العنوان المجتمع الثقافي (1326)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1998
مشاهدات 61
نشر في العدد 1326
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 17-نوفمبر-1998
أسلوب جديد للتعامل مع أفلام هوليود في أمريكا: «كير» تدعو مشاهدي فيلم «الحصار» لزيارة المساجد والتعرف على حقيقة الإسلام
واشنطن: المجتمع
دعا مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية «كير» المسلمين والعرب في الولايات المتحدة إلى الاستعداد للتعامل مع فيلم «الحصار»- الذي يبدأ عرضه في دور السينما الأمريكية بداية الشهر القادم- بأسلوب عقلاني هادئ، وذلك بدلًا من رد الفعل الانفعالي المعتاد، الذي يكتفي بمجرد الرفض، في مواجهة الأفلام التي تشوه- عن عمد أو جهل- الإسلام والمسلمين.
فقد أعلن الأستاذ نهاد عوض- المدير التنفيذي للمجلس- في مؤتمر صحفي عن مبادرة اقترحتها «كير» تحث فيها المسلمين والعرب في الولايات المتحدة على دعوة مشاهدي الفيلم إلى زيارة المساجد والمراكز الإسلامية للتعرف عن قرب على حقيقة الإسلام والمسلمين.
ولضمان نجاح هذه التجربة غير المسبوقة أنشأت «كير» خطًا تليفونيًا مجانيًا «1-800-78-Islam» ورغم التكلفة المادية المرتفعة لتشغيل هذا الخط إلا أن المسؤولين في «كير» لم يترددوا في اتخاذ هذا القرار، لخدمة غير المسلمين الراغبين في الحصول على معلومات عن الإسلام أو معرفة أي المساجد أقرب إلى محال إقامتهم.
كذلك أرسلت «كير» للمساجد والمراكز الإسلامية في جميع أنحاء الولايات المتحدة مذكرة شاملة تشرح فيها الإجراءات المطلوبة لنجاح الحملة، ومنها حشد المتطوعين، وتوفير الكتب والمطبوعات التي تخاطب غير المسلمين والاتصال بالمؤسسات الإعلامية والمحلية والمسؤولين المحليين، ودعوتهم لزيارة المساجد أو المراكز الإسلامية.
عرض زمني لعلاقة «كير» بالموضوع
كانت علاقة «كير» بالموضوع قد بدأت في وقت مبكر من هذا العام عندما اتصل بمكتبها الرئيس في العاصمة الأمريكية واشنطن بعض المسلمين المقيمين في نيويورك للإبلاغ عن فيلم يجري تصوير أحداثه في المدينة باستخدام رموز وشعائر إسلامية، وأضاف هؤلاء أن الطريقة التي تستخدم بها هذه الرموز توحي بأن الفيلم يتبنى موقفًا معاديًا للإسلام والمسلمين العرب.
بمجرد تلقي «كير» لهذه المعلومات بادر المسؤولون بها بالاتصال بالشركة المنتجة للفيلم، وطلبوا نسخة من السيناريو لمراجعتها، كنوع من التعاون الذي يضمن للمسلمين عدم تشويه صورتهم، ويضمن للشركة فرصة تقديم عمل فني متوازن غير متحيز، وبخاصة أن مثل هذه العلاقة تجري حاليًا بين «كير» وشركة «تريم ووركس للإنتاج السينمائي»، وذلك للتشاور حول مضمون فيلمها الجديد «أمير مصر» الذي يتناول قصة خروج النبي موسى وأتباعه من مصر، كما وردت بالتوراة، أو ما يعرف بكتاب العهد القديم.
وفي أبريل الماضي التقى فريق من «كير» مخرج ومنتج الفيلم في نيويورك- إدوارد زويك وليندا أويست- وقدموا لهما تحليلًا شاملًا للسيناريو، وقد اقترحت «كير» في هذا التحليل عددًا من التعديلات التي يمكن أن تضفي على الفيلم قدرًا ما من المعقولية والموضوعية، وقد قبل منتج الفيلم ومخرجه بعض المقترحات الجزئية وإن رفضا- في الوقت نفسه- بتعديل البناء العام للفيلم.
وفي أغسطس الماضي عقدت «كير» مؤتمرًا صحفيًا، شارك فيه عدد من ممثلي المنظمات العربية والإسلامية خارج مقر ستوديوهات شركة «فوكس» في «لوس أنجيلوس» للإعراب عن قلق المسلمين تجاه الدعاية السينمائية التي تعرض مظاهر الصلاة مع مشاهد تفجير حافلة، وقد استجابت الشركة المنتجة وحذفت هذه المشاهد من الدعاية، لكنها أبقتها في الفيلم.
ويقول إسماعيل بهاء الدين- مدير الإنتاج الإعلامي في «كير»- إن هذا المؤتمر قد حظي بتغطية إعلامية واسعة النطاق من وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية، وقد أنتجت «كير» عن الحملة فيلمًا تسجيليًا مدة عرضه أربع دقائق.
وفي السادس من أكتوبر ۱۹۹۸م، نظمت «كير» وفدًا ضم عدد ثمانية من ممثلي المنظمات العربية والإسلامية الأمريكية، وذلك لحضور عرض خاص للفيلم، في مقر الشركة المنتجة- فوكس- في لوس أنجيلوس.
وفي الرابع عشر من أكتوبر، نظمت «كير» عرضًا آخر لمسؤولي المنظمات العربية والإسلامية في واشنطن.
تدور أحداث فيلم «الحصار» في بروكلين، أحد أحياء نيويورك، وتتضمن سلسلة من التفجيرات، التي يقوم بها «إرهابيون مسلمون» ضد الأبرياء من سكان المدينة، وذلك ردًا على قيام الولايات المتحدة باختطاف شيخهم من إحدى الدول العربية، تبدأ سلسلة الأعمال الإرهابية بتفجير حافلة ركاب، ثم نسف مبنى فيدرالي، ليلقى ستمائة شخص مصرعهم تحت أنقاض ذلك المبنى، مما يجبر الجيش الفيدرالي الأمريكي على التدخل، وفرض الأحكام العرفية، وإجراء حملة اعتقالات جماعية واسعة النطاق، تشمل العرب والمسلمين الأمريكيين، وهو ما يذكرنا بتجربة واقعية مرة تعرض لها اليابانيون الأمريكيون خلال الحرب العالمية الثانية.
يقول عمر أحمد- رئيس مجلس إدارة «كير»: إن الانطباع العام الذي يخرج به المشاهد بعد انتهاء العرض، هو أن الفيلم، إنما يسهم في تأكيد الصورة النمطية المشوهة لكل من المسلمين والعرب في الولايات المتحدة، وبخاصة أنه يربط ربطًا مباشرًا بين الإرهاب- كسلوك فردي مرفوض- وعدد من الشعائر الإسلامية التي يمارسها المسلمون جميعًا مثل الوضوء، ورفع الآذان، وأداء الصلوات وترتيل القرآن والدعاء، بالإضافة إلى ارتداء الزي الإسلامي، وإطلاق اللحية، ولم يسلم من ذلك اللون الأخضر الذي يرمز أحيانًا للإسلام- فجاء مرتبطًا بالإرهاب.
حتى الجزء الذي أراد منه صانعو الفيلم الاعتراض على ممارسات السلطات العسكرية التعسفية ضد المسلمين والعرب جاء في صورة اعتراض على قسوة رد الفعل أي جاء اعتراضًا على أسلوب أو شكل التعامل مع المسلمين والعرب، وليس اعتراضًا على الصورة النمطية المشوهة التي انطلق منها العسكريون في تعاملهم مع أبناء الجاليتين المسلمة والعربية، وهي الصورة التي لم يحاول الفيلم التصدي لها.
إيجابيات الفيلم:
- تُبرز بعض المشاهد والجمل الحوارية ما يتعرض له المسلمون والعرب في أمريكا من تمييز.
- تبرز بعض المشاهد والجمل الحوارية الأخرى ممارسات القوات الفيدرالية ضد المسلمين والعرب وتصفها بأنها غير دستورية، وبخاصة عندما تصل إلى حد قتل أحد المعتقلين المسلمين عمدًا.
- يصور أحد المشاهد بيانًا لواحد من زعماء الجالية يعلن فيه تأييد الجالية لأعمال مناهضة الإرهاب.
سلبيات الفيلم:
- يشكك الفيلم صراحة قطاعات عريضة من أبناء الجالية المسلمة والعربية من أساتذة الجامعة ورجال الأعمال والحرفيين وحتى الطلاب، سواء منهم من يحملون الجنسية الأمريكية أو من يقيمون إقامة مؤقتة.
- أوغل الفيلم في تشويه صورة المسلم فلم يربط بينه وبين الإرهاب فقط، بل قدمه في صورة من يتعاطى المخدرات والمسكرات، وهو ما يتناقض مع التزام هؤلاء الديني الذي يحرص الفيلم على إبرازه.
- يظهر الفيلم المسلمين في صورة من لا يقيمون وزنًا لحياة البشر، حتى أنهم لا يتورعون عن قتل الضعفاء من الناس من الأطفال وكبار السن.
- يتبنى الفيلم الصورة النمطية المشوهة لموقف الإسلام من المرأة من خلال نظرة دونية من الرجال إليها، تصل إلى حد حرمانها من حق التحدث عن القرآن، كما جاء على لسان أحد شخصيات الفيلم.
- حتى الشخصية التي حاول صانعو الفيلم أن يقدموا من خلالها صورة إيجابية للمسلم الأمريكي ذي الأصل العربي جاءت متناقضة مع الهدف الذي أريد منها، فالاسم الذي اختاره صانعو الفيلم لهذه الشخصية- فرانك حداد- يعطي انطباعًا واضحًا بأنه غير مسلم، والمنطقة التي جاء منها- جبل الشوف في لبنان- لا يسكنها مسلمون، كما أنه قدم في صورة من يتعاطى الخمور، ويقبل امرأة أجنبية عنه، ويسب بألفاظ جارحة، يخلو منها قاموس الفرد المسلم، بالإضافة إلى أنه لا يتورع عن مخالفة القانون واستخدام الرشوة تحقيقًا لأغراض شخصية.
- وفي النهاية فإن الفيلم يأتي محملًا بهدف سياسي، وإن بدا غير مباشر، فوجهة نظر صانعيه تلتقي مع مصالح إسرائيل، ورؤيتها للقضية الفلسطينية، حيث يعمل الفيلم على إضفاء صفات مثل عدم الشرعية والإرهاب على مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال الإسرائيلي.
الحملة الإعلامية التعليمية
وحتى يأخذ المسلمون والعرب زمام المبادرة بأيديهم، وحتى يأتي رد فعلهم في صورة فعل إيجابي متحضر- جاءت فكرة بدء حملة توعية إعلامية شاملة لغير المسلمين على المستوى القومي، وذلك من خلال فتح أبواب المساجد والمراكز الإسلامية أمامهم اعتبارًا من السابع من نوفمبر الحالي- توقيت بدء عرض الفيلم- ليتعرف غير المسلمين على المسلم الحقيقي- لا مسلم هوليود- وهو يحيا تفاصيل حياته اليومية، وهو يمارس شعائر دينه، وهو يتفاعل مع قضايا مجتمعه.
وكما يقول نهاد عوض المدير التنفيذي لكير فإن المسلمين في أمريكا وإن كانوا لا يملكون ملايين هوليود ولا إمكاناتها الفنية المباشرة الهائلة ذات السطوة والسلطان، فإنهم يملكون الحقيقة، التي يأملون أن تصل إلى الناس واضحة جلية من خلال اللقاء المباشر داخل المساجد التي تنتشر بطول البلاد وعرضها والبالغ عددها حوالي١٥٠٠ مسجد.
واحة الشعر
سقوط النظام العالمي
شعر: شريف قاسم
الناسُ بينَ القهرِ والحرمانِ وطعامُهم من يابسِ السعْدانِ
وإذا هموا ظمئوا فإن شرابهم من علقم اللأواءِ والاحـزانِ
بحضارة حملتْ أذاها فاغرًا في وجه حُب الأمنِ للإنسانِ
وانقض كالئها الذميم معربدًا عَدْوًا أتى من غابة الذوبان
مستكبرًا عطفاه في جبروته بالبغي تهتزان والطغيان
متفلتًا من السجايا واعتلى صهوات ما لتمرد البهتان
أو هكذا ترعى الحقوق؟! وهكذا يُرجى لعالمنا ظلال أمان؟!
خابت أماني الناس إذ حَصَبَ الشقا ما يبتغون اليوم من تحنان
فعلى المغاني تدلهم نوائب كادت تدك رواسي الأركان
أكل القوي لحوم أقوام هوت أجسادهم من وطأة الأشجان
ويد الخطوب تعيث في رحب المدى وتثير نار الشر في البلدان
ويقول- من ريب الحديث- سفهيهم زورًا عليه حضارة الشيطان
سقط النظام العالمي بشر ما صنعت يداه وباء بالخسران
وهوت شعارات التقدم وانطوى خيلاء ما في زخرف العنوان
قد أفلس الباغي وأفلس فكره وأتت عليه عواصف الحدثانِ
وتمرغ الوجه القبيح بشقوة لطمته بين العار والخذلان
هي لعبة الأمم القوية غرها ما عندها من قوة السلطان
فيها اشمخرت لا بحقِّ كفه مُدّت بخير الراحم الرحمن
وسباقها المحموم أعمى وجهة فمضت بلا نور ولا وجدان
بئست حضارتهم وبئس نظامها لفظته دنيانا بكل مكان
أو لم تر اللعنات تصعد للسما لتصب نقمتها على الصلبان
وهم اليهود.. نساؤهم.. أموالهم في الشرق أو في الغرب يلتقيان
ربحت تجارتهم وهذي كرة مشحونة بالغدر والعدوان
صنعوه براقًا كثوب بغية وحبتْهُ كف الفن بالإتقان
لكنه سرعان ما افتضحت به دعواهمو في البر والإحسان!!
يكفي النظام العالمي دناءة شكوى سراييفو من العبدان
يكفيه عارًا أن يخطط مرةً أخرى لكوسوفا بفعل جبان
يكفيه أن زرع الأذى في قدسنا يكفيه ما ألقى على السودان
يكفيه أن الله أخذ أهله أخذ العزيز القاهر الديان
فلقد هوت نظم وعاث بأهلها ناب لها صنعته بالكفرانِ
لن تصلح الدنيا بغير شريعة قدسية الأحكام والميزان
من مكة الإسلام أشرق نوره بالعـدل والآلاء والإيمان
وبنهجه الأعلى تسود أخوة في العالمين بهية الأردان
لا تسعد الدنيا وإن طال المدى إلا بحكم منزل القرآن
معرض عن «القدس والأسرى» يعيد ذكريات الانتفاضة
الضفة الغربية: قدس برس
استعاد المواطنون الفلسطينيون الزائرون لمعرض «القدس والأسرى» الذي تنظمه الحركة الإسلامية في مدينة جنين شمال الضفة الغربية أجواء الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت عام ۱۹۸۷م، وتجسدت أشكال معاناة الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال الإسرائيلي في إحدى زوايا المعرض التي أطلق عليها «شارع الانتفاضة»، إذ يستشعر المتجول فيه أنه يعيش الأجواء الفعلية للانتفاضة من خلال المشاهد التي اشتملها ذلك الركن من إطارات مشتعلة، ومتاريس، وحواجز حجرية توزعت فيه بطريقة فيها إيحاء ناطق.
وفي أحد أطرافه مجسم لحافلة إسرائيلية متفجرة يعيد إلى الذاكرة العمليات الاستشهادية التي نفذها المقاومون الفلسطينيون، والتي أوقعت عشرات القتلى والجرحى من الإسرائيليين، كما عرض في ركن آخر معدات المقاومة التي يستخدمها نشطاء الانتفاضة التي تتنوع بين الحجر، والسكين، والمسدس، والسيارات المفخخة.
وأبرز جانب آخر من المعرض معالم المعاناة اليومية للشعب الفلسطيني المتمثلة في حالات الاعتقال، والضرب والتعرض لإطلاق النار، والاستشهاد وهدم المنازل، إلى جانب جناح خاص بأعمال المعتقلين الفلسطينيين، كان أبرزها مجسمات لسفينة العودة وقبة الصخرة، وخارطة فلسطين ورسومات أخرى عديدة.
ويفاجأ الزائر للمعرض بمجسم كبير لسجن إسرائيلي يشتمل على ساحة يقبع فيها ٣ معتقلين يتعرضون لأشكال متنوعة من التعذيب أحدهم مقيد على كرسي، والآخر على رقبته حبل غليظ والثالث يجثو على ركبتيه، ويداه مقيدتان من الخلف، ورابع في زنزانة ضيقة جدًا، وبجوار هذا الركن يشاهد الزائر مجسمًا لسجن آخر هو «أنصار 3» في النقب، يقابله مجسم لسجن «مجدو» الذي تحيط به الأسلاك الشائكة، والأضواء الكاشفة.
واشتمل المعرض على ركن أطلق عليه «غرفة الشهداء» أضيء بها ٣٥ شمعة أعادت إلى الأذهان قصص استشهاد ٣٥ فلسطينيًا أبرزهم المهندس يحيى عياش واحتضنت الغرفة صورهم التي أخذت لهم عقب لحظات من استشهادهم.
وأقيم في نهاية «شارع الانتفاضة» نصب تذكاري لشهداء حركات المقاومة الفلسطينية الذين سقطوا خلال احتجازهم خلف القضبان أو أثناء التحقيق معهم.
وفي جناح القدس ظهر مجسم كبير للنفق الذي اكتشف أسفل المسجد الأقصى، وحفره متطرفون يهود، وقد احتوى هذا القسم على صور أعمال الحفر المتواصلة التي تهدد أساسات المسجد بالإضافة إلى صور المواجهات التي أعقبت الإعلان عن اكتشافه، وبخاصة الأحداث التي دارت في «مقام يوسف».
استقطبت فاعليات المعرض آلاف الزائرين الفلسطينيين، إلى جانب طواقم صحفية محلية وعالمية.
العمق النفسي للمجتمع اليهودي
شهدت قبل سنوات على الشاشة الصغيرة جنازة «جولدشتاين» ذلك الطبيب الصهيوني المتعصب... الذي قاد مذبحة المسجد الإبراهيمي بالخليل، وكان يشيع الجنازة حشد كبير من المتطرفين كانت وجوههم متشنجة، ويتحدثون بعصبية ظاهرة، وتبدو مشاعر البغضاء والعداوة على قسمات وجوههم والتوتر واضح في حركات أيديهم، وحتى لباسهم ينم عن نفوس مريضة، وهم يبكون ويصرخون ويتوعدون وكأن المسلمين هم الذين قتلوا جولد شتاين وليس العكس.
وكل من يتابع ردود أفعال القطاعات المختلفة في المجتمع الإسرائيلي وقتها، يلمح بسهولة أنهم جميعًا اتفقوا على أن «جولدشتاين» قام بعمل بطولي، وفي هذا دلالة بالغة على العمق النفسي لهذا المجتمع شديد التطرف والتعصب.
وهناك لمحة أخرى شديدة الدلالة على التركيبة النفسية للمجتمع اليهودي، وهي أن «جولد شتاين» هذا طبيب، والمعروف أن فئة الأطباء في أي مجتمع أقل فئة يمكن أن تجد فيها تعصبًا أو عدوانية، لأن اختيار المهنة نفسه يدل- في الأغلب- على أن من يختارها يحمل قلبًا رحيمًا، ويميل إلى المساعدة أكثر من ميله إلى المواجهة أو العنف، ثم عند ممارسته لمهنته فهو أبعد الناس عن العنصرية، لأنه يعالج أي مريض مهما كانت هويته، فهو يتعامل معه كإنسان يحتاج المساعدة بصرف النظر عن أي اعتبارات سياسية أو عرقية أو اجتماعية، ومع كل هذه الاعتبارات نجد أن «جولدشتاين» الطبيب اليهودي يقبل على هذه الجريمة البشعة بإصرار شديد ووعي كامل، بدليل أنه غير خزينة بندقيته مرتين حسب رواية شهود العيان، والرجل ليس مجنونًا كما يدعون، فالمجنون لا يستطيع أن يقوم بعمل شديد التنظيم والتعقيد والتخطيط كهذا، وإنما المعهود في جرائم المجانين أنها تكون ردود أفعال عشوائية يفعلها الشخص وهو مرتبك ومضطرب، أما «جولدشتاين» فقد فعل جريمته بتخطيط وتنظيم.
إذا كانت فئة الأطباء في المجتمع الإسرائيلي على هذا القدر من التعصب والقسوة فما بالك ببقية فئات هذا المجتمع.
اللا شعور الإسرائيلي
ولو سلمنا جدلًا بأن الرجل مجنون، فإن الجريمة التي أقدم عليها في لحظة جنونه، تدل على الاتجاهات والنوايا الكامنة في المجتمع الذي يعيش فيه، فهو يعبر عن جوهر المجتمع الإسرائيلي، بلا زيف أو خداع، وفي هذا- على زعم صحته- دلالة على أن بداخل كل إسرائيلي رغبة تدميرية للمسلمين حتى في قمة مسالمتهم أثناء السجود.
ولقد شاءت الأقدار أن يأتي هذا الحدث بعد نحو شهر من مؤتمر علمي عقد بدار الإفتاء بالقاهرة تحت عنوان: «حل الصراع»، ولقد كان الاتجاه العام هو أن المؤتمر يناقش قضية علمية نفسية واجتماعية وهي كيفية حل الصراعات النفسية والاجتماعية بالطرق الصحية التي تحفظ للمجتمع تماسكه، وكانت قيمة هذا الموضوع تدرك من خلال ما تتعرض له المجتمعات العربية والإسلامية من صراعات وفرقة وتمزق، ولكن فوجئ الجميع بحضور مكثف لليهود في هذا المؤتمر على المنصة وفي قاعات الاجتماع، وسعيهم لتحويل المؤتمر كخدمة أهدافهم السياسية، فقد كانوا يطالبون العرب والمسلمين بنسيان الصراعات مع اليهود وتقبلهم والتعايش معهم في سلام على أرض فلسطين وفي أي مكان.
وإبان هذا المؤتمر انطلقت أقلام العلمانيين العرب- وكأنهم كانوا على موعد- لتبشر بعهد جديد من المحبة والتآخي والتعاون مع الإسرائيليين، وأن ننسى ما فات ونبدأ صفحة جديدة، وأن نتخلص من عقدنا النفسية «نحن العرب»، ونفكر بعقول مفتوحة تناسب النظام العالمي الجديد وللأسف صدق الكثيرون من السذج ذلك الوهم حتى صفعهم «جولدشتاين» الطبيب اليهودي المجرم، ولست أدري ما عساهم يقولون حين يفيقون من الصفعة الإسرائيلية الأخوية الشرق أوسطية الجنونية.
دكتور محمد المهدي
قصة قصيرة
وحدها تواجه التيار
بقلم: عبد الرحمن فرحانة
«بطلة هذه القصة- هناء أبو هيكل... امرأة فلسطينية مسلمة تسكن في بيت بتل الرميدة بمدينة الخليل بجوار مستوطنة يهودية، وقد عرض عليها المليونير اليهودي المعروف موسكوفيتش حقيقة مبلغ «20» مليون دولار أمريكي مقابل أن تتنازل عن بيتها لكي يضم للمستوطنة، فكان جوابها الباسل: «الموت أهون علي من أن أترك بيتي» نقلًا عن وكالة قدس برس.
فوق تل الرميدة.. في مدينة خليل الرحمن، يقبع بيتها بجدرانه العتيقة المكسوة ببقع متناثرة من الطحالب الخضراء.. وتلتصق أساساته القديمة بأحشاء الأرض وبتربتها البنية المائلة نحو الحمرة منذ زمن طويل وهناء أبو هيكل تعيش بين الجدران العتيقة لهذا البيت المتآكل.. إنه وطنها الصغير.. وتلتصق به أكثر وأكثر عندما تتذكر أن قدمي خليل الرحمن نبي الله إبراهيم قد داست حبات التراب هنا، كل ثقافتها الجغرافية مختزلة في المسافة ما بين جدران بيتها الحجري وكرم العنب القديم، وبين البئر وحاكورة الزيتون التي تحوي بعض زيتونات رومية مسودة الجذوع من أثر الزمن.
حتى قاموسها في عالم الألوان محصور في ثلاثة ألوان: الأزرق وتعرفه لأنه لون السماء والبني المحمر تعلمته من لون تربة الأرض أما الأخضر فإنها تحبه لأنه لون عيني جدها ولون أوراق الزيتون والعنب.. هذه ألوانها فقط.
تعرف نفسها هنا فوق هذه التلة منذ أن كانت هنا.. لا تعترف بزمن ولا بسبب لأنها تكره فلسفة الأشياء، لكنها تعرف شيئًا مركوزًا في ذاكرتها، ومحفورًا كالنقش القديم في وجدانها.. وتتذكر أن جدها بني هذا البيت حجرًا حجرًا كما قال أبوها.. اقتلعها ونحتها من صخور هذه الأرض وهي ما زالت تحتفظ بفأسه القديم في مخزن البيت.. وجدها هو الذي زرع حاكورة الزيتون وحفر البئر القديم.. وهو الذي مهد الطريق للسير.. وهو الذي قاتل الإنجليز حتى آخر رصاصة في بارودته العتيقة، وقبره ثاو هناك بسكينة بمحاذاة سرب السرور في الكرم القديم.
كل يوم تقف هناء على شرفة البيت وتنظر إليهم، تنتقل نظراتها بين جدران بيتها العتيق وبين أسقف القرميد الحمراء الزاهية في المستوطنة المجاورة، تتساءل في أعماقها ما الفرق بين لون الطحالب الخضراء التي تنبت على جدران بيتها، وبين لون القرميد الأحمر فوق أسقف منازل هؤلاء القطعان المجلوبة من المستوطنين، هل هو الفرق بين لون الحياة ولون الموت أم لعله الفرق الشاسع بين لون الدم ولون الخضرة، ويظل السؤال... سؤالًا معلقًا دون إجابة شفوية، لكن هناء ترى الإجابة يوميًا وبصورة فظة في السلوك العدائي لعلوج المستوطنين وهم يضربون أبناءها حتى تسيل دماؤهم... وتسمع صوت الإجابة أيضًا في ارتطام الحجارة التي يلقونها على نوافذ بيتها لتتركها مهشمة وتشم رائحة الإجابة في رائحة البارود المنبعث من طلقات الحاخام الذي خرق خزان المياه لبيتها ببندقيته.
لكن هناء تقول لهم دومًا عندما يداهمون بيتها: أريدكم أن تفهموا شيئًا واحدًا.. أنا والزيتونة وجدران هذا البيت أشياء وجدنا لنبقى هنا، ثابتون لا يحركنا الزمن مثل الشمس والقمر ومثل الأرض نفسها، لكنني أفترق عن بقية هذه الأشياء، لأنني أفهم أن الوحي المنزل يقول إن هذه الأرض لي.. وستعود كلها لأحفادي.. وأنتم راحلون عاجلًا أم أجلًا.. وما أنتم إلا عابرون.. وسينبش أحفادي قبوركم.. وسيلهون بعظامكم كالإغريق والرومان.. وإذا لم تصدقوا فاسألوا أسوار عكا وأبراج سور القدس.. فستقول لكم كل شيء.
رقدت هناء مع أبنائها بهدوء لذيذ.. لكن رصاصات المستوطنين مزقت أستار الصمت في هدأة الليل واقترب علوج اليهود من نوافذ البيت.. وهم يصرخون بأصوات رهيبة.. ضمت طفلها الصغير إلى صدرها العامر بالصمود والإيمان... دعت ربها بحرقة أن يبتعدوا عن البيت فعادوا عبر الأسلاك الشائكة للمستوطنة.
ومع إشراقة الشمس، جاء حاخامهم متأبطًا رشاشه كالعادة، ولكن برفقته هذه المرة المليونير موسكوفيتش.. تقدموا نحو بوابة البيت.. نادوا بأعلى صوتهم.. خرجت هناء وصاحت بهم وهي تشد على كل حرف من كلماتها وعيناها الحادتان تتألقان كأنهما شرفتان قبالة الشمس ماذا تريدون؟
تقدم الحاخام قليلًا وقال: مرحبًا.
-لا مرحبًا بكم.. وشاهت وجوهكم.
أطرق الحاخام ثم اتجه للمليونير بنظرة ذات معنى ثم قال:
- هذه المرة جئناك لا لكي نتقاتل بالكلمات.. ونتشاتم.. إنما جئناك لأمر آخر.
استجاب المليونير موسكوفيتش لنظرة الحاخام وحدق النظر بهناء وانفرجت شفتاه عن ابتسامة ممزوجة بألوان من الخبث والإغراء والعطف المريض:
- جئت لأعرض عليك صفقة تريحك من العذاب الذي تلاقينه بسبب مجاورة المستوطنة، اسمعيني جيدًا.. سأدفع لك (20) مليون دولار أمريكي، ثمنًا لهذا البيت الصغير مقابل أن تتنازلي عنه لكي نضمه لأرض المستوطنة.
لم تمهله ليكمل زخرفة كلماته ويزين صفقته الخائبة وانفجرت قائلة: أنا لا أقبل زيد الحياة.. «الموت أهون علي من أن أخرج من بيتي».. عودوا من حيث جئتم ولتعلموا أن جذر هذا البيت أعمق في الأرض من مستوطنتكم كلها، والطحالب الثابتة على بعض حجارته أثمن عندي من دولاراتكم النجسة.. ولا تظنوا إن خذلني الأنصار شرقي النهر بأن توراتكم ستنتصر على قرآني.. وإذا نسيتم فتذكروا نخيل خيبر!!
فجرت كلماتها في وجوههم كالقنابل المحرقة، واستدارت لتدخل البيت ولتقفل الباب في وجوههم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل