العنوان تأملات تاريخية- أمير بلا حراسة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1981
مشاهدات 65
نشر في العدد 554
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 29-ديسمبر-1981
أرسل كسرى دولة فارس مبعوثًا رسميًّا إلى أمير المؤمنين في دولة الإسلام، وعندما دخل المبعوث الرسمي «المدينة» عاصمة الدولة، لم يكن هناك جنود مدججون بالسلاح لحمايته، ولا قوات الأمن المنتشرة في الشوارع، ولم يكن هناك حرس خاص ولا حماية شخصيات. لقد دخل المدينة بصورة معتادة، وصار يسأل المارة: «أين فخامة الرئيس وسمو الأمير عمر بن الخطاب». فهو قد ألف ألفاظ التفخيم والتعظيم والإجلال، ولم يتوقع أن يرى حاكمًا في الأرض من دون ألقاب وهالة وهيلمان.
ورغم استغراب المارة وتعجبهم وأعذارهم لهذا الغريب القادم من «فارس»، إلا أنهم أشاروا إلى بيته المتواضع علَّه يجده هناك.
وعندما ذهب إلى البيت لم يكن هناك حرس جمهوري ولا إمبراطوري ولا ملكي ولا أميري ولا سلطاني، إنما بيت من الطين سقفه من «سعف» النخيل لصيق بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك أشاروا له على شجرة قد يجده نائمًا تحتها.
لقد كان هذا المبعوث يعيش فترة من الذهول والدهشة وسلسلة من المفاجآت غير المتوقعة، شيء لا يصدق ولا يتوقع! وعندما وقف تحت الشجرة أشاروا له على رجل بسيط، طويل عريض المنكبين، آثار الإجهاد والتعب والجوع ترتسم على ملامحه، ثوبه قصير، يفترش الأرض ويتلحف السماء، ويرقد هانئًا مطمئنًّا قرير العين، بلا حراسة، بلا سلاح، بلا شيء!
وهنا نطق الحكيم الفارس والمبعوث الرسمي بحكمة يعلمها جيدًا وشاهدها لأول مرة في حياته، نطق بكلمته المشهورة:
«عدلت.. فآمنت.. فنمت».
واليوم لا ينام الحكام إلا تحت حراسة مشددة، وجنود مدججين بالسلاح، وسلاح جوي ومدفعي، على أهبة الاستعداد لمواجهة أي انقلاب أو اعتداء. يشيدون بيوتهم في مناطق مفرغة من السكان، تصل في بعض الأحيان إلى دائرة قطرها كيلومترات ولا يقترب منها إنسان، ولا يسمع من بعدها صوت الثكالَى والأطفال والأبرياء الجياع. محرومون من التنقل بين الناس والتجول في الأسواق وزيارة الأقارب والأحباب. لا يسافرون إلا بمئات الرجال من حماية الشخصيات، ولا يظهرون في المناسبات الرسمية إلا بتغليب نسبة المباحث ورجال الأمن على بقية الحاضرين.
لا يتحركون إلا وتحت ثيابهم ألبسة واقية من الرصاص، ولا يخرجون إلا بسيارات لا يخرقها الرصاص، وزجاج لا يهشمه الرصاص، ومجموعة سيارات متشابهة تموه على المارة، وعشرات الدراجات النارية في الأمام وعشرات في الخلف، وسيارات النجدة في المقدمة، وسيارات النجدة في المؤخرة، وحركة المرور تتوقف، ورجال المباحث ينتشرون، وربما حلقت طائرات «الهليكوبتر» الهوائية فوق الموكب!
حياة لا تطاق، وقلق لا ينتهي، ورعب مستمر.
رحم الله عمر بن الخطاب، عاش آمنًا مطمئنًّا. وعلم قبل موته بمؤامرة أجنبية يدبرها له مجموعة أجانب حاقدين، ورغم كل هذا لم يغير من الطابع الأمني للحياة السياسية والاجتماعية.. لقد كان أميرًا بلا حراسة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل