العنوان أمة «اقرأ»... هل تقرأ؟
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر الجمعة 20-يناير-2012
مشاهدات 52
نشر في العدد 1986
نشر في الصفحة 56
الجمعة 20-يناير-2012
منذ عقود ونحن نتحدث عن الصحوة الإسلامية وجيل النصر المنشود، وتراجع المشاريع الوضعية التي أورثتنا الانكسار والذل والعار، واليوم يجني الإصلاحيون في أكثر من بلد عربي حصاد نضالهم ويتصدر المشهد شباب واع صاحب همة عالية، أطاح بالطواغيت والمستبدين، وإذا كنا نسلم بأن الوصول إلى تحقيق أهداف الثورات أمر ممكن إذا توافرت الإرادة الحرة فإن المحافظة على استمرار مكتسباتها - وهو الأمر الصعب – يتطلب اكتساب المزيد من المهارات والمعارف.
إن أمتنا عرفت عبر التاريخ بأنها أمة اقرأ أي أمة العلم والأدب والفكر والحضارة والثقافة، وفي عصور خلت عاشت عصورا مزدهرة بفعل اهتمامها بالعلم بنوعيه الدنيوي والأخروي، ولهذا أدعو شباب الأمة إلى تحصين أنفسهم بالقراءة والاطلاع على تجارب الآخرين ولنا في رسول الله ﷺ الأسوة والقدوة، وفي سيرة العظماء والأعلام الدرس والعبرة.
يروي مسلم وغيره عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قال أبو بكر بَعْدَ وَفَاة رَسُول الله ﷺ العمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، كما كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيَا إلَيْهَا بَكَتْ، فقالا لَهَا: مَا يُبْكِيكَ، مَا عِنْدَ الله خَيْرٌ لرسوله. قال: فقالت: ما أبكي ألا أكونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُوله ولكن أبكي أن الوحي انقطع مِنَ السَّمَاءِ. قالَ: فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلا يَبْكِيَان مَعَهَا ... وظلت آثار نزول الوحي تعمل في حياة المؤمنين منذ تلك اللحظة.. وهي كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ! حقًا، لقد ولد الإنسان من جديد باستمداد قيمه من السماء لا من الأرض واستمداد شريعته من الوحي لا من الهوى.
وتحول خط التاريخ كما لم يتحول من قبل، وهو كذلك عبر التاريخ، وكان ذلك مفرق الطرق، وقامت المعالم واضحة عالية رفيعة الشأن جليلة القدر كبيرة النفع لا يطمسها الزمان والأحداث..! وقام في الضمير تصور للوجود والحياة والقيم، لم يسبق بحال، واستقرت قواعد المنهج الإلهي في الأرض، وتبينت معالمه ﴿ليَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَ عَنْ بَينَة (الأنفال : ٤٢ ) لا غموض ولا إبهام، إنما الضلال عن علم، والانحراف عن عمد، والالتواء عن قصد.
إنه الحادث الفذ الكوني الذي ابتدأ به عهد في الحياة وانتهى عهد، وكان فرقانا ي التاريخ، وسجلته جنبات الوجود كله وهي تتجاوب معه، كما سجله الضمير الإنساني.
وبقي أن يتلفت هذا الضمير على معالم الحياة في رحاب الوحي، وأن يذكر دائمًا أنها ميلاد للإنسانية لم يشهده التاريخ إلا في رحاب الوحي.
ويطالعنا قوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقَ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *علَمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ (العلق). ويطالعنا توجيه الرسول ﷺ في أول لحظة من لحظات اتصاله بالملأ الأعلى وأول خطوة من خطواته على طريق الدعوة التي اختير لها، إلى أن يقرأ باسم الله.
وتبدأ من صفات الرب جل شأنه بالصفة التي بها الخلق والبدء.. وتخصص مبدأ الإنسان من تلك النطفة الجامدة العالقة بالرحم.. من ذلك الشأن الساذج التكوين، فتدل على كرم الخالق فوق ما تدل على قدرته .. وإنها لنقلة بعيدة جدا بين المنشأ والمسير، والسير في الطريق والمصير، ولكن الله قادر كريم، ومن ثم كانت هذه النقلة التي تدير الرؤوس وتبرز حقيقة التعليم بالقلم والقراءة وأنهما ما زالا أوسع وأعمق أدوات التعليم أثرا في حياة العظماء ، فقد مات الجاحظ تحت كتبه.. ومسلم صاحب الصحيح توفي وهو يطالع كتابا، والجوزي قرأ عشرين ألف مجلد في شبابه.
وحينما سئل أديسون عن أسباب نجاحه، فقال: القراءة الدائمة بلا انقطاع، والعمل الدائم بلا يأس ..
إن الله عز وجل يعلم قيمة «القلم » فيشير إليه هذه الإشارة في أول لحظة من لحظات الرسالة الأخيرة للبشرية في أول سورة من سور القرآن الكريم ترى هل واقع أمة «اقرأ» يشير إلى أنها تقرأ ؟ .. اللهم وفق !
(*) أستاذ الحديث وعلومه
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل