العنوان أهمية ثقافة الذات الحضارية
الكاتب د. إبراهيم نويري
تاريخ النشر الخميس 01-سبتمبر-2016
مشاهدات 76
نشر في العدد 2099
نشر في الصفحة 73
الخميس 01-سبتمبر-2016
المفكر الإسلامي مالك بن نبي أحد أهم الرواد القلائل الذين أكدوا أهمية الثقافة الذاتية في عملية التغيير والاستنهاض والتنمية والإقلاع الحضاري
من عوامل تأخُّر الأمم والشعوب إنكارها لذاتها وعدم معرفتها لتاريخها وجهلها برجالها وعظمائها
أي حركة استعمارية تتمكّن من السيطرة على بلد ما تشرع في تطبيق برنامج التبديل الثقافي وتغيير الخلفية الفكرية التي تتحكم في مقومات شخصيته
قاعدة الإسلام في البناء والإنجاز الحضاري لم تتنكر يوماً لتجارب الحضارات الأخرى ولم يعرف عن المسلمين الأوائل تجاهل الإفادة من ثمار الأمم الأخرى
الأمل الذي أضحى يحدونا على طريق العودة إلى الذات يجيء بعد رحلة مضنية من المتاهات التي عاشتها أمتنا في البحث عن مناهج رشيدة
د. إبراهيم نويري
كاتب وباحث أكاديمي - الجزائر
أعتقد من خلال قراءات وتأملات متواصلة أن هناك إجماعاً كاملاً بين أصحاب الشأن والاعتبار في عالم المعرفة وشؤون الرأي والفكر والتحليل والمتابعة، على أن التخلف الحضاري بمفهومه الشامل، إنما هو نتيجة موضوعية لجملة من الأسباب المتراكمة المعقّدة، وأن الدوائر التي تتشكّل من نسيجها العام هذه المعادلة ينبغي أن تخضع باستمرار للفحص الفكري الحصيف والتنظير الهادئ المتزن، كما توضع بعض الجراثيم والعلل الفتاكة داخل المراقب العلمية والمجاهر الطبية الدقيقة.
ولعلنا لا نغالي في قليل أو كثير إذا قلنا: إن حجر الأساس المتفق عليه وعلى خطورة شأنه في هذا المضمار «مسألة الذات» وانتماءاتها الفكرية والثقافية والحضارية، فمما لا ريب فيه مطلقاً أن العامل الأول والفاعل الحيوي الذي يسوق إلى تأخير الأمم والشعوب ويؤدي بالضرورة والتبعية لذلك، إلى تدهورها الفكري والاقتصادي والاجتماعي والسياسي والحضاري والإنساني؛ إنما هو إنكارها لذاتها، وعدم معرفتها لتاريخها وجهلها برجالها وعظمائها، ولا شك أيضاً أن هذا الانفصام السرطاني المدمر إذا ما حدث في كيان أمة من الأمم فإنه يباعد بين خلفها وسلفها، وبين حاضرها وماضيها، وبين ما هو ثابت وما هو متطور في نظمها وقيمها ومنظوماتها المختلفة.
وبكلمة واحدة؛ فإن أي أمة اكتسح هذا المرض العضال جسمها فهو لا محالة سيعصف بمراكز القوة والحيوية والعنفوان في أعماقها، ويرديها من ثمة كياناً هامداً لا روح فيه ولا حياة، وما ذلك إلا لكون الموروث العقدي والثقافة الذاتية يكونان قد فقدا صلتهما العضوية الحية داخل هذا الكيان.
سر التقدم والازدهار
من هنا رأينا الأمم الكبيرة الصاحية المتيقظة والشعوب النابهة في كل وقت وحين، تحافظ على جذورها الحضارية، وتنطلق من القسمات المحدِّدة لهويتها وشخصيتها المتميزة في كل ما تأتيه من عمل، وما تقوم به من إنجازات وتحققه من مكاسب.
لقد وعت الأمم المتقدمة والشعوب المثقفة الجادة هذه الحقيقة الرائعة البسيطة في الوقت ذاته، فتمهدت أمامها أسباب الازدهار، وانداحت لها أساليب النهوض والرقي والتألق العلمي والحضاري، وليس أدلَّ على كون هذه الحقيقة الرائعة البسيطة في ذاتها، العميقة في مكونات المعادلة الحضارية؛ هي سرّ كلِّ تقدم أو بناء وازدهار أو تغيير إيجابي فاعل.
ومن جهة أخرى؛ فإن هذه الخلفية العقلية والنفسية والوجدانية هي التي أعيت المشرفين والقائمين على برامج ومحاولات غرس واستنبات المناهج الاقتصادية والتنموية والبنائية ونحوها في بيئات إنسانية ومناخات ثقافية وحضارية غريبة عنها؛ لأن تلك المناهج والبرامج وليدة نفسية وعقلية متمايزة في بنيتها التكوينية وخصوصياتها العامة الفكرية والعقدية ونحوها، عن النفسية والعقلية السائدة في تلك البيئات التي يُراد تغييرها وتحويلها، وتنفيذ تلك البرامج والمناهج على ربوعها وفي سياقاتها الاجتماعية.
هذه القضية المهمة والمركزية أيضاً في أدبيات برامج التنمية والإقلاع الحضاري ونظريات التغيرات الاجتماعية والتحولات السياسية، تحاول الدوائر الاستعمارية وأجهزة الرصد المعادية للآخر المتمايز عنها فكرياً وحضارياً - لا سيما إذا كان هذا الآخر يتمثل في العرب والمسلمين - إخفاءها وحجبها عن الوعي الجمعي ومراكز التأثير والقرار في الأمة، أو التهوين من قيمتها وشأنها وجدواها في أضعف الأحوال والمواقف؛ أي في حال التأكد من وجود وعي بحقيقتها في واقع الفكر والحركة والسلوك.
ونحسب أن المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي هو أحد أهم الرواد القلائل الذين أسهموا – ضمن نتاجهم الفكري والمعرفي - في جهود التشديد على أهمية وقيمة الثقافة الذاتية في عملية التغيير والاستنهاض والتنمية والإقلاع الحضاري، ومحاولات تخطّي سدود التخلف، ووهاد التردي والانحطاط، خاصة بالنسبة لوضعية العالم الإسلامي، من منطلق كونه مفكراً مسلماً عاش حياته يفكر في معادلة نهضة العالم الإسلامي والأمة الإسلامية، وإمكانية إحياء دورهما الريادي المؤثر في نطاق الإسهام الحضاري والإنساني في مختلف المجالات.
وفي سياق الحديث عن البعد الغائب في برامج التنمية التي طُبّقت في الكثير من أنحاء ربوع العالم الإسلامي، وكان مصيرها الفشل الذريع بسبب البعد المغيّب، نرى مالك بن نبي في بعض مؤلفاته يستشهد ببرامج وتجارب الخبير الاقتصادي العالمي «شاخت»(1) في إندونيسيا، فقد استدعت الحكومة الإندونيسية هذا الخبير في الاقتصاد والتنمية، لغرض وضع الخطط والبرامج والآليات الكفيلة بتحقيق النمو الفاعل في حركية ومعمار الاقتصاد الإندونيسي، ووضع المجتمع الإندونيسي على عتبات الانطلاق الصناعي والإقلاع الحضاري الشامل، غير أن التجربة آلت إلى الفشل بعد عدة سنوات على وضع مخطط وبرنامج هذا الخبير العالمي.
معادلة الإقلاع الحضاري
إن مالك بن نبي سارع بإلهامه الفكري النافذ، ورؤيته النقدية المتميزة إلى تنبيه المهتمين بالشأن التنموي والحضاري، القائمين على مهمات وأد التخلف في بلدانهم، بكون الخلل لم يكن في برنامج «شاخت» بقدر ما كان في طيات المعادلة نفسها؛ أي في العلاقة النفسية والفكرية بين بواعث البرنامج وتركيبة وخصوصية المجتمع الإندونيسي، وهكذا ساقت هذه الملاحظة المفصلية في معادلة البناء والتغيير الاجتماعي مالك بن نبي إلى ضبط جزئيات وعناصر نظرية «التماهي المطّرد» بين الإنسان والدوافع الذاتية والاجتماعية المحركة، والمحرِّضة على المساهمة في العطاء والبناء العام، أو العكس؛ أي دراسة العوامل التي تجعل من الفرد عنصراً منتجاً فعالاً في مناخ اجتماعي ومؤثرات نفسية وحضارية معينة، بينما يصبح ذلك الفرد نفسه – دون متغيرات ذاتية - عنصراً سلبياً خاملاً غير مساهم أو منتج، أو حتى عنصر هدم وإفساد، تحت وقع مؤثرات مناخ اجتماعي آخر له نسق مختلف ومغاير لنسق مؤسسات المجتمع الأول.
إن سر الانطلاق الحضاري إذن - بكلّ مكونات معادلته - يستحيل أن يكون من البساطة إلى درجة أنه يُختزل في مجرد اختيار وتركيب بعض جزئيات برامج التنمية الاقتصادية والتغيرات السوسيولوجية والسياسية، كما هي الحال في عملية تلفيق بعض قطع الغيار، التي نلجأ إليها أحياناً عندما تدفعنا ظروف معينة لذلك، بل هو أعقد وأحكم مما نتصور في الكثير من الحالات والمناسبات، وإذا تم التسليم بأن سر أي انطلاق حضاري أو نهضة فاعلة، هو معادلة صعبة تتجاذب فيها المواقع عدة أرقام حسابية، فإن الثقافة الذاتية تمثل - دون شك - أحد أهم أرقام تلك المعادلة وأكثرها خطورة وفاعلية، إن هذه الثقافة، كما يؤكد المفكر الإسلامي الراحل الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله تعالى – هي التي تصور شخصية الأمة وملامحها الفكرية والنفسية، وتشرح عقائدها التي تنطلق منها، وأهدافها التي تنطلق إليها، وتقاليدها وأخلاقها وشرائعها بدءاً من الأسرة إلى علائقها الدولية.
صحوة فكرية
وفي هذه العقود الأولى للقرن الخامس عشر الهجري، بدأ مفكرون وساسة ومؤسسات فكرية لها وزنها وثقلها في العالم الإسلامي، يولون هذه المسألة بعض الاهتمام والعناية، وهو مسلك يشير إلى وجود صحوة فكرية أو يقظة راشدة، في أعماق الضمير الجمعي للأمة الإسلامية، ولا يمكن الجزم في هذا المضمار بأن الرجّة التي أحدثتها هيمنة الحضارة الغربية واستفزازها الثقافي النمطي المتعطش للصراع – ولا نقول: التدافع – هي السبب الوحيد لتبلور هذه الصحوة وظهور بعض آثارها وانعكاساتها في نطاق أصعدة وأطر كثيرة مختلفة.
بكل موضوعية ونزاهة في التعامل مع الأفكار وحقائق الصيرورة التاريخية والجدلية، أجدني لا أنكر، بل لا أستهين بأثر القهرية الحضارية الغربية على مستوى ردود الفعل والحركة داخل مؤسسات الأمة الإسلامية المختلفة الاجتماعية والفكرية وغيرها، وانعكاسات هذه الدوائر والحلقات المتفاعلة المتوترة، على انبثاق وبروز إرهاصات الصحوة الذاتية في كيان أمتنا، ثم تبلورها – في مرحلة لاحقة – من خلال التعابير والمواقف المطردة على شتى الأصعدة.
إن الأمل الذي أضحى يحدونا على طريق العودة إلى الذات ليس نابعاً من فراغ أو مغالطة وغرور، وإنما هو أمل يجيء بعد رحلة مرهقة مضنية من المتاهات الضالة الحائرة التي عاشتها أمتنا في سبيل البحث عن مسالك ومناهج رشيدة تتجاوز بهديها واستنطاق معطياتها، واقعها المتردي الذي كان حصيلة عدة عوامل متشابكة معقدة فعلت فعلها الزمني القاهر في جنبات كيانها الإنساني وواقعها الحضاري والعلمي والمدني.
من أجل ذلك كله ينبغي أن ننبه إلى حقيقة المحاولات المتعاقبة التي ما تكاد تختفي أو يضعف أثرها إلا لتكشف عن وجودها من جديد وبأساليب أكثر حدةً وجرأةً ودهاء، وهي تعمل دون كلل أو تثاؤب من أجل إبعادنا عن منابعنا الحضارية وجذورنا الثقافية، والنأي بنا عن سبيل الرشاد.
جرائم سامة
ولا شك أن المقصد الذي تروم تلك الدوائر ترسيخه في الواقع الماثل، أن يُلقى في روع الأجيال المسلمة المعاصرة والقادمة على السواء وَهْمٌ كبيرٌ مفاده أن النهضة والتنمية النموذجية لا يمكن أن تقوم في بلاد العرب والمسلمين، إلا بواسطة أسلوب الإلحاق والتبعية الشاملة القائمة على قاعدة استلهام ومحاكاة تجربة ونموذج الحضارة الغربية المهيمنة.
ولا يخفى أبداً على خبراء الأفكار أو الواعين الحقيقيين من أبناء هذه الأمة خطر مثل هذه الطروحات المعلّبة الجاهزة، المتضمنة جرائم سامة لا حصر لأضرارها وتداعياتها الهدامة، ذلك أن قاعدة الإسلام وفكريته (مذهبيته الحضارية)، في البناء والإنجاز الحضاري، لم تتنكر يوماً لتجارب الحضارات الأخرى، ولم يعرف مطلقاً عن المسلمين الأوائل عبر كلّ مراحل تاريخهم، وهم يشيدون معالم الحضارة الإسلامية أنهم ضيقوا على أنفسهم في الإفادة والأخذ بثمار حضارات الأمم الأخرى وتجاربها، ما دامت ضمن دائرة المشترك الإنساني العام، فقد استوعبوا تجارب معطيات الآخر الحضاري، وأخضعوها للمعايير الإسلامية الضابطة لمقاصد وأصول حضارتنا، فكان لزاماً أن اصطبغت تلك النتائج بالصبغة الذاتية وحملت اللون الإسلامي للحياة.
إن البون شاسع جداً بين مَنْ ينطلقون في بناء وتنمية مجتمعاتهم من قواعد الثقافة الذاتية والانتماء الحضاري الخاص، مع عدم التغاضي عن فضيلة الإفادة من تجارب الآخرين، وبين مَنْ يلغون الأصول منذ البدء ويتجاهلون الذات والأصل والخصوصية.
ومن ثَمَّ؛ فإنه يجب علينا – ونحن نتشوف إلى إقلاع حضاري وبناء راشد نابع من ذاتنا وأصولنا – أن نحسم أهمّ مكوّنات هذه المعادلة الرياضية الحضارية، فإذا تنافست التوجهات المتباينة في الاستيلاء على زمام الأمة وتحديد وجهتها، فلا بد حينئذ أن تنهزم جميعاً، وأن ترجح بوصلة الثقافة الذاتية والأصول الثابتة في عملية التوجيه رجحاناً حاسماً مكيناً؛ فذلك طريق العالم الإسلامي للتمكين والقوة والتماسك، ومعاودة دوره في خدمة الحضارة الإنسانية الراشدة.
أما المشككون والمرتابون والمجادلون في هذه المعادلة الحاسمة في النهضة والحضارة والتمكين، فأمامهم بعض النماذج الناجحة، التي سلكت هذا المسلك، ونهجت هذا السبيل، أولها اليابان والصين والهند، علماً أن الثقافة الذاتية في هذه الأقطار مزيج غريب من الخرافات والمعتقدات والأساطير والطقوس الموغلة في اللامعقول، ومع ذلك أثمرت تلك المعادلة الحضارية، ولعل الأمر لا يحتاج إلى وقت متطاول - بمعيار عمر الأمم والحضارات - حتى تغدو هذه الأقطار تمثل مركز القوة والعلم والتقنية في العالم.>
الهامش
(1) د. شاخت (1877م - 1970م) خبير اقتصادي وسياسي ألماني شهير ساهم في وضع الكثير من البرامج والمخططات التنموية في الغرب وبعض البلدان التي تستهدف بجهودها المتلاحقة تحقيق التنمية الاقتصادية والاكتفاء الذاتي والنهضة العلمية الشاملة.