العنوان أقبل يا رمضان الخير والعطاء
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 08-أكتوبر-2005
مشاهدات 73
نشر في العدد 1672
نشر في الصفحة 43
السبت 08-أكتوبر-2005
عندما يقبل رمضان تسيل الأقلام من كل حدب وصوب في مدحه. وإليك نفحة قلم صادق يشدو فيقول: ها هو السحاب ينقشع والغيم ينجلي وينكشف، والسماء تتبسم عن غرة الهلال كأنه قوس النصر، أو رمز النور المبين. إنه هلال رمضان، الله أكبر الله أكبر ربي وربك الله، هلال خير ورشد إن شاء الله. إنه هلال رمضان شهر الأمة شهر الصوم شهر القرآن، وشهر المعاني السامية التي تفيض على قلوب من عرفوا حقيقة رمضان واتصلوا بالملأ الأعلى فيه، وسمت أرواحهم إلى مرتبة الفهم عن الله، وما لنا ألا نتحدث إلى إخواننا الكرام من أبناء الإسلام عن شهر رمضان ونطالعهم بخطرات النفس وخلجات الفكر وهو شهر الفكرة الصافية العميقة؟
ربي وربك الله، إيه والله لأنه إله واحد ورب واحد يتصرف في ملكوت السماوات والأرض ويسيطر على عوالم الغيب والشهادة، ويتحكم في الكون من أقصاه إلى أقصاه، والجميع بعد ذلك في حق الوجود سواء ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا﴾ (مريم:93).
إن الله هو الحاكم وحده، يحكم الأفلاك ويحكم الأناس، ويهب لكل وجوده وهداه، فإن كان لأحد أن يتحكم في الأولى فيغير مداراتها ويقيد حركاتها فإن له أن يتحكم في الثانية، فيغل أيدي الناس ويتحكم في آجالهم وأرزاقهم وليس ذلك إلا الله. فارق بروحك- أيها الأخ المسلم- واسم بنفسك عن أن تكون عبدًا لغير الله، واعلم أن هذا المعنى مما يلفتك إليه النبي ﷺ حين يجعل من سنته في تحية الهلال: ربي وربك الله.
إنه هلال رمضان، فأما كثير من الناس فلا يفهمون من معناه إلا تجهيز المأكل والمشارب وتحضير المطاعم والمناعم، وإعداد لوازم السحور والإفطار، وما يقوي شهية الطعام ويوفر راحة المنام لأن رمضان كريم، وهذا شأن الكرام! أما قوم آخرون فشهر رمضان عندهم شهر الراحة من عناء الأعمال واللهو والتسلية في لياليه الطوال، وتقسيم الأوقات على الزيارات والسهرات، فهم في لياليه بين لهو وسمر، وقتل للوقت على مقاعد المقاهي والبارات، وتنقل بين دور الملاهي والصالات، وفي نهاره يغطون في نومهم، ويتكاسلون عن أعمالهم.
هؤلاء وأولئك أناس خسروا شهر رمضان وخسرهم وهجروه وهجرهم، وهو حجة عليهم بين يدي ربهم، وشهيد على تقصيرهم وسوء تقديرهم. وقوم آخرون صلوا وصاموا، وتعبدوا وقاموا وهم لا يعلمون من ذلك إلا أنهم أمروا فامتثلوا يرجون رحمة الله ويخافون عذابه، وأولئك لهم ثواب صيامهم، وأجر قيامهم، وجزاء أعمالهم إن شاء الله تعالى، والحسنة بعشر أمثالها، والله يضاعف لمن يشاء.
وبقي بعد ذلك جماعة آخرون أدوا ما أمرهم الله به من صلاة وصيام وتلاوة وقيام ومسارعة إلى الخيرات وإحسان وصدقات ولكنهم لم يقفوا عند ظواهر الأعمال، بل فهموا عن الله فيها، وعرفوا ما يراد لهم منها ونفذت بصائرهم إلى لباب أسرارها، فعرفوا لرمضان معنى لم يعرفه غيرهم، وفازوا بريح لم يفز به سواهم واكتسبوا منه تزكية النفوس، وتصفية الأرواح، وأولئك ذؤابة المسلمين وصفوة العارفين.
فهموا من فريضة الصوم وآداب القيام، أنهم سيتركون الطعام والشراب ويقللون المنام ويحرمون الجسوم من هذه الثلاثة وهي مادة حياتها وقوام نشاطها. وإذن فليختف شبح المادة، وليهزم جيش الشهوات، ولتتغلب الإنسانية بمعانيها السامية على هذا الجسم الذي احتلها من قديم، فعطل حواسها وكتم أنفاسها، وأطفأ نورها، وكيلها بما زين لها من زخرف الشهوات، وزائف اللذات.
استغن عن الطعام، فإن استغنيت عنه فقد خلعت عن نفسك نير عبوديته، وصرت حرا من مطالبه، خالصا من قيوده، واستغن عن الشراب فإذا استغنيت عنه فقد خلعت عن نفسك نير عبوديته، وصرت حرا من مطالبه خالصا من قيوده، واستغن عن المنام وعن الشهوة، فإذ استغنيت فقد تحررت وقديما قيل: «استغن عمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره».
إنك إذا استغنيت عن كل ذلك صرت حرًا طليقًا. إذن فرمضان شهر الحرية، وإذا استغنيت عن ذلك تقلص ظل المادة، وأشرق نور الروح، وإذن فرمضان شهر الروحانية، وإذا استغنيت عن ذلك صفا فكرك، وتجلى سلطان نفسك، فكنت إنسانًا بكل معنى الكلمة. وإذن فرمضان شهر الإنسانية، وإذا استغنيت عن ذلك لم يجد الشيطان سبيلًا إليك، ولم تلق نوازع الشر مطمعا فيك. وإذن فرمضان شهر الخير الواضح المستنير.
مرحبًا بك يا شهر الخير، مرحبًا بك يا شهر الإنسانية الكاملة، مرحبًا بك يا شهر الروحانية الفاضلة، مرحبًا بك يا شهر الحرية الصحيحة مرحبًا بك يا شهر رمضان.
أقبل وأقم طويلًا في هذه الأمة الطيبة المسكينة، وألق عليها دروسًا من هذه الدروس البليغة، ولا تفارقها حتى تزكي أرواحها، وتصفي نفوسها، وتصلح أخلاقها، وتجدد حياتها، وتقيم موازين التقدير فيها، فتعلم أن المطامع أساس الاستعباد، وأن الشهوات قيود الأسر، وأن أساس الحرية الاستغناء، وأن الاستغناء يستتبع المشقة ولكنها مشقة عذبة لذيذة، لأنها ستنتج الحرية والحرية أحلى من الحياة.
وما أحوج الأمة اليوم إلى نفحات رمضان وإلى نسائم عطائه الوفير ليعطي القلوب قبسات من فيوضاته، وومضات من شحناته، لتصمد في ميادين الكفاح، وتقوى في ساحات الجهاد، وتصبر على لأواء حصار العدو، ونيران أسلحته، وتتماسك أمة الجسد الواحد، حتى لا يتساقط أعضاؤها عضوًا عضوًا، وتتمزق أوصالها جزءًا جزءًا. قد عودنا رمضان دائمًا، النصر المبين، والفتح العظيم، فإذا أعطيناه أعطانا، وإن سعدنا به سعد بنا، وإن عشناه هدانا الله الصراط المستقيم. أما إن فرطنا فيه فإنه سيفرط فينا وسيضيعنا وسيتخلى عنا لأنه محك جيد، وامتحان صادق على مر العصور، لقول رسول الله ﷺ: «بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له، فقلت آمين». فهل نكون من المبعدين أم من المقبولين نسأل الله السلامة آمين آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل