; زيارة البابا للولايات المتحدة الأمريكية (٢ من ٢): البابا ومشكلات الكنيسة في أمريكا | مجلة المجتمع

العنوان زيارة البابا للولايات المتحدة الأمريكية (٢ من ٢): البابا ومشكلات الكنيسة في أمريكا

الكاتب د. عبدالله الشيخ

تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1993

مشاهدات 46

نشر في العدد 1065

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 07-سبتمبر-1993

إذا أراد الباحث الحكم على الكنيسة في الولايات المتحدة -بل المؤسسة الدينية المسيحية هنا ككل- بالنتائج أو ما آل إليه مآل المجتمع من انحدار كامل في الأخلاق وجده مختصرًا في تعبير البابا الذي طالما ردده إبان زيارته وهو «سيادة ثقافة الموت» (The culture of Death Dominance). وإذا أراد الباحث الحكم على الكنيسة اعتمادًا على النتائج؛ فإنه لا شك يصنفها كمؤسسةٍ فاشلة بكل ما تحمل الكلمة من معنى... فرغم الإمكانات الهائلة من مصادر مالية.. وخامات.. وأجهزة كمبيوتر.. وطائرات ومبانٍ فخمة تنتشر في كل ركن من أركان الأحياء السكنية في مختلف المدن الأمريكية.. وبث تلفزيوني على مدار الأسبوع.. رغم كل ذلك.. وصل فساد الكنيسة نفسها حدًا يزكم الأنوف.. ففي كل يوم تبث وسائل الإعلام خبرًا عن علاقات غير شرعية بين القسس والمؤمنين والمؤمنات في كنائسهم.

ليس ذلك فحسب، بل وصل الأمر إلى أن يفضي الآباء المسيحيون من قادة الكنيسة هنا إلى الأطفال الأبرياء في علاقات جنسية غير شريفة مستغلين دائمًا مكانتهم الدينية المقدسة.

إن انهيار الكنيسة الأخلاقي هذا -ممثلة في آبائها المسيحيين، ورهبانها، وقساوستها، والموظفين فيها- وتدني مستوياتهم الأخلاقية يمثل قمة المأساة؛ فقد أدت هذه الحوادث والتي وصلت إلى (400 حالة) تم تقديمها للبابا عند زيارته إلى فقدان كامل للثقة في الكنيسة ورسالتها ورجالها، وهذا مكمن الخطر.

وبسبب هذا المستوى قل الإقبال من الشباب على العمل الكنسي في سلك القساوسة، وخلت المدارس المسيحية من الشباب الذين عزفوا تمامًا عن الانخراط في العمل الديني الكنسي للدرجة التي اشتكى فيها القائمون على هذه المؤسسات وصار المصدر الأساسي هو الرجال كبار السن غير المؤهلين والنساء اللاتي يواجهن الآن اعتراضًا كبيرًا من قبل المؤمنين؛ لأنه لم يعرف تسلم المرأة لمنصب «الأب» أو «القس» على مدار التاريخ. وقد وصلت بعض نساء أمريكا إلى مستوى عالٍ في الهرم الكنسي كقسيسات فقد اشتغلن في الماضي كراهبات، وهذا يدلل على عزوف الرجال والشباب بصفة خاصة.

إن أشهر قصص الفساد الكنسي في أمريكا قصة القس "سواغرت"، والذي يرأس كنيسة ضخمة في "باتن روج" في ولاية تينيسي والذي تورط في جرائم الزنا مع بائعات عاديات للهوى، ثم جاء يبكي أمام المؤمنين في كنيسته الضخمة طالبًا منهم الغفران. ثم جاءت الضربة القاصمة للكنيسة عندما تورط ابنها المدلل "جيمس بيكر" القس الشاب والذي بنى مؤسسة كنسية تعمل بملايين الدولارات؛ تورط هو أيضًا في أعمال وعلاقات غير شرعية مع موظفة في الكنيسة. واتضح أنه تصرف في عشرات الملايين من الدولارات التي يتبرع بها المؤمنون للدرجة التي تمتع فيها «كلبه» المدلل بغرفة مكيفة (Air Conditioned Dog Room) في الوقت الذي يعيش فيه الكثيرون من المؤمنين دون مأوى (Homeless).

انحدار الكنيسة وثقافة الموت

نعم، نحى البابا باللوم على ثقافة الموت (The Culture of Death) التي تسود المجتمع الأمريكي، وأشار إلى مسؤولية وسائل الإعلام وتساءل من المسؤول عنها، كما نحى أو تناول بالنقد السلوك الاجتماعي الإجرامي (The Social Death Behavior) وذلك في خطاباته التي تناولت مواقف الكنيسة من «الإجهاض» و«حبوب منع الحمل» والمنشور المسيحي لسنة 1968م والذي يحرم إزهاق الروح... أو الحياة حتى من مراحلها الأولى بعد الحمل مباشرة. وتناول البابا العنف داخل المدن الذي يقوده الشباب المراهق والذي يؤدي عادة إلى جرائم القتل (The Inner City Violence). كل ذلك تذكيه وسائل إعلام لا ضابط ولا رقيب عليها مثل شبكات التلفزيون والتي تعرض يوميًا مسلسلات العنف والقتل صباح مساء، وحتى برامج الأطفال المسماة «بالكرتون» تعج بالأفلام التي تروج العنف والقتل.

اليهود والثقافة الأمريكية

ذلك اللوم إن لم يكن كله فأغلبه ينبغي أن يوجه للكنيسة والتي خارت قواها أمام المارد العلماني الذي يقف خلف ثقافة الموت. إن اليهود يلعبون دورًا كبيرًا في توجيه الإعلام الأمريكي والثقافة الأمريكية؛ فهم وحدهم الذين يقفون خلف السينما وأفلامها ومصادرها المالية الضخمة، وهم يقفون خلف التلفزيون وبرامجه والمواد التي ينبغي أن ترى النور.. وهم يقفون خلف الصحافة مثل "النيويورك تايمز" و"الواشنطن بوست" و"ميامي هيرالد" و"لوس أنجلوس تايمز" و"شيكاغو تريبون" و"بالتيمور صن". كما أنهم -أي اليهود- يقفون خلف المجلات الكبرى مثل «النيوزويك» و«التايمز» والمجلات المتخصصة الأخرى في علم الاجتماع والتاريخ والاقتصاد والعلوم السياسية والعلاقات الدولية... إلخ.

إذن فالثقافة الأمريكية -التي وصفها البابا بأنها ثقافة الموت- لا يوجهها الشعب الأمريكي المسيحي نفسه، إنما يخلقها ويوجهها اليهود ومجتمعهم في أمريكا بإمكانياته الفكرية والمالية الضخمة. ولئن كان هناك لوم يقع على الكنيسة فإنه يتأتى من ضعفها الشديد أمام المارد العلماني-اليهودي الذي تركت له الحبل على الغارب ليشكل عقلية أمريكية منقطعة تمامًا عن القيم الدينية!

ضغوط الحياة الاقتصادية والاجتماعية وثقافة الموت

من الأسباب المفضية إلى ثقافة الموت في الولايات المتحدة ضغوط الحياة في جانبيها الاقتصادي والاجتماعي على الناس؛ فقد برع الاقتصاد الرأسمالي في نشر وتجميل الاتجاه الاستهلاكي (Tendencies of Consumption) وصار الناس يميلون إلى الاستهلاك، وتنشر وسائل الإعلام أسلوب الاستهلاك البذخي في بيوت الأغنياء المترفين فيرى الفقراء كيف يعيش الأغنياء وكأنهم عالم آخر ليس الولايات المتحدة، فتولد هذه الفوارق الاقتصادية شعورًا بالإحباط عند الفقراء فيلجأون إلى القتل والنهب والعنف.

ومن عجائب الأقدار أن لقي والد أشهر لاعبي كرة السلة في العالم السيد "جيمس جوردون"، والد نجم السلة «مايكل جوردون»، حتفه على يد اثنين من المراهقين الذين لم تتعد أعمارهم (18) عامًا، حيث قتلاه رميًا بالرصاص في ولاية كارولينا الشمالية وهو في نوم خفيف داخل سيارته ماركة "ليكسس" قدر ثمنها بمبلغ 46 ألف دولار، وذلك في جانب أحد الطرق، ثم استولى المراهقان على السيارة بعد أن ألقيا بجثة القتيل في إحدى البرك في ولاية كارولينا الجنوبية.

حدث هذا إبان زيارة البابا، وكانت وسائل الإعلام تنقل أخبار زيارة البابا جنبًا إلى جنب مع أخبار هذه الجريمة البشعة، ولكن البابا لم يتطرق إلى الفوارق الاقتصادية وأثرها على حياة الناس وأمن المجتمع؛ فمثل هذه المجالات التي تغوص إلى جذور المشكلات ليست من اختصاص الكنيسة وكبار آبائها، فهم أنفسهم يعيشون في مجتمع مخملي وحياة رغدة متخمة لا يشعرون معها بضغوط الحياة على عامة الناس. وكل صلة هؤلاء الآباء المسيحيين بالناس لا تتعدى ساعة من نهار كل يوم أحد، في أشكال روحية خالية من كل معنى في كنائس مهجورة رغم جمالها، ثم يتفرق الجمع حتى يوم الأحد القادم.

البابا والرئيس الأمريكي ونائبه.. وتعاليم الكنيسة

هرع الرئيس "بيل كلينتون" ليكون في استقبال البابا في مطار "دينفر" بولاية كولورادو عند وصوله يوم 13/8/1993م. وفي المطار تبادلا الكلمات وهي التي أظهرت مدى اختلاف الرجلين في المواقف الكنسية؛ فالرئيس الأمريكي مساند كبير لحق النساء في الإجهاض والبابا يقف ضد ذلك، والرئيس الأمريكي مساند كبير لحقوق الشاذين جنسيًا والبابا يقف ضد ذلك.. والرئيس الأمريكي يقف ضد قيم الأسرة التي يتبناها اليمين المسيحي ورجال الكنيسة والبابا يساند قيم الأسرة.

وكلا الرجلين تحدث عن شجبه للقتل الجماعي (Human Genocide) ولكنهما يقفان في ركن المتفرجين على القتل الجماعي والتطهير العرقي (Ethnic Cleansing) في البوسنة والهرسك. ورغم الاختلافات الشاسعة في المواقف بين الرجلين فهما يقفان على قمة الهرم المسيحي في العالم؛ أحدهما يرأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم والآخر يرأس أقوى وأغنى بلد مسيحي في العالم. وكل يعرف دوره الذي صار إليه تطور الحياة في الغرب منذ تدابر الدين والحياة في العصور الوسطى، عندما ذهبت الكنيسة ورضيت بدور هامشي في الحياة الخاصة لمجتمع المؤمنين، بينما ذهبت الدولة بكامل الحياة العامة للناس.

إن هذا -الفصام النكد- بين الحياة والدين في المجتمع الغربي عامة والمجتمع الأمريكي خاصة هو مكمن الداء والسبب الرئيسي للبلاء، ولئن انتشرت ثقافة الموت وراجت بمساعدة عوامل أخرى فإن الفصام النكد يمثل أساس الداء ومكمن البلاء. هذا وسوف تذهب هذه المجتمعات في انحدارها الأخلاقي المعروف الذي يتحدث البابا عن أعراضه دون الإشارة إلى أسبابه، وتلك هي قمة المأساة في الحياة الغربية.

الرابط المختصر :