العنوان أهم أسباب تأخر المسلمين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1983
مشاهدات 52
نشر في العدد 611
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 08-مارس-1983
بقلم شكيب أرسلان
من أعظم أسباب تأخر المسلمين
الجهل، الذي يجعل فيهم من لا يميز بين الخمر والخل، فيتقبل السفسطة قضية مسلمة ولا
يعرف أن يرد عليها.
ومن أعظم أسباب تأخر المسلمين
العلم الناقص الذي هو أشد خطرًا من الجهل البسيط؛ لأن الجاهل إذا قيض الله له
مرشدًا عالمًا أطاعه ولم يتفلسف عليه، أما صاحب العلم الناقص فهو لا يدري ولا
يقتنع بأنه لا يدري، وكما قيل: ابتلاؤكم بمجنون خير من ابتلائكم بنصف مجنون، أقول:
ابتلاؤكم بجاهل خير من ابتلائكم بشبه عالم.
ومن أعظم أسباب تأخر المسلمين
فساد الأخلاق، بفقد الفضائل التي حث عليها القرآن، والعزائم التي حمل عليها سلف
هذه الأمة وبها أدركوا ما أدركوه من الفلاح، والأخلاق في تكوين الأمم فوق المعارف،
ولله در شوقي إذ قال:
وإنما الأمم الأخلاق ما
بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
ومن أكبر عوامل تقهقر
المسلمين فساد أخلاق أمرائهم بنوع خاص، وظن هؤلاء -إلا من رحم ربك- أن الأمة خلقت
لهم، وأن لهم أن يفعلوا بها ما يشاءون، وقد رسخ فيهم هذا الفكر حتى إذا حاول محاول
أن يقيمهم على الجادة بطشوا به عبرة لغيره، وجاء العلماء المتزلفون لأولئك
الأمراء، المتقلبون في نعمائهم، الضاربون بالملاعق في حلوائهم، وأفتوا لهم بجواز
قتل ذلك الناصح بحجة أنه شق عصا الطاعة، وخرج عن الجماعة.
ولقد عهد الإسلام إلى العلماء
بتقويم أود الأمراء، وكانوا قديمًا في الدول الإسلامية الفاضلة بمثابة المجالس
النيابية في هذا العصر، يسيطرون على الأمة، ويسددون خطوات الملك، ويرفعون أصواتهم
عند طغيان الدولة، ويهيبون بالخليفة فمن بعده إلى الصواب، وهكذا كانت تستقيم
الأمور، لأن أكثر أولئك العلماء كانوا متحققين بالزهد، متحلين بالورع، متخلين عن
حظوظ الدنيا، لا يهمهم أغضب الملك الظالم الجبار أم رضي، فكان الخلائف والملوك
يرهبونهم، ويخشون مخالفتهم، لما يعلمون من انقياد العامة لهم، واعتقاد الأمة
إمامتهم، إلا أنه بمرور الأيام خلف من بعد هؤلاء خلف اتخذوا العلم مهنة للتعيش،
وجعلوا الدين مصيدة للدنيا، فسوغوا للفاسقين من الأمراء أشنع موبقاتهم، وأباحوا
لهم باسم الدين خرق حدود الدين، هذا والعامة المساكين مخدوعون بعظمة عمائم هؤلاء
العلماء، وعلو مناصبهم، يظنون فتياهم صحيحة، وآراءهم موافقة للشريعة، والفساد بذلك
يعظم، ومصالح الأمة تذهب، والإسلام يتقهقر، والعدو يعلو ويتنمر، وكل هذا إثمه في
رقاب هؤلاء العلماء.
ومن أعظم عوامل تقهقر
المسلمين الجبن والهلع، بعد أن كانوا أشهر الأمم في الشجاعة واحتقار الموت، يقوم
واحدهم للعشرة وربما للمائة من غيرهم، فالآن أصبحوا -إلا بعض قبائل منهم- يهابون
الموت الذي لا يجتمع خوفه مع الإسلام في قلب واحد، ومن الغريب أن الإفرنج المعتدين
لا يهابون الموت في اعتدائهم على هيبة المسلمين إياه في دفاعهم، وإن المسلمين يرون
الغايات البعيدة التي يبلغها الإفرنج في استحقار الحياة والتهافت على الهلكة في
سبيل قوميتهم ووطنهم، ولا تأخذهم من ذلك الغيرة، ولا يقولون نحن أولى من هؤلاء
باستحقار الحياة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ
كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ﴾ (النساء: 104).
وقد انضم إلى الجبن والهلع
اللذين أصابا المسلمين اليأس والقنوط من رحمة الله، فمنهم فئات قد وقر في أنفسهم
أن الإفرنج هم الأعلون على كل حال، وأنه لا سبيل لمغالبتهم بوجه من الوجوه، وأن كل
مقاومة عبث، وأن كل مناهضة خرق في الرأي، ولم يزل هذا التهيب يزداد ويتخمر في صدور
المسلمين أمام الأوربيين إلى أن صار هؤلاء ينصرون بالرعب، وصار الأقل منهم يقومون
للأكثر من المسلمين، وهذا يعكس ما كان في العصر الأول.
يرى الجبناء أن الجبن حزم
وتلك خديعة الطبع اللئيم
نسي المسلمون الأيام السالفة
التي كان فيها العشرون مسلمًا لا غير يأتون من «برشلونة» إلى «فراكسيمة» من سواحل
فرنسا ويستولون على جبل هناك ويبنون به حصنًا ويتزايد عددهم حتى يصيروا مائة رجل،
فيؤسسون هناك إمارة تعصف ريحها بجنوبي فرنسا وشمالي إيطاليا، وتهادنها ملوك تلك
النواحي وتخطب ولاءها، وتستولى على رؤوس جبال الألب، وعلى المعابر التي عليها
الطرق الشهيرة بين فرنسا وإيطاليا، لاسيما معبر «سان برنار»
الشهير، وتضطر جميع قوافل الإفرنج لأن تؤدي للعرب المكوس لأجل المرور، ثم تتقدم
هذه الدولة العربية الصغيرة في بلاد «البيامون» مسافات بعيدة إلى أن تبلغ سويسرا
وبحيرة «كونستانزا» في قلب أوروبا، وتضم القسم العالي من سويسرا إلى أملاكها وتبقى
خمسًا وتسعين سنة مستولية على هذه الديار، إلى أن تتألب الأمم الإفرنجية عليها،
ولا تزال تناجزها إلى أن استأصلتها، وكانت تلك العصابة العربية يوم انقرضت لا تزيد
على ألف وخمسمائة رجل.
شبهات الجهلاء الجبناء
وردها
من السخفاء من يقول: نعم قد
كان ذلك، لكن قبل أن يخترع الإفرنج آلات القتال الحديثة، وقبل المدافع والدبابات
والطيارات، وقبل أن يصير الإفرنج إلى ما صاروا إليه من القوة المبنية على العلم.
وهذا القول هو منتهى السخف
والسفه والحماقة، فإن لكل عصر علمًا وصناعة ومدنية تشاكله، وقد كانت في القرون
الوسطى علوم تشاكلها كما هي العلوم والصناعات والمدنية الحاضرة في هذا العصر،
وأمور الخلق كلها نسبية، ولقد كانت في العصر الذي نتكلم عنه آلات قتال ومنجنيقات
ودبابات ونيران مركبة تركيبًا مجهولًا اليوم، وكانت في ذلك الوقت كما هي المدافع
والرشاشات وقنابل الديناميت وما أشبه ذلك في هذه الأيام، على أنه ليست الدبابات
والطيارات والرشاشات هي التي تبعث العزائم، وتوقد نيران الحمية في صدور البشر، بل
الحمية والعزيمة والنجدة هي التي تأتي بالطيارات والدبابات والقنابل، وما هذه إلا
مواد صماء لا فرق بينها وبين أي حجر، فالمادة لا تقدر أن تعمل شيئًا من نفسها،
وإنما الذي يعمل هو الروح، فإذا هبت أرواح البشر وتحركت عزائمهم؛ فعند ذلك تجد
الدبابات والطيارات والرشاشات والغواصات وكل أداة قتال ونزال على طرف الثمام.
يقولون: إلا أن هذا ينبغي له
العلم الحديث، وهذا العلم مفقود عند المسلمين، فلذلك أمكن الإفرنج ما لم يمكنهم.
والجواب: إن العلم الحديث
أيضًا يتوقف على الفكرة والعزيمة، ومتى وجدت هاتان وجد العلم الحديث ووجدت الصناعة
الحديثة.. أفلا ترى أن اليابان إلى سنة ١٨٦٨ كانوا أمة كسائر الأمم
الشرقية الباقية على حالتها القديمة؟ فلما أرادوا اللحاق بالأمم العزيزة تعلموا
علوم الأوربيين، وصنعوا صناعاتهم، واتسق لهم ذلك في خمسين سنة، وكل أمة من أمم
الإسلام تريد أن تنهض وتلحق بالأمم العزيزة يمكنها ذلك وتبقى مسلمة ومتمسكة بدينها،
كما أن اليابانيين تعلموا علوم الأوربيين كلها وضارعوهم ولم يقصروا في شيء عنهم،
ولبثوا يابانيين ولبثوا متمسكين بدينهم وأوضاعهم. وأيضًا فمتى أرادت أمة مسلمة
أدوات أو أسلحة حديثة ولم تجدها؟ إن ملاك الأمر هو الإرادة، فمتى وجدت الإرادة وجد
الشيء المراد.
فلو أن أمة من أمم الإسلام
أرادت أن تتسلح لوجدت السلاح الحديث اللازم بأنواعه وأشكاله من ثاني يوم.
ولكن اقتناء السلاح ينبغي له
سخاء بالأموال، وهم لا يريدون أن يبذلوا، ولا أن يقتدوا بالإفرنج واليابان في
البذل، بل يريدون النصرة بدون سلاح وعتاد، أو السلاح والعتاد بدون بذل أموال، وإذا
تغلب العدو عليهم من بعد ذلك صاحوا قائلين: أين المواعيد التي وعدنا إياها القران
في قوله: ﴿وَكَانَ
حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: 47)؟ كأن القرآن ضمن للمؤمنين
النصر بدون عمل وبلا كسب ولا جهاد بالأموال والأنفس، بل بمجرد قولنا إننا مسلمون،
أو بمجرد الدعاء والتسبيح، وأغرب من ذلك بمجرد الاستغاثة بالأولياء، فأصبح الكثير
من المسلمين وهم عزل من السلاح الحديث وهم غير مجهزين بالعلم اللازم لاستعماله لا
يقومون للقليل من الإفرنج المسلحين المجهزين، وصاروا إذا التقى الجمعان تدور
الدائرة في أغلب الأحيان على المسلمين. فتوالى هذا الأمر عليهم مدة طويلة إلى أن
فقدوا كل ثقة بنفوسهم، واستولى عليهم القنوط، ودب فيهم الرعب، وألقوا بأنفسهم إلى
العدو، وبعد أن كانوا مسلمين، صاروا مستسلمين، وقد ذهلوا عن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ
الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ
مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ
النَّاسِ﴾ (آل عمران: 139-140) ونسوا أنه لا يجوز أن يتطرق اليأس إلى قلب أحد
لا عقلًا ولا شرعًا، ولا سيما المسلم الذي يخبره دينه بأن اليأس هو الكفر بعينه،
وغفلوا عن قوله تعالى في سلفهم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا
لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ
الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ
يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ (آل عمران: 173-174).
فتجدهم إذا استنهضتهم لمعاونة
قوم منهم يقاتلون دولة أجنبية تريد أن تمحوهم كان أول جواب لهم: أية فائدة من بذل
أموالنا في هذا السبيل وتلك الدولة غالبة لا محالة؟ ولو تأملوا لوجدوا أن
الاستسلام لا يزيدهم إلا ويلًا، ولا يزيد العدو إلا استبدادًا وجبروتًا، سنة الله
في خلقه، ولو فكروا قليلًا لرأوا أن هذا الشح بالمال على إخوانهم الذين في مواطن
الجهاد لم يكن توفيرًا وإنما كان هو الفقر بعينه؛ لأن الأمة المستضعفة لا تعود حرة
في تجارتها واقتصادياتها، بل يمتص العدو الغالب عليها كل ما فيه علالة رطوبة في
أرضها، ولا يترك للأمة المستضعفة إلا عظامًا يتمششونها، من قبيل «قوت لا يموت»
وكثيرًا ما تحصل مساغب ويموتون جوعًا كما يقع كثيرًا في جزائر الغرب والهند
وغيرهما، ترى المجاعات واقعة في الهند ولا يموت منها ولا إنكليزي، وتراها تشتد في
الجزائر ولا يموت بها إلا المسلم. وما السبب في ذلك إلا أن الأجانب قد استأثروا
بخيرات البلاد ولم يتركوا للمسلمين إلا الفقر، فقام المسلمون اليوم يعتذرون عن عدم
بذل الأموال لمساعدة إخوانهم بعدم وجودها، وهذا صحيح إلى حد محدود، وذلك أنهم
بخلوا بها في الأول فجنوا من بخلهم على الجهاد الذل والخنوع أولًا، والفقر والجوع
ثانيًا.. فإن من سنن الله في أرضه أن الذل يردفه الفقر، وأن العز يردفه الثراء،
والمثل العربي يقول: مَن عَزَّ بَزَّ، والشاعر العربي الإيادي يقول:
لا تذخروا المال للأعداء
إنهم
إن يظهروا يأخذوكم والتلاد معًا
هيهات لا خير في مال وفي
نعم
قد احتفظتم بها إن أنفكم جدعا
والمتنبي يقول:
فلا مجد في الدنيا لمن قل
ماله
ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
فالمسلمون عز عليهم المال
ففقدوه، وعزت عليهم الحياة ففقدوها، وأبى الله إلا تصديق كلام النبي الموحى إليه؛
حيث يقول: «يوشك
أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على القصاع» قالوا: أو من قلة فينا يومئذ
يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل يُجعل الوهن في قلوبكم ويُنزع من
قلوب أعدائكم من حبكم الدنيا وكراهيتكم الموت».
هذا الحديث معناه ظاهر وهو:
أن المسلمين يأتي عليهم يوم يصيرون فيه مأكلة وتمتد إليهم الأيدي من كل جهة، فهذا
العصر الذي نحن فيه هو ذلك اليوم، وأن المسلمين لا يكون عيبهم يومئذ قلة العدد، بل
يكون عددهم كثيرًا وإنما لا تغنيهم كثرتهم شيئًا، لأن الكثرة بنفسها لا تفيد إن لم
تقترن بجودة النوع، والكمية لا تغني عن الكيفية، وعلة العلل في ضعف المسلمين ذلك
اليوم هو الجبن والبخل، صريح ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «من حبكم الدنيا
وكراهيتكم الموت».
ومن المعلوم أن الإفراط في حب
الدنيا يحرم الإنسان التمتع بها، وأن الغلو في المحافظة على الحياة تكون عاقبته
زيادة التعرض للهلاك، هذه من سنن الله في خلقه أو من النواميس الطبيعية كما يقال
في هذا العصر، فالقرآن يأمر المسلم بأن يحتقر الحياة والمال وكل عزيز في سبيل
الله، ويأمر المسلم بأن يثبت ولا ييأس، وأن يصبر ولا يتزلزل مهما أصيب، وتراه يقول: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ
قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل
عمران: 146).
هكذا يريد الله ليكون
المسلمون، فإن لم يكونوا هكذا بصريح نص القرآن، فكيف يستنجزون الله عداته بالنصر
والتمكين والسعادة والتأمين؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل