العنوان أكمل قدوة.. وأحسن أسوة
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر الاثنين 01-نوفمبر-2021
مشاهدات 44
نشر في العدد 2161
نشر في الصفحة 54
الاثنين 01-نوفمبر-2021
تربوي
محطات إيمانية في طريق التربية..
هو دعوة إبراهيم عليه السلام حين بنى الكعبة وبشارة عيسى عليه السلام ورؤيا أمه آمنة
كان مولده صلى الله عليه وسلم إيذاناً بصلاح العباد والبلاد بعد أن تصلح القلوب وتتطهر العقول
ضرب لنا المثل من نفسه الشريفة في صدق الإيمان بربه واليقين بوعده وتمام الاتباع له والانقياد لأمره
إذا أردتَ الهُدى والتُّقى، وإذا بحثتَ عن العبادة والصلاح، وفتّشتَ عن أحسن الشمائل وأتم الأخلاق؛ وجدتَ ذلك كله متمثلاً في شخصه الكريم صلى الله عليه وسلم، الذي كان كما وصفته عائشة رضي الله عنها حين قالت: «كان خُلُقُه القرآنَ» (صحيح الجامع).
«فكان خُلقُه جميع ما حصل في القرآن من كل ما استحْسَنه وأثنى عليه ودعا إليه، فقد تحلى به، وكل ما اسْتَهْجَنه، ونهى عنه، تجنَّبه وتخلى عنه، فكان صاحب خُلق عظيم، فقيه النفس، كثير العبادة، كامل الإيمان والصدق، والشجاعة والصبر، والعفة والحلم، وغير ذلك؛ فكأنك ترى القرآن إنساناً في شخص النبي الكريم» (الدرر السنية).
المنة العظمى من الله:
وقد امتن الله تعالى علينا به فقال: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) (آل عمران: 164).
وفي شهر ربيع الأول من كل عام، تتجدد على المسلمين ذكرى مولد خاتم الأنبياء وسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهور أنه ولد في اليوم الثاني عشر من هذا الشهر (ربيع الأول)، فاللهم صل وسلم وبارك عليه.
وُلِد النبيُّ الهاشميُّ محمدٌّ
والكونُ يشدو فرحةً وسرورا
ولِدَ الذي حَنَّ الجمادُ لحضنِه
فأفاحَ مِسكاً في الورَى وعبيرا
هذا الذي يَعلو المآذنَ ذكرُه
يدعو الأنامَ مبشراً ونذيرا
صلى عليهِ اللهُ في عليائه
وكذا ملائِكُ طُهِّرتْ تطهيرا
صلوا عليه وسلموا تسليماً
تجدوا الأمورَ تيسرتْ تيسيرا
صلوا عليه ليومِ حقٍّ قادمٍ
تُجزَون عنها جنةً وحريرا
أحسن من القمر:
فاللهم صلِّ وسلم عليه، كان «أحسن الناس وأجمل الناس، لم يصفه واصف قط إلا شبَّهه بالقمر ليلة البدر، ولقد كان يقول قائلهم: لربما نظرنا إلى القمر ليلة البدر فنقول: هو أحسن في أعيننا من القمر، أحسن الناس وجهاً، وأنورهم لوناً، يتلألأ تلألؤ الكوكب، ولقد وصفه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال: أمينٌ مصطفى للخير يدعو: كضوء البدر زايَلَه الظلامُ». (موسوعة نضرة النعيم، ج1).
صلى الله عليه وسلم، قال لنا: «إني عند الله مَكتوب بخاتم النبيين وإن آدم لِمُنْجَدِلٌ في طينته، وسأخبركم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني أنه خرج منها نور أضاءت لها منه قصور الشام». (صحيح ابن حبان).
فهو دعوة إبراهيم عليه السلام حين بنى الكعبة، فقال: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ) (البقرة: 129)؛ أي من العرب، فاستجاب الله دعاءه، «وبشارة عيسى» عليه السلام، وهي قوله تعالى: (وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) (الصف: 6)، ورؤيا أمه آمنة التي رأت عند ولادته أنه خرج منها نور أضاءت لها منه قصور الشام، فذلك النور عبارة عن ظهور نبوته ما بين المشرق والمغرب. (انظر الدرر السنية).
مولد النبي صلى الله عليه وسلم:
كان مولده صلى الله عليه وسلم إيذاناً بصلاح العباد والبلاد بعد أن تصلح القلوب وتتطهر العقول، فقد وُلد ليكون النبي الخاتم الذي أرسله الله لعباده ليولد معه عهد جديد للعالمين، عهد يُجَدَّد فيه صرح التوحيد وتُؤسَّس قواعده من جديد بعد أن صدَّعتها معاول الوثنية، وحاول طمس معالمه شياطين الإنس والجن، ورؤوس الشرك، فلا عجب أن تجد فيهم مَن يتقرب لوثن صنعه بيديه، أو يسجد لحجر اتخذه إلهاً له من دون الله، ولا عجب أن يمتلئ أمامهم صحن الكعبة المشرفة بثلاثمائة وستين صنماً، فلا تجد مَن يخالفهم في شركهم إلا قلة قليلة ممن لا يكادون يعدون على أصابع اليد من الحنفاء الذي ظلوا على الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام.
ولد النبي صلى الله عليه وسلم ليكون النبي الداعي لتحرير العقول من الخرافات والأباطيل والمعتقدات الفاسدة والأفكار المنحرفة، فتتغير المفاهيم الخاطئة وتُصَوَّب، فتنقى العقول وتطهر، وترتقي النفوس وتزكو، فتؤمن أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتعرف أن لا نافع ولا ضار إلا الله وحده، فلا شعوذة ولا كهانة ولا تنجيم ولا عرافة، بل تتحرر القلوب من كل ما يصدها ويبعدها عن طريق الله؛ فتمتلئ بحبه وتُسلم له وتُخبت، وحينها يكون الإنسان خليفة في الأرض بالإصلاح والتعمير كما أراده الله عز وجل.
وقد أرسل الله نبيه صلى الله عليه وسلم للناس جميعاً على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وطبقاتهم، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (سبأ: 28)، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «وأُرسِلتُ إلى الخَلْق كافة، وخُتِم بي النبيون» (رواه مسلم).
قال الله تعالى له: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107)، فهو نبي الرحمة، ورسالته رسالة الرحمة، رحمة في أوامرها فلا تأمر إلا بما فيه خير الإنسان، ورحمة في نواهيها فلا تنهى إلا عما يضره ويؤذيه، وكما قال ابن القيم: «فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل وكلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخِلت فيها بالتأويل». (إعلام الموقعين عن رب العالمين).
رحمة النبي صلى الله عليه وسلم:
كان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس رحمة ولا سيما مع الضعفاء والفقراء والمساكين والأيتام والأرامل، فدعا إلى الإحسان إليهم، وقال: «ابغوني (أي اطلبوا لي) الضعفاء، فإنما تُرزَقون وتُنصَرون بضعفائكم» (صحيح أبي داود)؛ أي: بسبب كونهم بين أظهركم ورعايتكم لهم، وبركة دعائهم. (الدرر السنية).
وقال: «اللهم إني أحرِّجُ حقَّ الضعيفين: اليتيم، والمرأة» (صحيح ابن ماجة)؛ أي: أُضَيِّقُ على الناس في تضييع حقهم، وأشَدّد عليهم في ذلك، وأحذرهم من الوقوع في ظلمهم، واليتيم هو الذي فقد أباه صغيراً وفقد حمايته ورعايته، أما المرأة فقد جعل الشرع للرجل الولاية عليها لرعايتها وحفظ حقوقها لا لهضمها وظلمها، والخطاب هنا لأولياء المرأة والأزواج. (انظر: الدرر السنية)، فأوصى بالنساء خيراً، وبيَّن ما للزوجين من حقوق، وما عليهما من واجبات؛ لتستقيم الحياة الزوجية، وتستديم المودة والرحمة بين الزوجين، وتقوم الأسرة بما عليها.
ودعا نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم إلى الرحمة بالوالدَين لما تعبا في تربية الولد فأمر الولد أن يعرف فضلهما ولا يجحده، وأن يؤدي لهما حقهما الكبير من الطاعة والبر والإحسان والرحمة وحسن الصحبة، وقال: «رضا الرب تبارك وتعالى في رضا الوالدَين، وسخط الله تبارك وتعالى في سخط الوالدين». (صحيح الترغيب)، كما دعا الوالدَين أيضاً إلى الرحمة بأولادهما ووقايتهم النار، وذلك بتربيتهم على الدين القويم والخلق الحسن، وإعطائهم حقهم من الحب والشفقة والرعاية، والنفقة والتربية والتعليم والنصح والإرشاد، والعدل وحسن المعاملة.
القدوة الكاملة.. والأسوة الحسنة:
وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خَلْقاً، كان أيضاً أحسنهم خُلُقاً، وقد زكاه الله في أخلاقه وقال له: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4)، علمنا الأخلاق وربطها بالإيمان والعمل، فقال: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلقاً». (صحيح أبي داود)، وقال: «إن الرجل لَيدرِكُ بحُسن خُلُقه درجة القائم بالليل، الظامئِ بالهواجِر». (صحيح الترغيب)، وقدم لنا من نفسه القدوة الحسنة في كل ما نحتاج إليه في حياتنا، فكان قدرة لنا في إيمانه ويقينه وعبادته، وفي أخلاقه ومعاملاته، في رضاه عن ربه وعن أقداره، في صبره وزهده وتواضعه وحسن معشره، في معاملة الناس على مختلف أشكالهم وأخلاقهم ومعتقداتهم، في معاملة الصغير والكبير، والعالم والمتعلم.
«فكان سهلاً ليناً، قريباً من الناس، مجيباً لدعوة من دعاه، قاضياً لحاجة من استقضاه، جابراً لقلب من سأله، لا يحرمه، ولا يرده خائباً». (تفسير السعدي)، فهو صلى الله عليه وسلم أكمل قدوة لنا وأحسن أسوة، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب: 21)، قال ابن كثير: «هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله».
فقد ضرب لنا المثل من نفسه الشريفة في صدق الإيمان بربه واليقين بوعده وتمام الاتباع له والانقياد لأمره، فقدم لنا أنموذجاً فريداً لا مثيل له في دنيا البشر، ليكون دليلاً لنا نسير على خطاه إلى أن نلقاه فيسقينا بيده الشريفة من حوضه شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل