العنوان أكذوبة الانحراف بالدين إلى السياسة
الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة
تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1997
مشاهدات 57
نشر في العدد 1281
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 23-ديسمبر-1997
حسن البنا والسهام السوداء
في هذا العدد نتناول -بالحديث والتفنيد- فرية الزعم بأن الإخوان سيسوا الدين أي انحرفوا بدعوتهم من دعوة دينية أخلاقية إلى الاشتغال بالسياسة كالأحزاب الأخرى، وهي مقولة لها دلالتان الأولى: قصور فهم أصحاب هذه القرية لحقيقة الإسلام وطبيعته.
الثانية: أخذ الإخوان أنفسهم بالمفهوم الشمولي للإسلام من أول قيامهم بدعوتهم، مما نراه في التفصيل الآتي:
- فهم الإسلام على أنه دعوة دينية روحية محصورة في العبادات والتحلي بالأخلاقيات دون الاشتغال بالحياة العامة في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدولية، هذا الفهم يعتبر فهمًا ناقصًا مشوهًا لطبيعة الإسلام.
- وهذا الفهم الصحيح للإسلام بأبعاده الروحية والسياسية والاقتصادية والتربوية كان -من بداية نشأة الإخوان، وما زال حتى الآن- من ثوابت دعوتهم، وكان الإمام الشهيد في كل خطبه ورسائله يكرره ويلح عليه، ومن كلماته في رسالة «دعوتنا»:
دعوتنا دعوة أجمع ما توصف به أنها «إسلامية»، ولهذه الكلمة معنى واسع غير ذلك المعنى الضيق الذي يفهمه الناس، فإنا نعتقد أن الإسلام معنى شامل ينتظم شؤون الحياة جميعًا، ويفتي في كل شأن منها، ويضع له نظامًا محكمًا دقيقًا، ولا يقف مكتوفًا أمام المشكلات الحيوية والنظم التي لا بد منها لإصلاح الناس، فهم بعض الناس خطأ أن الإسلام مقصور على ضروب من العبادات أو أوضاع من الروحانية، وحصروا أنفسهم وأفهامهم في هذه الدوائر الضيقة من دوائر الفهم المرصود (۱).
ويقول المرشد الإمام في رسالته الإخوان المسلمون تحت راية القرآن، أما مهمتنا -في بعض تفاصيلها- فهي أن يكون في مصر أولًا بحكم أنها في المقدمة من دول الإسلام وشعوبه، ثم في غيرها كذلك:
نظام داخلي للحكم يتحقق به قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ (المائدة: 49).
ونظام للعلاقات الدولية يتحقق به قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143).
ونظام عملي للقضاء يستمد من الآية الكريمة: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65)
ونظام للدفاع والجندية يحقق مرمى النفير العام: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة: 41).
ونظام اقتصادي استقلالي للثروة والمال والدولة والأفراد أساسه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (النساء: 5).
ونظام للثقافة والتعليم يقضي على الجهالة والظلام، ويطابق جلال الوحي في أول آية من كتاب الله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1).
ونظام للأسرة والبيت ينشئ الصبي المسلم، والفتاة المسلمة، والرجل المسلم، ويحقق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: 6).
ونظام للفرد في سلوكه الخاص يحقق الفلاح المقصود بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ (الشمس: 9).
وروح عام يهيمن على كل فرد في الأمة من حاكم أو محكوم قوامه قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ (القصص: 77). نحن نريد الفرد المسلم، والبيت المسلم، والشعب المسلم، والحكومة المسلمة، والدولة التي تقود الدول الإسلامية، وتضم شتات المسلمين وتستعيد مجدهم، وترد عليهم أرضهم المفقودة وأوطانهم المسلوبة، وبلادهم المغصوبة، ثم تحمل علم الجهاد ولواء الدعوة إلى الله، حتى تسعد العالم بتعاليم الإسلام (۲).
وتصديقًا لهذا الفهم الشامل للإسلام يصف الإمام المرشد في المؤتمر الدوري الخامس في ١٣ من ذي الحجة ١٣٥٧هـ دعوة الإخوان المسلمين بأنها دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية (۳).
وتمثل فهم الإخوان للإسلام بهذه الصورة الشاملة المتكاملة في شخصية الأخ المسلم الذي كان استجابة عملية لهذا التكامل وهذا الشمول.
وقد يكون مفهومًا أن يقنع المصلحون الإسلاميون برتبة الوعظ والإرشاد إذا وجدوا من أهل التنفيذ إصغاء لأوامر الله وتنفيذًا لأحكامه وإيصالًا لآياته وأحاديث نبيه.
أما والحال كما ترى التشريع الإسلامي في واد والتشريع الفعلي والتنفيذي في واد آخر فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف.
وعلى هذا فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل هذا العبء وأداء هذه الأمانة، والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله (٤).
وليس هذا عيبًا يُعاب على الإخوان، بل هي محمدة يجب أن يحمدها لهم كل مسلم لأن الشيوعي يعمل على اغتصاب الحكم، ويومها يكون الشعب ومصيره ومقاليد أمره وثروته غنيمة لروسيا.
والعلمانيون يعملون على اغتصاب الحكم لتكون الأهواء والعواطف هي المسيطرة على مقاليد الأمور، فإذا ما سعى الإخوان لطلب الحكم إن لم يجدوا أمينًا على شرع الله، فلا عيب في سعيهم إلا أنه سعي مشكور، والفارق بينهم وبين غيرهم في السعي إلى الحكم أن غيرهم يجعل الحكم تبعًا لهواه هو أما هم فسيجعلونه لله ولرسوله ولسعادة المسلمين وغيرهم على السواء (٥).
وتأسيسًا على ما عرضناه أنفًا نرفض ويرفض الواقع الصادق الفرية التي تزعم أن الإخوان انحرفوا من الدين إلى السياسة، فالذين تبنوا هذه الأكذوبة كانوا واقعين تحت سيطرة قوتين:
الأولى: سيطرة الفهم المشوه أو المنقوص للإسلام بدعوى أنه دين «تعبدي» يقف عند تنظيم العلاقة الروحية بين العبد وخالقه.
والثانية: انعدام الدراسة الواعية للمسيرة الإخوانية، بل المسيرة الطبيعية لكل الدعوات الإصلاحية على مدار التاريخ الإنساني كله، وقد اعتمدت مسيرة الإخوان على قاعدة شرعية- بل كونية هي قاعدة التدرج، انطلاقًا من مرتكز أساسي اعتمد عليه الإخوان من أول نشأة الدعوة سنة ۱۹۲۸م، وهي الإيمان المطلق بشمولية الإسلام دينًا ودولة، ومصحفًا وسيفًا، وعبادة وسياسة، وقيادة وجندية.
وكان هذا المفهوم هو ثابتة الثوابت التي لم تتغير، وحدد الإخوان وسائل لتحقيق هذا المفهوم ومتعلقات مفصلة ترتبط به، ولكن كان من الطبيعي أن تزداد هذه التفصيلات- بتقدم الزمن اتساعًا وتنضم إلى منظومة الفكر الإخواني مستجدات لا تنال من هذه الثابتة، فتتغير بعض الوسائل وتتطور بعض التفصيلات تبعًا لمعطيات الواقع ومواضعات السياسة، ونتائج التجريب.
ومن الأمثلة التي توضح ما ذهبت إليه آنفًا أن الإخوان في عهد الإمام البنا -قرابة عشرين عامًا- كانوا ينكرون الحزبية ونظام الأحزاب، ويطالبون بحلها، ويدعون إلى نظام الحزب الواحد، فهم يعتقدون أن الحزبية قد أفسدت على الناس كل مرافق حياتهم، وعطلت مصالحهم، وأتلفت أخلاقهم، ومزقت روابطهم، وكان لها في حياتهم العامة والخاصة أسوأ الأثر.
ويعتقدون كذلك أن النظام النيابي -بل حتى البرلماني- في غنى عن نظام الأحزاب بصورتها الحاضرة في مصر، كما طلبوا من الملك فاروق حل هذه الأحزاب القائمة حتى تندمج جميعًا في هيئة شعبية واحدة تعمل لصالح الأمة على قواعد الإسلام (6).
وفي مقام تقييم هذا الرأي نقرر ابتداءً أن النظرة الآنية إليه في ضوء الواقع الذي تعيشه مصر ودول الشرق العربي تنكره، بل ترفضه تمامًا، ولكننا نرى أنه من الظلم الفادح أن نحكم قواعد تقييم جديدة في مقولات أو معروضات قديمة، وخصوصًا إذا أغفلنا الظروف التي كانت محيطة بالرأي القديم وملابسة له.
والأحزاب التي كانت قائمة آنذاك كانت واقعة تحت سيطرة المستعمر الإنجليزي والقوى الاستعمارية، ومن المواقف التي تدل على ذلك:
- إجبار الإنجليز الملك فاروق على إقالة وزارة حسين سري وإسناد الوزارة إلى حزب الوفد برئاسة مصطفى النحاس باشا، وتم ذلك بحصار الدبابات الإنجليزية لقصر عابدين في ٤ من فبراير سنة ١٩٤٢م.
- استجابة النحاس لضغط الإنجليز وتهديداتهم حتى ينسحب الإمام البنا من ترشيح نفسه نائبًا عن دائرة الإسماعيلية سنة ١٩٤٢م.
- ضغط الإنجليز على رئيس الوزراء وزعيم الحزب السعدي أحمد ماهر باشا سنة ١٩٤٤م لكي يسحب الإمام البنا ترشيحه في الدائرة المذكورة وألح أحمد ماهر على الإمام المرشد في شدة أن ينسحب من الترشيح، ولكنه رفض، فحورب في هذه الدائرة وزورت الانتخابات بشكل مفضوح، ومن ثم لم يكتب له النجاح في دائرته.
- في سنة ١٩٤١م ضغط الإنجليز على رئيس الوزراء حسين سري باشا لإيقاف نشاط الإخوان؛ لأن حسن البنا -على حد قولهم- يعمل في أوساط جماعته لحساب إيطاليا.
ولم يجد حسين سري مخرجًا من هذا الضغط إلا نقل المرشد -الذي كان يعمل مدرسًا بالقاهرة- إلى «قنا» بأقصى صعيد مصر، وتم ذلك في 22/2/1941م.
- تم حل جماعة الإخوان -كما ذكرنا آنفًا- في ٨ من ديسمبر ١٩٤٨م بأمر من السفير البريطاني بعد اجتماع «فايد» بين سفراء بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وقد ثبت ذلك بوثائق رسمية نشرت فيما بعد.
وكل هذه الوقائع تدل على عمالة معظم الأحزاب المصرية آنذاك وتضامنها مع المستعمر ضد المصالح الوطنية والشرفاء من أبناء هذا الوطن، ومن ثم يكون للإمام البنا العذر في الإلحاح على ضرورة حل هذه الأحزاب والتوحد في حزب أو تجمع واحد أو هيئة شعبية واحدة، تعمل لصالح الأمة على قواعد الإسلام (۷).
ولما قامت الثورة سنة ١٩٥٢م -بعد اغتيال الإمام البنا بثلاث سنوات- وجربت الأمة المصرية دكتاتورية الحزب الواحد بزعامة القائد «الفرد» جمال عبد الناصر الذي نجح نجاحًا باهرًا في إلغاء الشخصية المصرية، وملأ السجون المصرية بآلاف من الإخوان وأصحاب الرأي في غيبة العدل والقانون، وحقق من الهزائم ١٩٥٦م، ١٩٦٧م، ما لم تعرفه مصر من قبل، لما رأى الإخوان كل هذه المآسي التي صنعها «الحزب الواحد» و«القائد الواحد»، أصبحوا يؤمنون بالتعددية الحزبية حرصًا على تحقيق العدل والأمن والتقدم.
فهذا الشاهد يدل على سعة الأفق ومرونة تفكير الإخوان في التعامل مع الأوضاع السياسية والاجتماعية في نطاق الوسائل والمواقف والتوجهات القابلة للتغيير دون خدش للثوابت التي تمثل نخاع دعوة الإخوان، وهي -في حقيقتها وواقعها- ترتكز على القيم والقواعد الإسلامية في مفهومها الشامل الرحيب.
(*) أستاذ الأدب العربي بجامعة الملك فهد بالظهران
الهوامش:
- مجموعة رسائل الإمام حسن البنا ۲۳، وانظر تحديده لموقف الإخوان من الوطنية والحزبية القومية ۲۳- ۳۱، وهو موقف ينطلق من هذا الفهم للإسلام بأبعاده الشمولية (دار الدعوة- الإسكندرية ١٤١٠هـ- ١٩٨٩م).
- مجموعة الرسائل ١١٥- ١١٦.
- انظر الشرح والتفصيل في مجموعة الرسائل ١٧٤- ١٧٥.
- السابق ۱۹۱.
- د. رؤوف شلبي الشيخ حسن البنا ومدرسته الإخوان المسلمون ٣٤٠ (دار الأنصار. القاهرة ۱۹۷۸م).
- رسالة المؤتمر الخامس الذي عقد في ذي الحجة ١٣٥٧هـ- ١٩٣٨م.
- مجموعة الرسائل ۲۰۱ وانظر كذلك رسالة الإمام البنا إلى الطلاب (سنة ١٣٥٧هـ- ١٩٣٧م) في مجموعة الرسائل ۳۱۸- ۳۲۱، وعلينا أن نلاحظ أن ما دعا إليه الإمام البنا هو تكوين هيئة شعبية واحدة ملتزمة بالقيم الخلقية والوطنية، لا حزب واحد تسلطي لا ترد له كلمة ولا يرجع له قرار.
- في إجازة التعددية الحزبية وتحبيذها، ارجع إلى كتاب الدكتور يوسف القرضاوي «فتاوى معاصرة» المجلد الثاني من صفحة ٦٥٢- ٦٦٥ (ط٣) ١٤١٥هـ- ١٩٩٤م -دار الوفاء- المنصورة- مصر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل