العنوان حَاجَتُنَا المُلحَّة لكتَاب الله
الكاتب الدكتور عباس محجوب
تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-1977
مشاهدات 79
نشر في العدد 335
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 01-فبراير-1977
حاجة الناس للقرآن الكريم لا تنتهي، كما أن المدد القرآني للإنسانية أفرادًا وجماعات لا ينقضي إلى يوم القيامة، فالقرآن كما نعلم كتاب هداية وإرشاد وسياسة وعلم ومعرفة وحياة، ثم هو إلى جانب ذلك كله كتاب تثقيف وتأديب وإصلاح وتهذيب، ما لازمه أحد بقراءته مفكرًا متدبرًا، متمعنًا في معانيه، متذوقًا لألفاظه، إلا ازداد هداية ووعيًا وثقافة وعلمًا وتهذيبًا وخلقًا؛ لذلك قال عنه الرسول عليه الصلاة والسلام: «فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعي إليه هُدي إلى صراط مستقيم».
فما أحوجنا إلى أن نتدبر هذه الكلمات التي أوضحت الطريق، وبينت الهدف، وحددت الوسيلة، ثم ننظر في حال المسلمين اليوم، هذه الفتن التي تعمهم، والضلالات التي يعيشون فيها، والخرافات التي غرقوا فيها، والجهالات التي فرحوا بها.
والقرآن يقص علينا خبر من سبقوا من الأمم والشعوب التي ضلت الطريق، ونبذت الأنبياء، وخالفت رب العزة؛ فلحق بها ما لحق من عذاب الله وغضبه، ورغم التكرار القصصي لمصير هذه الأمم، إلا أن البشر تعودوا ألا يتعظوا ولا يتدبروا، والقرآن يبين لهم في صور مرئية محسة ما سيكون عليه الحال يوم لا ينفع الندم، ولا يجدي الأسى، ويعرض مرئيات ومشاهد سنعيشها ونراها، ونسمع حوارًا يدور بين خزنة النار وروادها وبينهم وبين أهل الجنة.
﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ﴾. (المدثر:40 : 47)
وما أكثر هذا النوع من الحوار والصور المرئية في القرآن الكريم، ومع ذلك فدأب الإنسان أن ينسى ولا يتذكر، وأن يهون من الأمور - ولا يتفكر والله سبحانه يخبرنا أنه أنزل كتابه ليسعد به المتدبرون والمتذكرون: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. (ص:29) ويقول: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾. (محمد:24)
وحال المسلمين اليوم ينطبق عليه ما ذكره المصطفى عليه الصلاة والسلام، فقد تركوا القرآن؛ فتفرق جمعهم، وتبدد شملهم، وشمت أعداؤهم، وأصبحوا شيعًا وأحزابًا، يطلبون الهدى، وينشدون الاستقرار في أنظمة الغرب تارةً والشرق تارة أخرى، فتاهوا في الضلال حتى اضطربت الأحكام عندهم، وامتزجت الرؤى الواضحة بالأباطيل المظلمة، وأصبحوا هدف كل مستعمر، وغرض كل طامع، وهانوا عند غيرهم بعد أن هانوا على أنفسهم.
إن هذا القرآن الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صنع أمة ما ظهر لها نظير في التاريخ، و بنى حضارة قيمية أخلاقية ما حملت حضارة بشرية ما حملتها وبذرتها من عوامل الخلود والنماء والتطور، وخرج رجالًا ما جاد الزمن بمثلهم، حملوا رسالة السماء، ورفعوا راية الجهاد، وأقاموا مجتمع الحرية والمساواة والعدل والكفاية، ما أقاموه بشعارات براقة ولا وعود حالمة، بل أقاموه بكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنهم كما بشر به الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ما طلبوا الهدى في غيره وتمسكوا إلا بحبله، وكان ذكرهم الدائم وطريقهم القويم ومعجزتهم الأسرة، قالوا به فصدقوا، وعملوا به فأجروا، وحكموا به فعدلوا، ودعوا إليه فهدوا، ما زاغت به أهواؤهم، ولا شبعت منه نفوسهم، ولا ملت من ترداده ألسنتهم، تمثلوه منهجًا في حياتهم، وشريعة في مجتمعهم، ونظامًا في أسرهم، وصلة بربهم، لذلك كله لا بد من عودة إلى كتاب الله قراءة وتدبرًا، ومعايشة وتفكرًا، ومنهجًا للحياة، وأسلوبًا للعيش، ونظامًا للحكم، وأساسًا للتشريع، ورسالةً للأمم، وهداية للبشرية؛ لأن العالم تزداد حاجته اليوم إلى كتاب الله لينير له الطريق، ويخرجه من الظلام، ويدله على الجادة، فالتقدم المادي العلمي لحضارة اليوم محتاج إلى قوة روحية تخلق التوازن، وتقدم القيم، وتمنح الطمأنينة والاستقرار، ولن يكون ذلك إلا بكتاب الله الذي يكشف التقدم العلمي للبشرية كل يوم- عن كنوز في آياته، وجواهر من أحكامه وتعاليمه مصداقًا لقوله تعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾. (فصلت:53) صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل