; ألا يقرأ أنيس منصور؟ | مجلة المجتمع

العنوان ألا يقرأ أنيس منصور؟

الكاتب مصطفى الخولي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1975

مشاهدات 113

نشر في العدد 247

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 29-أبريل-1975

﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الملك: ٢٢).

في أخبار اليوم العدد ١٥٨٥ بتاريخ ۲۲ مارس ۱۹۷٥ كتب أنيس منصور مقاله الأسبوعي المعتاد وكان عنوانه «فتش عن يوسف في كل بئر» وقد أثار هذا المقال في نفسي العديد من الانفعالات والتساؤلات على غير عادتي مع أنيس منصور فقد اعتدت ألا آخذ ما يكتبه في مبالاة ولا أناقشه مع نفسي؛ ذلك أني غالباً ما كنت أنسى ما أقرأه له بعد فراغي منه، وأقرأ ما يكتب على أنه شيء طريف ولا أكثر من ذلك، وربما كانت هذه بغيته أن يمتع الناس بحديث ما على الورق يظهر فيه براعته في الإسهاب ويعرض من بين ثناياه ثقافته الملونة والمرقعة.

أعود إلى المقال وتطالعني كلمة «فتش» في البداية ولماذا هذه الكلمة بالذات وليست «ابحث» هل اختيار كلمة ما يتم عفوياً أو عن قصد. كل الذين يكتبون يعرفون أن اختيار الكلمة أحياناً يكون عن قصد فإذا كانت الكلمة في عنوان المقال وإذا كانت أول كلمة فيه حق لنا أن نقف عندها فهي مقصودة. فأنيس منصور يريد أن يقترب من الناس ما وسعه الاقتراب وهو يريد أن يبشر بشيء هذه الأيام، وأيام حكم الطاغوت في مصر كان يسلي الناس بحكايات عن الجدود والعمالقة وسنن الفضاء والصواريخ التي صنعت قبل العصر الحجري أو بعده أو صنعتها مخلوقات من عوالم أخرى ثم بعد ذلك أو قبل ذلك كتب مقالات عن العفاريت والأشباح والأشجار التي تمتص دماء البشر ولكنه في هذا المقال تناول تاريخ الإنسانية الذي يعيش في أعماق الناس، تناول حملة الرسالات السماوية، فماذا يريد أنيس منصور أن يقول وماذا يجب أن نقوله له.

يبشر الكاتب بما أُشرب ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (البقرة: ٩٣).

وما هو عجل أنيس منصور؟ هو كل الفلسفات الأرضية منتهياً بالوجودية المادية الحديثة ويخلط ذلك في مقاله بالإسرائيليات والأفكار الدينية الموضوعة ويأخذ مع هذا الخليط قصص القرآن الكريم ويمزجها به دون فواصل أو حدود، يستشهد بآيات من كتاب الله في ثنايا مزيج فكري موبوء ويتطاول على مقام الأنبياء والمرسلين ويتحدث عنهم كما يتحدث أي مفكر غربي عن أبطال الأساطير الإغريقية الوثنية وهذا كلامه «وقصة يوسف هذه مثل عشرات من قصص العذاب في التاريخ: إنها قصة الوحدة المظلمة.. أو الظلم الأسود.. إنها قصة إخوة حقدوا على واحد من الإخوة فألقوه في الظلام» ويتحدث عن يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت «.. ففي بطن الحوت ظلم وظلام..» ويقصد بالطبع ظلم يونس لنفسه ولكنه لا يوضح كلامه ويلقى به ويمضي ولا يتحرك قلبه لنداء يونس.. لتسبيحة يونس.. لتقديسه لخالقه.. لاعترافه بذنبه.. الصاعد من قلبه إلى قلب الحوت الى أبواب السماء «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» كل هذا لا يحرك قلب أنيس منصور ولو كان مثل جبل ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ . (الحشر: ٢١) ماذا يحدث لو تحرك قلب أنيس منصور؟ لتهاوى كل معشوقیه. فروید ومارکس وإنجلز وسارتر و.. و.. إلى التراب، لانكفأت كل الأصنام على وجوهها وخرت ذليلة تتوارى من النور الذي ينبثق في القلب عندما تلامسه إشراقات كلمات الله عز وجل.. بين أيدينا كلمات الله ونتشدق بكلام غيره وبعضنا يعبد كلمات غيره سبحانه..

يتحدث أنيس منصور عن قصة يونس عليه السلام فهل رأى فيها أنها تؤكد أول ما تؤكد حرية الاختيار لدى البشر التي أرادها الله لهم غير منقوصة، فهذا نبي الله يونس يتمتع بهذه الحرية بلا حدود، تضيق نفسه لعناد قومه ويريد أن ينفض يديه من الرسالة ويترك قومه ويرحل.. وهذه أعمال إرادية على أعلى مستوى يتصوره الإنسان فهي على مستوى العلاقة المباشرة بين العبد والمعبود والمخلوق والخالق سبحانه، بين حامل الرسالة ومنزل الرسالة.. ولكن هل يفلت یونس من عقاب ربه.. ومع ذلك وفي آن واحد.. هل يكون بعيدًاً عن رحمة ربه.. ﴿لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ (القلم: 49).

ويتحدث أنيس منصور عن النبي الصابر أيوب عليه السلام «... هرب منه الناس وأصبح حبيساً للمرض والضعف والذل.. ولا أمل عنده في الشفاء» ترى يا أخي كيف يكذب أنيس منصور على أنبياء الله.. هل شعر أيوب بالذل.. هل فقد الأمل لحظة في رحمة الله والشفاء.. هل فكر أنيس منصور قليلاً قبل أن يكتب هذا الكلام وسأل نفسه: كيف يشعر النبي تجاه خالقه وهو في محنة.. وكيف يشعر المؤمن تجاه خالقه وهو في محنة..

إن الابتلاء يسعد قلب النبي والمؤمن كما يسعده رغد العيش واليسر سواء بسواء ففي كل خير وأمر المؤمن كله خير.. وفي قصص القرآن دروس للنبي المرسل محمد- صلوات الله عليه- وللمؤمنين من بعده لكي لا يحزنوا ويقنطوا إذا أصابتهم الضراء والبأساء.. ولا يفرحوا ولا يطغوا إذا أقبلت عليهم الدنيا بزينتها وزخرفها.. هذا خلق المؤمنين الصادقين الذين يعايشون القرآن يتحركون به ويتحرك بهم، ولذلك فهم في كل أحوالهم سادة الدنيا وإن غابت حقيقتهم عن الصم البكم العمى.

إن الدعاة الإسلاميين يبدؤون بدايات كبداية الرسول- صلى الله عليه وسلم- وسط جاهلية مكة والدعاة مبعثرون على امتداد العالم كله وفي كل بلد وقطر ومدينة وقرية وضاحية يجدون أنفسهم محصورین محاصرین في دار كدار ابن الأرقم ويبحثون عن انطلاقة كانطلاقة الإسلام بالفاروق عمر رضي الله عنه فما السبيل إلى هذه الانطلاقة؟ هو الصراع مع رءوس الفتنة، وكان هذا الصراع تامًا أيام الرسول- صلى الله عليه وسلم- أما اليوم فلا أكاد أرى هذا الصراع فهو تلاشي من بعيد وأحياناً كثيرة يعطي كل فريق ظهره للآخر، لا بد من هذا الصراع وإن نأت رءوس الفتنة وتجنبت ميدان الصراع، وليكن للدعاة أساليبهم الحديثـة المتطورة وليبتكروها ابتكاراً والعالم يمتد أمامهم وخلفهم وعن يمينهم وشمالهم في طاقتهم الامتداد إلى هذا العالم كله بالرسالة المكتوبة، ليجلس كل داعية ويكتب رسالة كل يوم لأحد الناس الذين يعرفهم، تاجر كبير أو موظف أو وزير أو كاتب في صحيفة مثل أنيس منصور فكثير من الناس يقرؤون له ومنهم من هو معجب به أشد الإعجاب.. نريد هؤلاء الناس للحق.. للهدى.. نود لو يركل كل منهم معسكر الكفر ويترك مكانه فيه.. في وزارة أو صحيفة أو مجلة ويعلن انتماءه للحق ويشارك في ضرب الباطل.

مصطفى الخولي

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

282

الثلاثاء 24-مارس-1970

يبكون وهم ظالمون

نشر في العدد 1361

94

الثلاثاء 03-أغسطس-1999

بريد القراء (1361)