; أسعار النفط معركة خاسرة | مجلة المجتمع

العنوان أسعار النفط معركة خاسرة

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1986

مشاهدات 49

نشر في العدد 758

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 11-مارس-1986

مع أن منظمة أوبيك ظلت صامدة أمام تحديات الحفاظ على إنتاجها، وأسعار نفطها لمدة تقرب من ثلاث سنوات، إلا أنها ومع نهاية العام الماضي قررت أن تدخل معركة أسعار النفط، في محاولة لتلقين الدول المنتجة للنفط من خارج أوبيك درسًا قاسيًا خاصة بريطانيا والنرويج.

ومع أنه كان من المتوقع أن تبدأ الأسعار في الانخفاض في نهاية الربع الأول من العام الجاري، إلا أنها بدأت في وقت مبكر من هذا العام، وقد كانت بريطانيا والنرويج والمكسيك إلى حد ما صاحبة السبق في بدء مسلسل هبوط أسعار النفط، لحقت بها مجبرة معظم الدول المنتجة للنفط بحيث وصل متوسط سعر النفط إلى حوالي «۱۹» دولارًا في بداية فبراير، واستمرت المعركة التي تأججت بسبب لجوء أوبيك إلى زيادة إنتاجها، بحيث وصل السعر في الأسبوع الماضي إلى حوالي ١٥ دولارًا للبرميل .

هبوط غير متوقع

ومع الإعلان عن بيع نفط بحر الشمال من نوع «برنت» بمعدل ١٢٫٥٠ دولارًا في الصفقات الآجلة، وكذلك بلوغ سعر النفط الأمريكي «خام غرب تكساس» ۱۱٫۹۸ دولارًا في السوق الفورية، فإنه من المتوقع أن تهبط أسعار أوبيك إلى معدل ۱۲- ۱۳ دولارًا للبرميل الواحد. 

ومع أنه كان متوقعًا أن تستقر الأسعار عند ۱۸دولارًا، وهو الحد الذي هدد به وزير البترول السعودي أحمد زكي يماني في سبتمبر الماضي، على أساس أن أسعار نفط بحر الشمال لن تنخفض إلى ما دون التكلفة، إلا أنه تبين أن هذه التكلفة تبلغ حوالي «5-6» دولارات للبرميل من الحقول القديمة، و ۱۲- ۱۳ دولارًا للبرميل من أية حقول يتم استغلالها حديثًا. 

وثمة توقعات بأن الإنتاج في بحر الشمال سيستمر حتى لو وصلت أسعاره إلى سعر التكلفة، استنادًا إلى أن بريطانيا لن تتأثر كثيرًا من هذا الهبوط، فالإنتاج النفطي يسهم بـ ٦٪ فقط من الناتج القومي البريطاني، كما أن الجنيه الإسترليني شهد هبوطًا في الفترة الأخيرة، الأمر الذي يشجع الصادرات البريطانية مما ينعكس إيجابًا على معدل النمو الاقتصادي .

وبالنسبة للنرويج يبلغ إنتاجها النفطي ١٦% من الناتج القومي، ومن المؤكد أن تتضرر من هبوط أسعار النفط، لكنها مرتبطة إلى حد كبير بالموقف البريطاني الذي لا يزال متصلبًا في ضوء الاتصالات الأخيرة بين حكومة تاتشر والمملكة العربية السعودية، والتي لم تسفر عن أكثر من قبول مقايضة النفط بالسلاح .

لكن يا ترى، هل يستمر هبوط أسعار النفط؟ وإلى أي حد؟

الرابح الأكبر

ربما يكون من المفيد هنا التذكير بتهديد كيسنجر عام ۱۹۷۳ الخاص بإرغام «أوبيك» على خفض أسعار النفط لمعدل «۱۲» دولارًا للبرميل، وهو المعدل الذي قيل أنه يعادل تقريبًا كلفة مصادر الطاقة البديلة، ومن هنا يعتقد مراقبون نفطيون أن معركة الأسعار الأخيرة ربما ستستقر عند حوالي «١٥» دولارًا للبرميل، اعتقادًا منهم بأن هذا المعدل يشجع للبحث عن مصادر بديلة للطاقة، أو تطوير ما هو موجود منها، وفي نفس الوقت يخفف من كلفة واردات النفط على الدول المستهلكة. 

ونضيف إلى ذلك أن هذا المعدل الذي تواكب مع انخفاض قيمة الدولار الذي اتخذت الدول الرأسمالية الخمس الكبرى قرارًا به في شهر سبتمبر الماضي، وهي أمريكا واليابان وألمانيا الغربية وفرنسا وبريطانيا، مع بقاء معدلات الفائدة على القروض بالدولار على ما هي عليه، ستؤدي هذه العوامل كلها إلى جعل هذه الدول الرابح الأكبر من معركة الأسعار. 

من جهة أخرى فإن دولة كالمكسيك ستتضرر كثيرًا من هبوط أسعار النفط؛ لأن عليها ديونًا تبلغ حوالي «۱۰۰» مليار دولار! وهذا ما سيجعلها ميالة إلى التعاون مع أوبيك لوضع حد لتدهور الأسعار، ثم أن الاتحاد السوفييتي الذي تقدر خسارته بحوالي «۷» مليارات دولار- بسبب انخفاض أسعار صادراته النفطية- سيكون مستعدًا للتعاون مع أوبيك، ولعل زيارة وزير النفط الكويتي الشيخ علي الخليفة في الشهر الماضي لموسكو والتوقيع على برتوكول للتعاون النفطي يأتي في هذا السياق.

ومع أن دور الدول المنتجة للنفط خارج أوبيك يعتبر حاسمًا في وضع حد لفوضى أسعار النفط، إذا هي تعاونت مع أوبيك عن طريق خفض إنتاجها، والتراجع عن خفض أسعارها، وهو أمر مشكوك فيه، فإن الواجب يحتم على أوبيك أولًا أن تتضافر معًا لوضع حد لتدهور أسعار النفط، وثانيًا لأخذ زمام المبادرة في سوق النفط العالمية كما كانت خلال عقد السبعينيات .

فهل أوبيك قادرة على ذلك وراغبة في نفس الوقت؟

دور أوبيك هو الحاسم

من المماحكة عدم الاعتراف بأن قصر نظر سياسات دول الأوبيك في مجال الأسعار والإنتاج والاستثمار وإنفاق عوائد النفط، كان لها سبب مباشر فيما آل إليه سوق النفط في الوقت الحاضر، لكن يمكن القول أن أوبيك إن هي استشعرت بالإضافة لذلك أنها الخاسر الأكبر في المعركة الأخيرة، فإنها لا بد أن تتوصل لسياسة موحدة ومحكمة لوضع حد لتدهور أسعار النفط، وتراجع مداخيلها النفطية إلى الحد الذي قد يكون له آثار سياسية، إلى جانب الآثار الاقتصادية .

إن دولة كنيجيريا سيصبح دخلها هذا العام من النفط حوالي «6» مليارات دولار فيما يترتب عليها سداد ديون قدرها «٥» مليارات دولار! 

ودولة كعمان وهي من خارج أوبيك التي تنتج «٥٠٠» مليون برميل اضطرت لخفض عملتها بمقدار 10.2% ونفقاتها العامة بنسبة ١٠% وأعادت النظر في خطتها الخمسية، وخفضت من بنودها كثيرًا وخاصة ميزانية الدفاع .

وبالنسبة للكويت اتخذت الحكومة قرارًا بخفض ما تبقى من الميزانية الجارية بنسبة 12%.

وعلى العموم فإن دول أوبيك، وفي غضون ثلاثة أسابيع فقدت ما نسبته من «٤٠» إلى «٥٠» بالمائة من عائداتها النفطية .

ومع أن الدول النامية المستوردة للنفط تستفيد من خفض أسعار النفط؛ لأنه يقلل من قيمة فاتورتها النفطية، إلا أن هذه الدول- وخاصة العربية منها- ستتأثر من جانب آخر بقلة تحويلات مواطنيها العاملين في دول النفط، لأن هذه الدول- كدول الخليج- قد قررت خفض ميزانياتها، وبعضها وضع خطة للاستغناء عن أعداد محددة من العمالة الوافدة خلال السنوات القليلة القادمة .

ونحن إذ نعول على أوبيك، فلا نفعل ذلك لأننا نهمل عوامل موضوعية كزيادة الإنتاج في الدول غير الأعضاء في أوبيك، وعامل الحرب العراقية- الإيرانية بشكل خاص، إلا أننا نشير إلى ما تستطيع أن تفعله أوبيك لو أرادت، وهو أمر سيكون له أثر مباشر في استقرار سوق النفط وسيادة العقلانية والمصالح المتبادلة. 

ومرة أخرى نسأل: هل أوبيك قادرة على اتخاذ موقف موحد؟

خلافات

الصورة حتى الآن أن دول الخليج تحاول التنسيق فيما بينها، ومن المقرر أن يكون قد اجتمع وزراء نفطها في مؤتمر طارىء يوم السبت الماضي، ودول شمال أفريقيا مع إيران تحاول التنسيق فيما بينها، لكن باتجاه يعاكس اتجاه دول الخليج، وفنزويلا تقود اتجاهًا آخر. 

وتتلخص الآراء المعلنة لدول أوبيك ما بين عدم التدخل في السوق وترك الأمور تأخذ مجراها كموقف المملكة العربية السعودية وفنزويلا، وخفض الإنتاج لامتصاص التخمة في السوق، وبالتالي الحفاظ على الأسعار السابقة للنفط كموقف إيران، والتعاون بين أوبيك وغيرها من المنتجين لإعادة الاستقرار للسوق كموقف الكويت .

ومالم تتوحد مواقف دول أوبيك في اجتماعهم الوزاري في «١٦» من الشهر الجاري، فإن أحدًا لا يمكنه التكهن بالمدى الذي ستصله أسعار النفط، لكنه بكل تأكيد سيكون سيئًا للغاية، وستكون آثار ذلك سيئة على أوبيك والدول النامية، وحتى على الدول الصناعية في المدى البعيد.

الرابط المختصر :