; ألبانيا.. أين هي من التغيرات في أوروبا الشرقية؟ | مجلة المجتمع

العنوان ألبانيا.. أين هي من التغيرات في أوروبا الشرقية؟

الكاتب أشرف سلامة

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1990

مشاهدات 88

نشر في العدد 952

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 30-يناير-1990

أنور خوجا أراد ألبانيا أن تصبح أول دولة ملحدة في العالم!

المسلمون الألبان يواصلون إقامة شعائرهم الدينية في سرية تامة.

ألبانيا.. أين هي من التغيرات؟

بعد سقوط نظام شاوشيسكو في رومانيا، وهو النظام الذي كان يبدو صامدًا أمام عواصف التغيير التي اجتاحت أوروبا الشرقية حتى أيامه الأخيرة، أخذت الأنظار تتجه إلى آخر معقل شيوعي ستاليني في أوروبا.. إلى ألبانيا الدولة المسلمة التي يحكمها الشيوعيون، وبدأ التساؤل همسًا في الداخل وجهرًا في الخارج عن مصير ألبانيا التي انفردت بالانغلاق على نفسها طيلة عقود من الزمن والتي تبدو الآن كجزيرة وسط محيط التغييرات.. فهل سيبقى الوضع على ما هو عليه في تيرانا، أم أن رياح التغيير لا بد أن تصلها؟

 

ألبانيا خوجا

ألبانيا أصغر أقطار أوروبا مساحة وسكانًا (27000 كيلومتر مربع و3 ملايين نسمة، ويضاف إلى هذا العدد 3 ملايين ألباني في مقاطعة كوسوفو التي يحكمها اليوغسلاف) وثمانون بالمائة من الشعب الألباني من المسلمين. وقد ارتبط اسم هذه البلاد منذ الحرب العالمية الثانية باسم أنور خوجا الذي حكمها منذ عام 1944 وحتى وفاته عام 1985.

 

ويعتبر أنور خوجا التلميذ المثالي لماركس وستالين والوريث الشرعي لهما بمؤلفاته عن الشيوعية التي بلغت أربعين مجلدًا، وفاق بها حجمًا مؤلفات أستاذيه. وانطلاقًا من عقيدته الشيوعية أحكم طوق العزلة على ألبانيا وحكمها بقبضة حديدية لا ترحم؛ فصفى كل خصومه القدامى والجدد، وأراد لهذا القطر المسلم أن يصبح أول قطر ملحد في العالم، فشن الحملات على المسلمين وحول المساجد إلى متاحف ودور للسينما وإسطبلات للخيول، ومنع مزاولة أي عبادة مهما كانت، حتى أن الألبانيين هم الوحيدون في العالم الإسلامي الذين لا يستطيعون الحج إلى بيت الله الحرام.

 

وإذا كان الخروج من ألبانيا أمرًا شبه مستحيل، فكذلك كان الدخول إليها من قِبل الأجانب، وقد ازدادت عزلة ألبانيا بعد أن قطع أنور خوجا علاقاته مع الاتحاد السوفيتي عام 1961 متهمًا الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف بالانحراف عن المبادئ الستالينية ومهادنة أمريكا ومشاركتها هيمنتها الإمبريالية. وفي نفس الوقت عزز علاقاته مع الصين مغتنمًا فرصة الخلاف العقائدي بين الروس والصينيين، ولكن لم تأتِ سنة 1978 حتى يقطع أنور خوجا علاقاته مع الصين أيضًا متهمًا إياها بالاتجاه نحو النظام الليبرالي بعد موت ماو تسي تونغ.

 

عباءة خوجا

كان يُظن أن تنفتح ألبانيا على العالم الخارجي وبخاصة على جيرانها الأوروبيين وأن تكسر طوق عزلتها بعد وفاة الرجل الحديدي أنور خوجا وخلافة رامز عليا له؛ ولكن يبدو أن رئيس ألبانيا الجديد وخلال السنوات الخمس الماضية لم تكن له القدرة أو الإرادة للخروج من تحت العباءة الأيديولوجية لأنور خوجا، فقد بقيت مؤلفات "المؤسس" هي الخبز اليومي الإلزامي للألبانيين في المدارس والجامعات، وبقيت الدعاية الوحيدة المسموح بها على جوانب الشوارع وفي الساحات العامة هي الصور الضخمة لأنور خوجا ومقتطفات من أقواله، الشيء الذي يذكرنا بالثورة الثقافية في الصين في الستينيات. ولا زالت تماثيل ماركس وستالين تتحدى في الساحات العامة المساجد القديمة المغلقة في وجه المصلين، ولكن الألبانيين المسلمين رغم كل التدابير الأمنية وانتشار "الوشايات" يواصلون إقامة شعائرهم الدينية في سرية وتكتم شديدين. ويبدو أن زوجة أنور خوجا التي لا تزال تحتفظ بنفوذها داخل المكتب السياسي للحزب الشيوعي الألباني الحاكم وبعض التلاميذ المخلصين "للمؤسس" هم الذين يضغطون من أجل استمرار السير على نفس النهج الذي اختطه أنور خوجا، وبالطبع يلعب جهاز الأمن القوي "سيفوريمي" المشابه لـ"سيبكور بتات" الروماني دوره في هذه الاستمرارية، ولكن إلى متى؟

 

تجاهلوا ألبانيا

السؤال الذي يخامر أذهان الكثيرين هو: لماذا تجاهل العالم ألبانيا؟ ولماذا يتناساها الشرق والغرب على حد سواء؟ ولماذا تجاهلتها حتى المنظمات الأممية والإنسانية كمنظمة العفو الدولية ومنظمة حقوق الإنسان وغيرها؛ مع أن المواطن الألباني عانى ويعاني من القهر الشيوعي الشيء الكثير؟

 

قد يتبادر إلى الذهن أن سبب ذلك ربما يعود إلى انغلاق ألبانيا وانعزالها عن العالم بشكل لم تعرفه أية دولة أخرى، ولكن هل يكفي تفسير ذلك هو تجاهل وسائل الإعلام الغربية لألبانيا وهي "المولعة" بالتشهير بالأنظمة الاشتراكية وانتقاد الدكتاتوريات؟

 

لا شك أن ألبانيا دولة شاذة في كل شيء؛ شاذة جغرافيًّا باعتبار أن 80% من مساحتها من الجبال وهي تقبع في مكان منعزل استراتيجيًّا على ضفاف البحر الأدرياتيكي بين يوغسلافيا واليونان، وشاذة سياسيًّا فهي دولة أوروبية ولكن على طريقتها الخاصة حيث إنها لا تنتمي لا إلى المعسكر الشرقي ولا إلى المعسكر الغربي، وشاذة حتى في شيوعيتها إذ إنها الآن البلد الوحيد في العالم الذي لا يزال مخلصًا أمينًا للفشل الماركسي، وشاذة اقتصاديًّا حيث تعتبر أفقر الدول الأوروبية وأكثرها تخلفًا؛ ورغم ذلك فهي لا تقبل أية قروض أو معونات من غير الأصدقاء، حتى أن مواطنيها يحظر عليهم تسلم أية طرود أو أموال من الخارج، وتقضي تشريعاتها باقتصار التجارة الخارجية على مبدأ المقايضة فقط، فالنقد في مفهوم النظام الألباني "ليس إلا بدعة من بدع الاستعمار والرجعية". ولكن الأهم من هذا كله هو أن ألبانيا دولة مسلمة بأتم معنى الكلمة، وعلاقاتها التاريخية مع الباب العالي ومع مصر وحتى مع لبنان معروفة ومدونة في كتب التاريخ قبل سيطرة الشيوعيين عليها؛ وبالتالي فإن أي دفاع عن الحريات في ألبانيا يعني الدفاع عن حريات المسلمين، وهذا بالطبع لا يتناسب مع توجهات الإعلام الغربي، ولولا التغييرات المثيرة الحاصلة على امتداد الخريطة الشيوعية في العالم ما كانت ألبانيا لتحظى بهذا القدر الكافي من اهتمام الإعلام العالمي والغربي بها. وكأن وضع ألبانيا المنغلق وما كانت ترزح تحته من قهر وظلم وما كان يعانيه شعبها من تخلف كان يرضي كل الأطراف والقوى المعادية للإسلام، فلماذا التغيير إذن؟

 

بوادر تغيير

شيء ما بدأ يلوح في الأفق الألباني ويبشر الألبانيين بزحزحة الأوضاع المتحجرة منذ عام 1944.. صحيح أن تماثيل ستالين وأنور خوجا لا تزال قائمة في ساحات تيرانا والمدن الألبانية الأخرى، وهي تشرف على أمواج الشباب الذين يشكلون ثلثي السكان والذين يشمون الهواء حتى الساعة 10 ليلًا في الشوارع الرئيسية في هدوء غريب، ولكن بعد هذه الساعة تنغلق أبواب المنازل وتبدو العيون والأسماع الألبانية خفية في التقاط ما يذيعه ويبثه التلفزيون الإيطالي أو التلفزيون اليوغسلافي من خلال الشاشات القليلة في البلاد. وهكذا لم يعد يخفى على الألبانيين شيء. لقد أصبحت الشاشة الصغيرة نافذتهم على العالم وربما النافذة التي بدأت رياح التغيير تتسرب منها وكأنها ثورة الاتصالات تثبت مرة أخرى في ألبانيا أن الجدران المنيعة وأطواق عزلة الشعوب لم تعد تنفع ولم تعد تصد الرياح الآتية من كل حدب وصوب، ولعل هذا ما يفسر الصراعات المحتدمة داخل المكتب السياسي للحزب الشيوعي الألباني بين الانفتاحيين والمتشددين؛ حيث بدأ الخوف من ثورة شعبية عارمة تقلب الوضع رأسًا على عقب في ألبانيا. لقد خفّت حدة التهجمات على بيروسترويكا غورباتشوف وعلى الأحداث في البلدان الاشتراكية التي وصفها الشيوعيون الألبانيون بأنها عمليات انقلابية بدعم الغرب ضد الاشتراكية.

 

لقد ألمح رئيس ألبانيا رامز عليا في خطابه الأخير بمناسبة رأس السنة الميلادية إلى الضغوط التي تثيرها التغييرات الدراماتيكية في أماكن أخرى من أوروبا الشرقية، وأنحى باللائمة على قوى خارجية مناوئة لألبانيا. والحقيقة أن كل القيادات الدكتاتورية عندما تشعر بخطر التغيير يقترب منها تلجأ إلى إيهام الرأي العام الداخلي بوجود أخطار خارجية، في حين أنها تخشى من الداخل ومن التفاعلات الشعبية المناهضة لها. ومن مظاهر عصبية النظام الحاكم في ألبانيا ازدياد الاحتياطات الأمنية في العاصمة تيرانا وشن الحملات الصحفية على كل المعارضين بالداخل والخارج، وتحذير الشباب غير المنضبط وغير المنظم من النفوذ الخارجي المدمر ومن إغراءات الغرب المسمومة. وبما أن التحذيرات والشعارات وحدها لا تكفي فقد أظهر الحزب الشيوعي الألباني ليونة لم يُعرف بها من قبل حيث سمح لبعض الصحافيين الغربيين ولأول مرة بالدخول إلى ألبانيا، وخفف منذ سنتين من مظاهر الاحتفال بمولد ستالين، واتخذ عدة إجراءات لتحسين علاقاته بدول البلقان وخاصة اليونان. وفي الذكرى الأربعين لقيام النظام أطلق سراح العديد من المعارضين السياسيين وفي مقدمتهم إسماعيل قادري، ولأول مرة سمح بنشر رواية تنتقد بشدة جهاز الأمن وما يقوم به من أعمال غير قانونية.

 

ولكن تجربة البلدان الاشتراكية الأخيرة علمتنا أن ثغرة الانفتاح إذا فُتحت لا بد أن تتسع وأن القليل منها يدعو إلى الكثير، وأن عجلة التغيير إذا دارت بعد توقف دام عقودًا من الزمن لا بد أن تتسارع في دوراتها، وقد بدأ كثير من المحللين يتوقعون سقوط النظام الشيوعي في ألبانيا ويقول أحدهم من وزارة الخارجية الأمريكية: إن الشيوعيين في ألبانيا سيسقطون بسبب الضرورة الاقتصادية إن لم يكن بالانتفاضة، وأن هذا السقوط أصبح اليوم مسألة وقت لا أكثر. وإذا كان هذا السقوط في حكم المفروغ منه فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا سيترتب عنه بالنسبة لشعب ألبانيا المسلم؟ وكيف يتعامل الشرق والغرب مع هذه الدولة الأوروبية المسلمة وقد تجاهلها سنين طويلة؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

192

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟

نشر في العدد 14

123

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مفهومات خاطئة 4