضل» (19). واصطاد لنا
ابن الجوزي من خاطره ما هو أوضح فقال: «وعلى الحقيقة الزهاد في مقام الخفافيش، قد
دفنوا أنفسهم بالعزلة عن نفع الناس، وهي حالة حسنة إذا لم تمنع من خير: من جماعة،
واتباع جنازة، وعيادة مريض، إلا إنها حالة الجبناء. فأما الشجعان فهم يتعلمون
ويعلمون، وهذه مقامات الأنبياء عليهم السلام» (20). وهؤلاء يتساوون مع غيرهم في
وقت النعم، فإذا نزل البلاء تباينوا (21)، وهم الذين يبحث عنهم عمر بن الخطاب رضي
الله عنه حين قال لجلسائه: «تمنوا»، فتمنى كل واحد أمنيته، فقال عمر بن الخطاب:
«ولكني أتمنى بيتًا مملوءًا رجالًا مثل أبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، إن سالمًا
كان شديدًا في ذات الله ولو لم يخف الله ما أطاعه» (22). نعم لا بد من الرجال، فمن
استعان بصغار رجاله على كبار أعماله ضيع العمل (23).
يتبع...
___________________________________
الهوامش:
1. الزهد للإمام أحمد بن حنبل (163).
2. الذيل على طبقات الحنابلة لأبي الفرج عبد
الرحمن بن شهاب الدين المعروف بابن رجب (1/145-146).
3. طبقات الشافعية الكبرى للإمام تاج الدين تقي
الدين الشبكي (5/91).
4. سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين محمد بن
أحمد بن عثمان الذهبي (8/268).
5. هذا الدين لسيد قطب بتصرف (59).
6. تهذيب تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر (30/61).
7. تهذيب تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر (3/62)
هدية الشيخ عبد القادر بدران.
8. سورة طه: 83-86.
9. تذكرة الدعاة للبهي الخولي ص 210.
10. الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن
القيم، تحقيق: عبد الله بن عالية (45).
11. السياسة الشرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية (77).
12. تهذيب التهذيب للحافظ أحمد بن علي بن حجر
العسقلاني (3/353).
13. الفتح الرباني والفيض الرحماني لعبد القادر
الجيلاني (14).
14. ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض
السبتي (3/68).
15. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لأبي العباس
شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان (3/134).
16. كيف ندعو الناس لعبد البديع صقر (111).
17. تذكرة الدعاة للخولي (173).
18. سير أعلام النبلاء (8/477).
19. مجموعة الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية -
جمع الشيخ عبد الرحمن بن محمد النجدي (28/231-232).
20. صيد الخاطر لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي
(224).
21. نفس المرجع (195).
22. تهذيب تاريخ دمشق عساكر (164).
23. رسائل الثعالبي لعبد الملك بن محمد الثعالبي
(85).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل