العنوان أمجاد يا عرب أمجاد
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 26-أكتوبر-2002
مشاهدات 81
نشر في العدد 1524
نشر في الصفحة 45
السبت 26-أكتوبر-2002
العرب الأمجاد في ذهول، تذاع المخططات هنا وهناك عن المشاريع التصفوية والتقسيمية والحربية للأمة، ولا أحد يتحرك أو يستعد أو يأخذ الأمر بشيء من الجد والاهتمام.
والغريب المفجع أن الذين يقدمون على دحر الأمة هم الأصدقاء المدعون، والذين يعدون العدة للقضاء على الكيان العربي دولة دولة هم من نواليهم ونعمل على إرضائهم وخدمتهم ومصانعتهم! وقديمًا قالوا: هل يصادق الذئب الحمل، وهل يكون بين الثعالب والدجاج الغزل؟ لقد عاش أكثر المسؤولين مخدرين حقبًا من الزمان يلهون الناس بالأهازيج الكذاب والأراجيز العذاب! ومن منا لم يسمع ما كانت تردده الإذاعات صباح مساء: أمجاد يا عرب أمجاد في بلادنا كرام أمجاد؟
لعن الإله بني كليب إنهم *** لا يعقلون ولا يفون لجار
يستيقظون على نهيق حمارهم *** وتنام أعينهم عن الأخطار
لقد تعودت أكثر الحكومات خلال أكثر من خمسين عامًا «هي عمر إسرائيل» ألا تواجه مشكلاتها إلا بسطحية مطلقة، فمن انتقد خطأ أو أعلن نصحًا، لا يمكن إلا أن يكون عدوًا لها.
ومن برز وظهر في ميدان من الميادين لا بد من إزاحته حتى يرتاح العاملون والمتسلقون، وتأتي الأخطار تلو الأخطار فتبسط وتهدهد حتى لا تقلق مضاجع النوم الهجوع، وتحل الكوارث تلو الكوارث فلا تجد إلا التسويف وعدم المبالاة.
وهكذا حتى كادت السياسات العربية تصبح نموذجًا واضحًا للفشل في كل شيء ومثالًا بارزًا في تحطيم الإرادة الذاتية للأمة، وتضييع طاقاتها الفاعلة، التي هي في أشد الحاجة إليها لإنهاضها وجبر كسرها.
لقد وضع الاستعمار خططًا لتطويع الإرادة العربية وتدجينها بل وإهلاكها من قديم، يوم تم تقسيم شركة الخلافة في معاهدة سايكس بيكو المشؤومة التي قسمت البلاد العربية بين المستعمرين، واتخذت القرارات بإنشاء دولة الصهاينة وخلق حالة من الشلل في محيط الأمة وبذر الأفكار في وسطها لضياع هويتها وثقافتها، ثم العمل على تفتيت إرادة الأمة بعناصر عدة منها:
أولًا: تشجيع الشعوبية وإثارة النعرات.
ثانيًا: تدعيم مفهوم الولاء الطائفي.
ثالثًا: مساندة الزعامات الضعيفة والعميلة ودفعها إلى مواقع السلطة.
رابعًا: خلق طبقات منتفعة طفيلية ليس لها شرف أو خلق أو دين.
خامسًا: استخدام جميع أساليب التسميم السياسي.
ومجموع هذه العناصر يقود إلى نتيجتين متكاملتين: أولاهما: الفوز بالتبعية نحو الإدارة الغازية، ثانيتهما: الابتعاد عن التكامل والتعاضد بالنسبة للأمة ومصالحها ومقدراتها، والنماذج التي تعيشها الأمة بهذا المعنى عديدة لا حصر لها، بل يمكن القول إن المنطقة وقعت – وبدرجات مختلفة – في هذا الفخ والمنطقة اليوم ما زالت تعيشه وتجني مره وحنظله، وكل من يتابع ذلك المخطط الذي تتابع شره وأذاه يخشى آثاره فيما يلي:
أولًا: نشر الكراهية ضد العالم العربي والإسلامي بل وتشويه صورة الإسلام، أفضل رسالة إلى البشرية.
ثانيًا: تدعيم الترابط الدولي ضد المصالح العربية ولصالح العدوان الصهيوني.
ثالثًا: أخذ خيرات الأمة والتحكم فيها ومنع استعمالها في تنمية شعوبها.
رابعًا: توظيف العداوات الإقليمية، لأن الصراعات الإقليمية يمكن برمجتها وإعادة توظيفها لصالح السياسة الأجنبية، وكذلك توظيف الصراع في الدولة الواحدة وعدم الاستقرار بين الأنظمة والشعوب، كل ذلك يخلق تحالفًا بين ذلك النوع من الأنظمة التي أصبحت منبوذة من الشعوب وتحتاج إلى سند أجنبي يحرسها ويحميها وبين القوى المعادية للأمة.
خامسًا: العمل على اكتشاف مواقع قوى الرفض المتوقعة التي من الممكن أن تقوم بدور فاعل لصالح الاستعمار عند تدجينها، ومساومتها لتكون بديلًا عند انتهاء دور العملاء، أو عجزهم عن الوفاء بما يكلفون به وهم يقصدون إلى تجنيد هؤلاء بعد دراستهم وغالبًا ما يكونون من الذين يشعرون بهضم حقوقهم وقهرهم أو من ذوي الذمم الخربة الذين يتطلعون إلى الرفاهية واليسر، أو من صعاليك الفكر المنحرف ذوي العقد التي تؤدي إلى ضعف الانتماء، وغالبًا ما ينشأ هؤلاء في الأمة المهضومة الحقوق البعيدة عن العدالة والحرية.
سادسًا: العمل على تفتيت الأقطار الكبيرة وتجزئة الدول ذات الأدوار الفاعلة مثل مصر وغيرها، ولنسمع إلى حقيقة هذا الهدف يشرح تفاصيله العالم الإسرائيلي «أوديد بنون» الذي كان في لحظة معينة أحد كبار مخططي السياسة في وزارة الخارجية الإسرائيلية يقول:
«إن من الأهداف الرئيسة لإسرائيل تجزئة مصر، وتحويلها إلى وحدات جغرافية مستقلة بالنسبة لحدود إسرائيل الغربية، وإذا تم ذلك فإن دولًا مثل ليبيا والسودان، بل ودولًا أخرى أكثر بعدًا لا يمكن أن تظل في صورتها الحالية.
وعندئذ سوف تكون لدينا دولة قبطية في مصر العليا ثم عدد معين من الدول الضعيفة، لا تملك سوى قدرة محدودة عوضًا عن الدولة المركزية الحالية، إن هذا هو التطور المنطقي الذي تريده إسرائيل».
ولكن كيف استطاعت «إسرائيل» أن تجعل هذا المنطق يسيطر على الإدراك الأمريكي، وكيف حولت هذا المنطق إلى قناعة تتبناها الولايات المتحدة.
ومن ناحية أخرى، كيف صرنا كلأ مباحًا، وضاعت قوتنا وسياستنا وشخصيتنا وهُنا إلى هذا الحد، وأصبنا بالخبال حتى بدأت فينا إرهاصات هذا المخطط الرهيب، وقد نسينا حتى الشعارات والأهازيج التي كما نتسلى بها؟
أمجاد يا عرب أمجاد *** في بلادنا كرام أسياد
أظن أننا اليوم لا بد أن نتطلع إلى قومة وصحوة ترد الكرامة وتفرح المؤمنين، نسأل الله ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل