العنوان أضواء جديدة على لعبة اليمين واليسار - 3
الكاتب عبد الله المدرس
تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1976
مشاهدات 52
نشر في العدد 288
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 24-فبراير-1976
اليمين واليسار في «عصر السريالية»
في كتاب «عصر السريالية»- على سبيل المثال- للكاتب الأميركي الدكتور والاس فاولي[1] الذي نشرت ترجمته للعربية «مؤسسة فرانكلين» الأمريكية!! يلتقي أقصى اليمين بأقصى اليسار، في توافق غريب، وتتجاور الإسرائيليات اليمينية، التي تبلغ حد السحر والأساطير والبدائية والطقوسية واللامعقولية، مع التيارات الفكرية اليسارية التي تبدأ بتحطيم كافة القواعد والمؤسسات: اللغة، العائلة، الدين، المجتمع، الأخلاق، الدولة، منتهية إلى نزعة «عدمية» لا تعرف سوى الهدم والتدمير.. ويتنقل زعماء السريالية وببساطة- بين الشيوعية والليبرالية.. بين موسكو وواشنطن.. وتبرز الأولى كمطمح ثوري لعديد من السرياليين الذين يطمحون لتغيير العلاقات البشرية القائمة وتدمير القواعد البورجوازية السائدة.
ورغم أن الكتاب يصدر عن مؤسسة ثقافية، أمريكية، رأسمالية، فإننا كثيرًا ما نلتقي- عبر صفحاته- باستخدام متنوع للمعايير الماركسية في الحكم على القيم والعلاقات والأشياء.. ولا ترد في صفحاته التي تزيد على الثلاثمائة أية إدانة للشيوعية، سوى في عبارة واحدة ترد عرضًا في نهاية الكتاب «في البداية كانوا- أي السرياليون- يسترشدون بالنظريات الماركسية، إلا أن هذه لم تفلح طويلًا في إرضاء مطامحهم»[2].
إلا أن عجبنا يزول إذا ما أدركنا أن كثيرًا من مؤسسات الغرب الثقافية تخضع للتوجيه والمال اليهوديين، مصداقًا لما كانت «بروتوكولات صهيون» قد أعلنت عنه: «قبل طبع أي نوع من الأعمال سيكون على الناشر أو الطابع أن يلتمس من السلطات إذنًا بنشر العمل المذكور.. الأدب والصحافة هما أعظم قوتين تعليميتين خطيرتين ولهذا السبب ستشتري حكومتنا العدد الأكبر من الدوريات. وبهذه الوسيلة سنعطل التأثير السيئ لكل صحيفة مستقلة، بسلطان كبير جدًّا على العقل الإنساني»[3].
«ويجب أن تكون حكومتنا محوطة بكل قوى المدنية التي ستعمل خلالها. إنها ستجذب إلى نفسها الناشرين والمحامين والأطباء ورجال الإدارة والديبلوماسية ثم القوم المنشئين في مدارسنا التقدمية الخاصة»[4].
فإذا ما تمعنا في صفحات وفصول کتاب «فرانكلين» الذي بين أيدينا وجدنا تأكيدات مستمرة على أهمية الفكر اليهودي في النظريات الفنية، سريالية وغير سريالية، وعلى دور اليهود في ريادة الحركات الفنية والفكرية الجديدة.. وعلى القيم الدينية اليهودية المنبثة في حنايا الكتاب، عبر الإطار السريالي «فوق الواقعي»، ومن خلال أشد النزعات إنكارًا للدين والتصاقًا بالرفض والتحلل والإلحاد!!
ولا أهمية- بعد هذا- في التنقل بين مواقع اليمين واليسار، وفي عرض الشيوعية كهدف ثوري تقدمي، واستخدام المعايير الماركسية في الحكم على القضايا الراهنة والمصيرية، أو في أن يذهب «بريتون» زعيم الحركة السريالية، في خريف عام ١٩٤٢ لكي يلقي محاضرة مسهبة عن المذهب السريالي في جامعة «ييل» الأمريكية.. ولا غرابة كذلك- في أن يتحول «بيكاسو» وعدد من رفاق السريالية إلى الشيوعية، وفي أن يعمل بريتون، زعيمهم الكبير في «مكتب الاستعلامات الحربية في نيويورك»[5]، أو في أن ينخرط «رامبو»، الشاذ جنسيًّا، في كومون باريس عام ۱۸۷۱ ويتطوع في فرقة «جنود الثورة».[6]
لا أهمية لهذا، ولا غرابة في ذاك، ما دامت الحركة السريالية، في بعض جوانبها، تبلغ من العنف والنزعـــــــة التخريبية للإجهاز على كل القواعد والقيم والعلاقات والمؤسسات اللغوية والدينية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية.. حدًّا يجعلها أداة حسنة لتنفيذ بعض الأهداف اليهودية في نشر الفوضى والتفكك والإباحية الجنسية، في أقصى حالاتها الشذوذية، والخراب.. سواء عمل في إطارها اليمينيون أم اليساريون.. وما دام «مارکس» و«فرويد» اليهوديين قد صنفا، بسبب نزوعهما الثوري العنيف، ضمن قائمة السرياليين: أي فوق الواقعيين!![7]
يعرض كتاب مؤسسة فرنكلين الأمريكية الشيوعية كإحدى ثورات أساسية ثلاث تفرض أهميتها المتزايدة على عصرنا الراهن، وربما على مستقبلنا كذلك!! يقول فاولي: مؤلف الكتاب «ونجد اليوم أن السريالية تبلغ في أهميتها وجديتها مبلغ ما تحظى به الشيوعية والتومائية الجديدة، المعاصرتان، من أهمية وجدية. فهذه «الثورات» الثلاث تبدو أنها الأكثر أهمية لفهم عالمنا الحديث . ومع أن هذه الثورات تبدو لنا الآن متساوية في أهميتها، فلست أستغرب أن تنمو السريالية وتتبوأ مكانتها الحقيقية باعتبارها أشد حركات الفكر والفن الحديثين ضرورة وتجديدًا وذلك بسبب ارتباطاتها الدقيقة بالشيوعية من جهة وبالقضايا الروحية من جهة ثانية. فإذا كانت السريالية بالمعنى المعاصر تأخذ مكانها، بقوة وشمول، إلى جانب الشيوعية والتومائية الجديدة، فهي بمعناها التاريخي تستحق مكانًا إلى جانب الكلاسيكية والرومنطيقية»[8].
وهو يستخدم المعايير الماركسية في أكثر من موضع كقيم «موضوعية»، حتى لننسى أحيانًا أن الكتاب يصدر عن مؤسسة أمريكية : «إن أندريه مالرو، أحد كبار كتاب فرنسا المعاصرين، الذي لم يكن سرياليًّا، والذي أعلن في ١٩٤٧ انحيازه إلى ديفول والجناح اليميني، فكرة بارزة من أفكار جيله الذي هو جيل وكتب في روايته «المنتصرون»: «لقد نشأنا في عبثية الحرب»، فعبر بذلك عن السرياليين».[9]
وهكذا يلتقي اليمين واليسار، في نهاية التحليل، تحت ظلال السريالية، وكان بودلير «يجد في الملابس السوداء التي يحس البرجوازي العصري أن عليه ارتداءها في حفلات المساء، تعبيرًا عن الروح العامة، وموكب السياسيين والعشاق والبرجوازيين الذين يقيمون مراسم جنازاتهم دون أن يدروا».[10]ويجب أن نتذكر أن الحضارة الأمريكية «الغربية» الراهنة، تبدو في المعايير الماركسية بورجوازية عظمًا ودمًا!!
إن فاولي، من أجل أن يحدث التوازن المطلوب، يعود، في نهاية بحثه فيصف السريالية بأنها «أقصى درجات الانعتاق، أو بتعبير سياسي هي منتهى الليبرالية»[11].. وهي في كل أحوالها تذكرنا ببعض عبارات بروتوكولات صهيون «إن كلمة الحرية تزج بالمجتمع في نزاع مع كل القوى، حتى مع قوة الطبيعة وقوة الله».[12] «..وسنزيف مظهرا تحرريًّا لكل الهيئات وكل الاتجاهات.. وسنحاول أن نوجه العقل العام نحو كل نوع من النظريات المبهرجة التي يمكن أن تبدو تقدمية أو تحررية».[13]
«لقد قوضت هيبة قوانينهم بالأفكار التحررية التي أذعناها في أوساطهم»[14]
وفي مكان آخر يتحدث عن «الشهيد الثالث»!! في سلسلة السرياليين: رينيه كريفيل الذي انتحر عام ١٩٣٥ «وترتبط قضيته بالعلاقة بين السريالية والشيوعية. كان كريفيل شابًّا وسيمًا محبوبًا من الجميع، تطوقه حسناوات المجتمع وعارضات الأزياء. وبعد أن صار شيوعيًّا عاد وطرد من الحزب مع بريتون واليوار عام ١٩٣٣، لكنه بريء وأعيد إلى صفوف الحزب بعد ذلك بمدة وجيزة»[15] «15».
ويجب ألا يغيب عن أذهاننا أن فاولي كان- منذ البدء- قد صنف ماركس- اعتمادًا على معطيات بريتون- ضمن السرياليين «لقد كان من هم السرياليين أن يكتشفوا في الماضي، القريب والبعيد على السواء، ما يدعم أفكارهم وأعمالهم، وراحوا يهشمون كل من يتعارض معهم، بالعنف نفسه الذي يمجدون به الأفكار القريبة إليهم. وهكذا يدعي بريتون أن هيرا فليطس سريالي ديالكتيكي، وأن بودلير سريالي أخلاقي. ولم يكتف السرياليون بترديد الأسماء الشهيرة من الشهرة أمثال ساد وهيفل وماركس وفرويد وسانت جوست بألفة وبساطة، بل أدخلوا في هيكلهم ومن باب جانبي بعض القسر شخصيات أخرى» «16».
ماركس وفرويد اليهوديان اللذان كانت البروتوكولات قد تحدثت عن نظريتيهما وأشباهها كأدوات لسحق القيم وتدمير المجتمعات وتفكيك العلاقات الإنسانية.. «لا تتصوروا أن تصريحاتنا كلمات جوفاء. ولاحظوا هنا أن نجاح دارون ومارکس ونيتشه قد رتبناه من قبل. والأثر غير الأخلاقي لاتجاهات هذه العلوم في الفكر الأممي «غير اليهودي» سيكون واضحًا لنا على التأكيد»[16]. «17».
إننا نلمح في أكثر من موضع، في الكتاب الذي تحت أيدينا، التأكيد على اليهود الذين يقفون، مباشرة أو بشكل غير مباشر، وراء هذه الحركة الهدمية المتطرفة، كما وقفوا وراء غيرها من الحركات التي تناظرها في الاتجاه.. ونحن نقرأ في أحد البروتوكولات: «إننا نسخر في خدمتنا أناسًا من جميع المذاهب والأحزاب، من رجال يرغبون في إعادة الملكيات واشتراكيين وشيوعيين وحالمين بكل أنواع الطوبيات، ولقد وضعناهم جميعًا تحت السرج»
ونقرأ في بروتوكول آخر: «إن كل الموازين البنائية ستنهار سريعًا لأننا على الدوام نفقدها توازنها كي نبليها بسرعة أكثر ونمحق كفايتها»[17].
في البداية يرى فاولى أن الفضل في إبراز أسطورة «اللاوعي» التي ترتكز عليها معطيات السرياليين ترجع إلى ثلاثة من الكتاب الذين مجدهم السرياليون، وجميعهم- حسب علمنا- من اليهود «أولهم الفيلسوف هنري برغسون الذي أظهر بدراساته عن الحدس الحاجة إلى توسيع حدود الذكاء المنطقي، ثم جاء أندريه جيد يذيع تعاليمه الشاعرية حول توكيد الذات في كتاب «طعام الأرض»، وهو أحد كتبه الأوائل وأكثرها إقناعًا في عرض هذه الفكرة، نشيد تحرر من مقاييس المجتمع التقليدية. إنه منهج بحث من أجل تحقيق الذات وتكاملها، ومن أجل أخلاق ذاتية، وهو بوجه خاص تنشيط حسي لتفهم الذات. أما الثالث بين أقطاب الفكر الحديث هؤلاء فهو فرويد الذي تكون نظرياته المضيئة «!!» عن اللاوعي المبدأ الرئيسي في المذهب السريالي»[18].. أكثر من هذا أن فاولي يقول «كان باستطاعة «السرياليين» أيضًا الاستشهاد بعبارات من العهد القديم لصموئيل خصوصًا تلك التي يخاطب بها شاؤول قائلًا «أنا هو الرب اصعد أمامي إلى المرتفعة فتأكل معي اليوم، ثم أطلقك صباحًا وأخبرك بكل ما في قلبك». فالعالمان: اليوناني والعبري اللذان زودا عالمنا بجميع أفكاره ومعتقداته تقريبا «!!» هما اللذان كونا نظرة السرياليين إلى الفنان»[19]
وقبل أن نقف عند نظرية فرويد اليهودي في «اللاوعي» كمرتكز للنشاط السريالي كله، علينا أن نتلمس الملامح الدينية- الطقوسية التي تسود معطيات السرياليين والتي نشم فيها رائحة الشوق إلى الكهنوت الإسرائيلي، وسحره، وتعازيمه «لقد بدا أن السريالية كانت دائمًا تقدم على الانتحار كواحد من حلين. لكن من حسن الحظ أن الحل الثاني قد رجح وآمن به السرياليون ومارسوه أكثر من الحل الانتحاري. فقد وقف الإيمان بمعجزة الفن وبصفات الفنان وخصائصه السحرية في وجه الانتحار. وبدا أن دور الفنان أخذ يكتسب مميزات الكاهن، وصانع المعجزة، ومميزات الإنسان الذي منح موهبة الرؤية.. وأخذ نتاج الكاتب، والشاعر بصورة خاصة، يعتبر تعزيمًا سحريًّا، واستحضار سحريًّا عجائبيًّا، في تأثيره وابداعه على السواء. وهكذا قد يصح تشبيه الأثر الفني بالقربان في الأسرار المسيحية الذي يتضمن «الحضور الفعلي». وهكذا يصبح الشاعر الكاهن الذي يحقق الأعجوبة عن طريق الاستعمال السحري للكلمات، عن طريق تعزيم لا يفهمه هو نفسه فهمًا كاملًا ويكون الأثر الذي يتم إبداعه هكذا، سرًّا غامضًا يمكن أن يحس ويعاش، دون أن يكون بالضرورة مفهوما»[20].
وفي مكان آخر يقول: «ولكي نعرف بإيجاز، أولًا، هذا المذهب، الذي كشف عنه بودلير وأكمله مالارميه، وأعطاه رامبو التعبير العاصف الذي يشبه حلمًا عنيفًا، يمكن القول بأنه اعتقاد بوجود علاقة تقوم بالضرورة بين القصيدة والعرافة أو السحر أو «الرقية السحرية» على حد تعبير الفرنسيين. فالقصيدة تتكون بفعل عملية سحرية كالسيمياء تند عن قواعد المنطق وحتى عن قواعد الغريزة. وتبعًا لهذه الفرضية تنشأ القصيدة فيما خفي من حياة الروح، وهي لذلك انعكاس لهذه الحياة الغابرة أو الباطنة»[21]. ويزيد المؤلف تفسير عملية الخلق الفني لدى السرياليين وضوحًا بقوله: «نذكر بالمناسبة أن أصول السحر تشتمل، في معظمها، على استعمال الكلمات استعمالًا خامًا، وعلى ممارسة طقوس خاصة، كذلك تذكر أن الكلمات حين تستعمل بهذه الطريقة تكون ذات معاني مبهمة تستعصي على الفهم، ولكنها ما إن تردد بتأن وانتظام حتى تفعل العجائب: المريض يشفى، والمحارب يشتعل جرأة، والصبي يدخل طور الرجولة. وكل حدث رئيسي في الحياة كالطفولة وألعاب الأحداث والعبادات والحب والموت يتم باستخدام اللغة ويتكرس بواسطتها»[22]. وسنعود فيما بعد إلى مسألة استخدام اللغة لنرى كيف يتم.
فإذا ما جئنا إلى طبيعة العلاقة العضوية بين الإبداع السريالي وبين نظرية «فرويد» في اللاوعي، فرويد اليهودي الذي يرد كل فاعليات الإنسان إلى الجنس، والذي يرفع معوله- باسم التحرر من العقد والكبت- لكي ينزل به على كل القيم الدينية والعلاقات الأخلاقية والمؤسسات الاجتماعية، ولكي يدمر الثقة بالعقل والمنطق والممارسات الواعية، فإننا سنجد تأكيدات متزايدة تستغرق مساحات واسعة من الكتاب.
إن الشعور القوي- يقول فاولي- «بالحاجة إلى الصدق في التعبير الأدبي، الذي ظهر في فرنسا خلال السنوات العشرين الأولى من هذا القرن، يرجع إلى الاعتقاد بأن حالات الوعي في كيان الإنسان لم تعد كافية لتفسيره لنفسه وللآخرين، وبأن لا شعوره يتضمن جانبًا من كيانه أوسع وأكثر أصالة ودقة. فقد تبين أن كلامنا الواعي وسلوكنا اليومي يتناقضان عادة مع ذواتنا الحقيقيــــــة ورغباتنا الأعمق كما تبين أن نماذج السلوك البشري الواضحة التي رسمها الواقعيون، والتي يبدو أن حياتنا تسير وفقًا لها، قد كونتها العوامل الاجتماعية، لا رغباتنا أو أمزجتنا أو ذواتنا الداخلية. هذا الاكتشاف أو الاعتقاد بأننا ننكشف في أحلامنا وأفعالنا الغريزية الخالصة، بصورة أصدق مما نتكشف في سلوكنا اليومي الظاهري، هو في أساس السريالية».[23]ويقول: «إذا فرغ ما يسمى بالحياة الحقيقية أو الواقعية من المعنى، أو صار يمثل شركًا أو جوًّا مزيفًا للفكر الانساني، فعلينا أن نتوقع الثورة ضد الواقعية.
هكذا ظهر أدب كامل يهدف بصراحة إلى الهرب من الواقع، وإلى خلق عالم يعوض عن نقص العالم الواقعي، وربما أمكننا أن نسميه أدب هروب أو تملص، لا يقوم فيه البطل بارتياد العالم الذي يعرفه جيدًا بل يقوم بمغامرة في أرض غريبة كليًّا، أو باستقصاء عالم أحلامه.. البطل الجديد إذن هو الإنسان غير المنسجم، هو الجواب أو الحالم، أو مقترف الأفعال اللامنطقية؛ إنه يمثل ما يدعوه علماء النفس بالمزاج الانفصامي فالتأمل الداخلي هو منهجه وطريقة حياته»[24]، ذلك التأمل الذي يتحول أحيانًا «إلى انحلال في الشخصية في الفن السريالي وإلى تبديد للعوامل المكونة للشخصية الإنسانية»[25]
لقد علم فرويد السرياليين «أن الإنسان نائم في المقام الأول. ولذلك فإن على السريالي أن يتعلم الغوص في أحلامه كما فعل أورفیوس حين نزل إلى العالم السفلي ليكتشف كنزه هناك».[26] وعلى الشاعر، كما يقول بودلير «أن بغوص عميقًا في ماضيه، وفي معاني طفولته، شأن المحلل النفساني»[27]وأن السريالي يجد نفسه مسوقًا إلى أن يطير باتجاه الأعماق «الهبوط الحر الذي لا يعيقه كبت إلى عالم النوم والأحلام، حيث يستطيع الإنسان الحديث أن ينهمك في نشاط من طراز بدائي، وحيث يستطيع أن يعيش، كما ترى نظرية فرويد، تناقص الكبت، وحيث يكف عن مقاومة الجوانب الأصيلة «!!» في طبيعته»[28].
ويمضي السرياليون في اعتماد التحليل من النفسي الفرويدي إلى أبعد من هذا «إلى أن الجانب الأكبر من حياة الإنسانية الصميمة الداخلية يتكون من كهوف وكوابيس مخيفة طافحة بالإحساس بالذنب «!!» وفي أنها يجب أن تفجر لأن تفجيرها بوساطة الفن تحرير للنفس الإنسانية»[29]وأن فيلمًا كالذي أنتجه «الإخوة ماركس»- وهم أغلب الظن من اليهود- باسم «معذبو الحيوان» يجئ بمثابة وثيقة عن الهبوط داخل الذات نحو عالم الغريزة الخالصة، حيث تثوي الرغبات المكبوتة. وقد اعتبر السرياليون هذا الفيلم تفجيرًا لهذه الرغبات، وإطلاقًا ملحميًّا للغرائز».[30]
وهكذا، وعلى سبيل المثال، «أصبح عبث المركيز دو ساد الذي تنسب إليه السادية الجنسية في أعنف حالاتها: عن المطلق في نطاق اللذة، محورًا لمناقشات السرياليين المتعلقة بقوة رغبة الإنسان وشرعية تحقيقها، وبقي كذلك بين مبادئ المنهج السريالي مبدأ الإقرار باللذة في حالتها الغائصة المكبوتة في أعماق الإنسان، وإرجاعها إلى السطح وإطلاقها في العالم. تضمن هذا المبدأ فكرة تميز الواقــــع الإنساني بالجذب والدفع في آن واحد، مما يعني التسليم بتعايش المتناقضات العنيفة في الإنسان الواحد».[31]
ويخلص فاولي إلى القول: إنه مع الزمن أخذت ظاهرة التحليل النفسي تبدو في الحركة السريالية أكثر وضوحًا «فقد ساعد التحليل النفسي في تعزيز السعي إلى تحقيق التكامل بين المعقول واللامعقول، وطالما اعتبر اللاشعور مجال السريالي الشرعي.. وفي آثار عديدة توضح الأحداث بالأحلام والأحداث الماضية. والتحليل النفسي هو المنهج الذي يمكننا بواسطته أن نزداد معرفة بمصيرنا ، وبواسطته يأتلف الواقع وما فوق الواقع، ويتداخلان باستمرار»[32]، إننا- باختصار- «يمكننا أن نعثر، فيما يعتبره العالم حالات جنون، على قوة داخلية مكبوتة معذبة. ويمكن للإنسان إذا ما لبي رغائبه الإنسانية، أن يعيش تجربة أكثر حقيقية من واقع العالم المنطقي الموضوعي».[33]
***
إن هذا الموقف ينقلنا بالضرورة إلى ميزة أساسية من أهم ميزات السريالية وأشدها ارتباطًا بموقفها الفرويدي، تلك هي النزعة إلى التفكيك والتدمير، فما دامت «حالات الجنون» أكثر حقيقة من واقع العالم المنطقي الموضوعي، فإن من العبث والسخرية أن نتشبث بمعطيات هذا العالم وعلاقاته ونظمه ومؤسساته وقيمه، وأن نبني بيننا وبين الجنون سدًّا بورجوازيًّا مصطنعًا، وأن الخطوة التي تفرضها البداهة في مجال كهذا هو رفض العالم الخارجي والتمرد عليه، والسعي لقلبه على رؤوس بناته من أجل الوصول إلى الحالة الحقيقية: حالة الجنون!! «لقد بدت السريالية، خلال السنوات الفاصلة بين الحربين العالميتين كأنها تعني خاصة بالرفض والثورة وهدم المثل والمعايير. كان السرياليون «ضد» كل شيء، وضد الأدب والشعر بصورة أخص، فكانوا لا يؤمنون بأقل من تغيير الحياة تغييرًا تامًّا. ولقد حاربوا بلا هوادة تلك النظرة التي ترى أن الأدب تعبير عن المجتمع واعتبروها هدف الأدب البورجوازي القانع بنفسه».[34]
لقد حلت السريالية على الدادائية في أوائل العشرينيات من هذا القرن «وقد حدث ذلك بعد أن كانت الدادائية قد عبرت عن مواقفها السلبية العنيفة إزاء كثير من الأفكار والنشاطات السائدة. فقد ثارت ضد المجتمع واللغة والدين والذكاء».[35]
وجاء السريالي «لكي يمارس إرادته لتحرير نفسه من الأشياء المألوفة التي تحيط به. وهذا الفعل الأساسي الذي يقوم به السريالي هو فعل التحرر، أنها غزيرة عميقة في الإنسان تنزع إلى تحطيم ما يشده إلى العالم: كقوانين العائلة والمجتمع والدولة والجنس..»[36]لقد كان الهدم من أركان المذهب الدادائي، وهو الحركة التي سبقت السريالية عام ١٩١٦ و۱۹۱۷ «وقد تشربت السريالية مبدأ الهدم ومعناه الدادائي الحرفي إلى حد ما. وقد اتخذ هذا الهدم، أشكالًا متعددة، فكان جديًّا ونصف جدي وصبيانيًّا وعابثًا. بيد أننا اليوم إذا ما عدنا بالنظر نحو السريالية بدت لنا حركة إيجابية أكثر مما هي سلبية وهدامة. وما كان من مظاهر انعدام الجدية في تصرفات السرياليين في الشوارع والمقاهي، وفي معارضهم واجتماعاتهم، هو في الواقع في غاية الجد».[37]
هكذا يتوجب على العبقري- يقول فاولي- اللحظة المناسبة للإبداع أن يصير نفسه غريبًا عن الأرض التي تضجره، وعليه أن يرفض المجتمع والعائلة اللذين نشأ فيهما ولم يكن له الخيار في ذلك. وهذا الرفض طقس مهم في أسطورة الفنان، وهو وثيق الصلة بنظام التنسك عند الكاهن إلى حد بعيد».[38]
ويتحدث فاولي عن «جاك فاشيه»، الشاب السريالي الذي انتحر في نانت في نهاية عام ۱۹۱۸ «كان طويل القامة، أحمر الشعر، يجذب شكله الناس بسهولة.
وقد بلغ تأثير شخصيته ومعتقداته في أصدقائه والمعجبين به درجة جعلتهم لا يكتفون بتقبل انتحاره وحسب، بل تقبلوا مع ذلك فكرة قتله صديقه معه. انتحر فاشيه بتناول جرعة كبيرة من الأفيون، وأعطى مثلها لصديق سأله أن يدخله إلى عالم المخدرات. ومن المرجح أن فاشيه كان يعرف نتيجة الجرعتين.
أورد هذه القصة الفاجعة لأوضح أولًا معنى روح الهزيمة التي ظهرت مع نهاية الحرب، ولأبين ثانيًّا الانجذاب نحو الموت وتدمير الذات، وهو انجذاب ظاهر في معظم الفن السريالي؛ ذلك أن النبوءة والهلاك والغدر والإمحاق والانتحار مظاهر من الوجه التشاؤمي أو العدمي في السريالية سندرسها في أماكنها المناسبة في هذا الكتاب. وسرعان ما اعتبر انتحار فاشيه نوعًا من الاستشهاد، فقد كان شهيد العبث وقضاء الحياة المحتوم. واحترم شعره باعتباره تحقيقًا شعريًّا أو سرياليًّا للذات»[39]
[1]- ترجمة خالدة سعيد، بیروت ۱۹۷۰.
[2] - عصر السريالية ص ۲۸۹.
[3] - ترجمة محمد خليفة التونسي، ط 6، ص ١٦٢.
[4] - المرجع السابق ص ١٤٢ وانظر كراس «لعبة اليمين واليسار» للمؤلف.
[5] - عصر السريالية ص ١٤٥.
[6] - انظر المرجع السابق ص ٦١.
[7] - المرجع السابق ص ۱۱.
[8] - المرجع السابق ص ۱۱- ۱۲.
[9] - نفسه ص ٢٣- ٢٤.
[10] - نفسه ص ۲۷۷- ۲۸۷.
[11] - نفسه ص٢٦١
[12] - بروتوكولات ص۱۳۰
[13] - المرجع السابق ص١٦٨
[14] - المرجع السابق ص ۱۷۷.
[15] - نفسه ص ۱۰-۱۱ وانظر الصفحات 19،32،61.
[16] - البروتوكولات ص ١٢٣-١٢٤
[17] - البروتوكولات ص ١٢٣-١٢٤
[18] - المرجع السابق ص ١٤٥ و١٢٥.
[19] - نفسه ص ١٥
[20] - نفسه ص ۲۷-۲۸.
[21] - نفسه 58-59
[22] - نفسه ص ٧٦ وانظر الصفحات 30،31،72،73،274،275
[23] - نفسه ص ۰۱۷
[24] - نفسه ص ۱۸-۱۹
[25] - نفسه ص ۲۰
[26] - نفسه ص ۲۹.
[27] - نفسه ص ۳۰
[28] - نفسه ص ٢٥٧.
[29] - نفسه ص ۲۷۷
[30] - نفسه ص ۲۸۸.
[31] - نفسه ص ۲۹۰ ۰
[32] - نفسه ص ۲۹۱.
[33] - نفسه ص 295.
[34] - نفسه ص ١٥
[35] - نفسه ص ۲۳.
[36] - نفسه ص ٢٥٨.
[37] - نفسه ص ۲۸۲.
[38] - نفسه ص ٦٥.
[39] - نفسه ص ٢٦- ۲۷