; أمریکا.. «مادوزا» العصر الحديث | مجلة المجتمع

العنوان أمریکا.. «مادوزا» العصر الحديث

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 29-مارس-2008

مشاهدات 73

نشر في العدد 1795

نشر في الصفحة 22

السبت 29-مارس-2008

  • بعد خمسة أعوام من القهر والحرمان والجوع والقتل والتهجير.. صار كل شيء حطاما!

  • الطائرات الأمريكية أسقطت أطنانا من اليورانيوم والمواد المشعة على مساحات واسعة.. و «الويل السرطاني» يفترس مئات الآلاف من المواطنين.

  • عدد هائل من العلماء والأطباء والمبدعين ورجال الأعمال هاجروا إلى دول أخرى هربا من الخطف والابتزاز والقتل.

  • جريمتان تعمدهما الاحتلال: تغييب العمق التاريخي للعراق بطمس معالمه الحضارية.. ونشر الفوضى في البلاد بحل المؤسسة العسكرية والأمنية. 

  • أفعى الموساد الإسرائيلي تصول وتجول في مدن العراق وتمارس أبشع عمليات اغتيال للعلماء وتصفية العقول في تاريخ البشرية.

تملك قدرة تدميرية هائلة لكل شيء بمجرد تصويب نظراتها إليه: فتشتعل فيه النار فيصير رمادا.. (مادوزا) امرأة أسطورية خارقة تملك من القدرات الاستثنائية. 

الباراسايكولوجية أو السحرية أو ما شئتم من التسميات ما يفوق الوصف.. تتمركز في عينيها، فبنظرة واحدة منها تحرق الأخضر واليابس.. هكذا تقص علينا إحدى الروايات التي أخرجت في ثمانينيات القرن الماضي فيلما سينمائيا لقي رواجًا كبيرا..

وأمريكا هي مادوزا القرنين العشرين والحادي والعشرين. ما من بلد تمسه يداها، وتلاحقه نظراتها، وتطوه قدماها. إلا وتشتغل فيه النار في زمن قياسي، فما يلبث إلا قليلًا حتى بيبس ويصير حطامًا.. 

قدرات أسطورية خارقة على التدمير لا يردعها رادع، ولا توقفها قيمة خلقية أو نداء إنساني أو صوت حضاري أو إشارة دينية.. متجاوزة كل ما هو أخلاقي وإنساني وحضاري وديني.. ماضية إلى هدفها المشؤوم بإحكام قبضتها على العالم، وفق رؤية هويزية أخذت تتبلور في العقل القيادي الأمريكي منذ العقود الأخيرة للقرن الماضي، تعتقد أن الدولة الكبرى لن تظل كبرى، ما لم تستخدم أقصى وسائل القوة في التعامل مع العالم، وبذلك وحده تحقق أمنها الذاتي ومصالحها الإستراتيجية وتحظى باحترام الآخرين.. والتوسل إليها بأن تعطيهم شيئًا من الفتات الذي يقيهم غائلة الجوع.

«أكليروس» القرون الوسطى صارت أمريكا العصر الحديث.. تمنع وتمنح وبصكوك الرضا أو الحرمان تمسك المستضعفين في الأرض من رقابهم. فتسوقهم إلى النعيم، أو تقذف بهم في الجحيم.

الأمريكي الكريه: عندما قرأت عرضًا لرواية «الأمريكي الكريه»، لمؤلفيها «ونيم ليدرر، ويوجين بورديك»، ورواية «الأمريكي الهادئ» لـ «جراهام جرين» وشاهدت فيلم «الرؤية الآن» على شاشة التلفاز، والذي يحكي عما فعلته أمريكا في فيتنام، ما كنت أتصور أن البشاعة البشرية تبلغ هذا الحد من التعبد للقوة المحضة والميكيافيلية، في التعامل مع الشعوب المستعمرة.

فيما بعد، وغير ما شهدته الصومال، وأفغانستان تأكد لي ذلك مضروبًا بعشرات الأضعاف، وعندما جاء الدور على العراق كنت. لسوء الحظ – شاهد عيان على واحدة من أبشع المجازر البشرية والحضارية والأخلاقية في تاريخ الإنسان على الإطلاق! 

الـ «مادوزا» اللعينة لمست بلدي بنظراتها المخيفة، فأحرقت الأخضر واليابس.. وغير خمس سنوات من القهر والحرمان والجوع والقتل والمرض والتهجير والهدم والحرق والتفجير.. صار كل شيء حطامًا.

جريمتان نكراوان: ومنذ البدايات السوداء الأولى للاحتلال أقدمت سلطة الاحتلال وقواته على جريمتين ليس ثمة أبشع منهما في تاريخ التعامل بين الغالب والمغلوب على الإطلاق. 

فأما أولاهما: فهو السماح لقوى التخريب بنهب وإحراق وتغييب العمق الحضاري للعراق عبر الدمار الشامل الذي اتي على المتاحف والمكتبات ومراكز التوثيق والمخطوطات ومعارض الفنون والمساجد والشواخص التراثية.. ليس السماح فقط. وإنما هو الإغراء والإغواء والتشجيع على المضي في المجزرة الثقافية حتى نهايتها... كانت الدبابات تعين المهاجمين بتسليط مدافعها على أبواب المتاحف والمراكز الثقافية المقفلة لكي تنفتح فيتدفقون إليها.... أكثر من ذلك. فثمة ما تواترت الروايات عنه من أن أمريكا دربت بضع مئات من أزلامها في «رومانيا»، وربما في «المجر». قبيل الحرب، فجاءوا مع القوات الأمريكية وكانت مهمتهم النهب والحرق والتخريب وطمس المعالم الحضارية للعراق.

ومعروف أن الذي يسرق لكي يشبع يحتفظ بما سرقه لكي يعرضه في الأسواق السوداء ويقبض ثمنه.. أما هنا، فالذي حدث هو تدمير وإحراق الكتب والموجودات والمخطوطات واللوحات والآثار والأشياء.. بل تخريب الأبنية والدوائر نفسها التي كانت تضم جناحيها على هذا التراث الذي لا يقدر بثمن، والذي يعكس وجه العراق الأصيل. 

وأما ثانية الأثافي فكانت أشد هولًا.. إجراء نقذه بول بريمر الحاكم الأمريكي السابق في العراق ينطوي على حيث العالم كله.. على قصدية مترعة بالسوء تستهدف ترك ظهور العراقيين وأرواحهم وأموالهم وأعراضهم وعقولهم وخبراتهم ومصائرهم مكشوفة تمامًا لسكين القتل والإبادة والاغتيال والتهجير والتهديد والابتزاز. 

حل المؤسسة العسكرية والأمنية!! فيصير البلد بجرة قلم بلا جيش، ولا شرطة، ولا حرس حدود ولا قوى أمن أو مخابرات.. مكشوف تمامًا كجسد نزع عنه الجلد بقسوة فأصبح لحمه وأعصابه يتأذيان للمسة عابرة أو لفحة هواء لم يشهد التاريخ المعاصر، وغير المعاصر، فعلة نكراء كهذه.. ففي كل الحالات التي يحدث فيها تغيير للسلطة، بثورة شعبية أو انقلاب عسكري كانت المؤسسة العسكرية والأمنية تمارس مهمتها في حماية ظهر الوطن والمواطن، وفي كل الحالات التي يستعمر فيها بلد من البلدان كانت هذه المؤسسات تواصل البقاء.. أما في العراق فإن لمسة الـ «مادوزا» الأمريكية السوداء فككتها وألغتها من الحساب.

نفس صهيوني

ما الذي كان يعنيه ذلك، فيما كان بريمر، ومن ورائه الإدارة الأمريكية يعرفانه بكل تأكيد ويريانه رأي العين وفيما ينبئ بصيغة القطع والتأكيد أن وراء الأكمة ما وراءها.. وأن هناك قصدية مسبقة. ذات نفس صهيوني، لسَوْقِ العراق والعراقيين إلى حتوفهم.

لن يتسع المجال للحديث عن التفاصيل فلقد تناقلتها الفضائيات والصحف ووكالات الأنباء يومًا بيوم، عبر السنوات الخمس العجاف اللواتي أكلن كل ما تبقى للعراق والعراقيين بعد اثني عشر عامًا من الحصار القاسي كل ما تبقى وبكل ما تنطوي عليه العبارة من معنى.

حصاد السوء

وهذه مجرد تأشيرات سريعة على حصاد السوء هذا قد تغني عن التفاصيل:

1– فتحت بوابات الشر على مصراعيها أمام السفلة والقتلة والمبتزين لإرغام التجار وأرباب المصانع وأصحاب الأموال، بل حتى الموظفين والأطباء ومتوسطي الحال، على دفع الإتاوات القسرية الباهظة عن طريق اختطافهم أو أحد أبنائهم والتهديد بالقتل إن لم يتم المطلوب.. وما أكثر الذين قتلوا لأنهم أو أسرهم ما كانوا بقادرين على دفع المبلغ المطلوب.

٢– هذا الرعب اليومي دفع عددًا هائلًا من التجار والصناعيين والأغنياء وكبار الموظفين إلى الهجرة إلى بلدان أخرى هربًا من القتل والابتزاز الأمر الذي أفقد العراق ماكينته الاقتصادية الفاعلة، وقاد فعالية التجار والصناعيين والزراعيين إلى ما يشبه الشلل.

3 – تحركت يد سوداء لا يدري أحد مصدرها تحديدا لتصفية الأطباء المتميزين أو إرغامهم على الهجرة.. وبمرور الوقت انكشف الغطاء الصحي لملايين المواطنين الذين يعانون من حالات مستعصية وليس ثمة طبيب قدير على إخراجهم منها.

4– راحت سكين الموساد الإسرائيلي.. تصول وتجول في مدن الاحتلال الأمريكي تمارس واحدة من أبشع عمليات التصفية العقلية في تاريخ البشرية.. وحتى لحظة كتابة هذه السطور اغتيل في العراق على مدى خمس سنوات ما يزيد على الثلاثمائة عالم ومفكر ومبدع وخبير وباحث وأستاذ جامعي.. ووجد كثير من هؤلاء أنفسهم مرغمين على الهجرة قبل أن تطالهم سكين الموساد.

وإذا كانت عبارة نزيف العقول، تطلق في السابق مجازًا على هجرة العلماء فإنها في الحالة العراقية أصبحت فعلًا واقعًا، عبر سلسلة متواصلة من اغتيال النخب المتميزة، في ضوء قوائم أحكم الموساد اختيار ضحاياها، وتم كشف النقاب عن بعضها بينما ظل بعضها الآخر في طي الكتمان.. وأداتهم في التنفيذ سفلة الخلق ممن يدفعون لأحدهم مائة دولار أو مائتين فيأتيهم برأس هذا العالم أو ذاك وبواسطة مسدسات كاتمة للصوت أو رشاشات خاصة يعرف رصاصها كيف يتفجر في الرؤوس والأجساد.. والطريق لا يزال مفتوحًا لتصفية المزيد ما دام هناك أمريكي واحد في العراق.

5– اندفعت المليشيات الطائفية المتعطشة للدم لكي تمارس -وقد غاب الغطاء العسكري والأمني- مذابحها اليومية التي حصدت عشرات الآلاف من المواطنين.

٦-مؤشر الخدمات الضرورية يتراجع يوما بعد يوم باتجاه الصفر. حيث لا ماء ولا كهرباء ولا غاز ولا بنزين إلا بالمقادير التي لا تكاد تسد عشر معشار الحاجة الضرورية القصوى للمواطنين.

7-المدن أصبحت كالمقابر بما لحقها من دمار.. أبنية مهدمة ودور محترفة وشوارع تنتشر على صفحتها الحفر العميقة، كالجروح المتقيحة في الجسد المريض.

8 – مئات الآلاف من الأرامل واليتامى والثكالي والمعوقين.. ومع هؤلاء مئات آلاف أخرى من العاطلين عن العمل الذين لا يجدون ما يسد الحد الأدنى من حاجاتهم الأساسية.

9 – الارتفاع المتزايد في أسعار المواد الغذائية.. والفقير المسحوق الذي كان يعتمد في طعامه على البصل أو الفجل والخير، والذي كان يلجأ إلى الباذنجان لكي يقليه بالزيت ويلتهمه مع الخير، لم يعد بمقدوره شراء هذه المواد التي تفوق قدرته على الشراء!!

١٠ – السرقات الكبرى ذات الأرقام الفلكية التي تتعرض لها أموال العراق ونفطه على وجه الخصوص – ذلك الذي تتولى عصابات المافيا، تهريبه، بعيدًا عن رقابة وضبط العدادات إلى بلدان شتَّى بأسعار أرخص بكثير من أسعاره العالمية... وما خفي كان أعظم، فلا يدري أحد ما الذي تم عقده من صفقات غير معلنة مع الشركات الأمريكية نفسها والتي تستأثر. بطبيعة الحال، بحصة الأسد. وتعد نفسها بضمان مستقبلي إستراتيجي للوطن الأم من ثاني أكبر خزين احتياطي للنفط في العالم. قد يغذي أمريكا ويمد في عمرها التقني لأكثر من قرن من الزمن

١١– وهناك أخيرا – وليس آخرًا، أطنان اليورانيوم والمواد المشعة التي أسقطتها الطائرات والصواريخ الأمريكية على مساحات واسعة من العراق، فيما أنذر وينذر بالويل السرطاني الذي راح يفترس مئات الآلاف من المواطنين، فضلًا عما لحق بأطفال العراق الذين يحصدهم التشوه والمرض والموت حصدًا ولما يتجاوزوا من العمر الأشهر أو السنوات المعدودات.

الرابط المختصر :