العنوان تأملات تاريخية- أصحاب العقول المستريحة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1981
مشاهدات 75
نشر في العدد 553
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 22-ديسمبر-1981
أحمد بن حنبل رجل مشهور بالمعارضة في عصره، بل في كل العصور الإسلامية، إنه مشهور كرمز لانتصار المعارضة على السلطة، وانتصار الفكرة على الشهوة، والرأي على الرغبة، والروح على المادة.
قضية أحمد بن حنبل رضي الله عنه هي معارضة مرسوم أصدره خليفة عصره «المأمون»، وكان هذا المرسوم غاية في التعسف، إذ إنه يفرض فلسفة ما على ضمائر الأمة وعقيدتها، ويحكم باطن الناس بقوة الحديد، ولم تكتف السلطة بإصدار هذا المرسوم فحسب، بل جندت حملة إعلامية ينفذها الكهنوت الرسمي في الدولة، وامتحنت الجماهير لتفرز المعارضة.
ولأن السلطات القمعية والتعسفية لا تقبل الحوار، ولا ترضى بالمعارضة، ولا تتصور أن كلمتها تنزل الأرض، لأن هذه هي نفسية السلطات القمعية، لجأت إلى الإجراءات الانتقامية من المعارضة.
لقد سيقت المعارضة بزعامة أحمد بن حنبل إلى المعتقلات والسجون، ترسف بالسلاسل والقيود، محشورة بالسجون الانفرادية، وفتحت غرف التعذيب وجندت وحوشًا بشرية تتشهى بإسالة الدماء، وتتلذذ بصنع الجروح والقروح، وتأنس لضربات السياط وتأوهات بني آدم.
كما رافقتها حرب نفسية مدعمة بأصحاب العقول المستريحة، أداة إبليس في التلبيس على الناس، وصانعي الموازين الأرضية، وهؤلاء معيارهم، المال، والولد، والجاه، والإنسان عندهم كائن شهواني يستمتع بالشهوات من المال والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة، والحياة عندهم لقمة وليس كلمة، وشعارهم «حشر مع الناس عيد»(1) وتوجيهاتهم «كن ذيلًا ولا تكن رأسًا» فالرأس سريع القطع.
جاء أصحاب العقول المستريحة يبررون الهزيمة والاستسلام، أو السكوت والرضى والتغاضي عن الحق، جاءوا لأحمد بن حنبل بقاعدتين زائفتين:
• جبروت السلطة وطغيانها ولا يناطح ولا يعارض خوفًا من البطش.
• نحن الجماهير المستضعفة أصحاب العيال والصبيان والبيوت أعذرنا الله عند الإكراه ويحاسبنا الله على نياتنا.
يقول أحمد بن داود أبو سعيد الواسطي:
«دخلت على أحمد الحبس، قبل الضرب، فقلت له: يا أبا عبد الله، عليك عيال، ولك صبيان، وأنت معذور، «كأني أسهل الإجابة عليه».
فقال أحمد:
إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد فقد استرحت». (2)
• فقد كان ميزان أحمد يختلف، كان يرى أن:
* قوة الله أكبر من أية قوة، والله قادر على كل شيء، ولا مانع لإرادته، فهو فوق قوة الطغاة.
* إن العلماء والمفكرين مسؤولين عن ضلال الجماهير، فكيف إذا أصبحوا أداة لضلالهم؟!
لقد رفض ابن حنبل العقول المستريحة، وعارض، وثبت، وصمد، وخسر سنوات كثيرة من عمره، ولكن ربحته الأمة والتاريخ، والأجيال المتعاقبة، لأن في صموده انتصر الحق، وهزمت الكلمة الطيبة البطش الظالم، فهل يعتبر أصحاب العقول المستريحة؟!
وهذا اليوم ما يحدث في مصر وتونس وبلاد الشام وما يجري للدعاة من تعذيب، ومحاولة أصحاب العقول المستريحة لصدهم عن صمودهم.
[1) مثل كويتي يقال عند مسايرة المرء للعامة في خطاهم.
[2) طبقات الحنابلة/ 43.