; أوبك: «احرص على الإغراق.. توهب لك الأسواق» | مجلة المجتمع

العنوان أوبك: «احرص على الإغراق.. توهب لك الأسواق»

الكاتب عبيد الامين الفكي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-فبراير-1986

مشاهدات 69

نشر في العدد 754

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 11-فبراير-1986

  • سياسة الإغراق استنزاف مباشر لاحتياطيات الدول المصدرة للنفط.
  • الدول الكبرى: ما لا يتحقق بالمفاوضات السياسية يتحقق بالحرب الاقتصادية.

تشهد أسواق النفط الفورية حاليًا «في روتردام، نيو يورك، سنغافورة» انخفاضًا قياسيًّا في أسعار النفوط، إذ بلغ سعر البرميل من نفط الإشارة ١٦ دولارًا وهو ما لم تشهده السوق منذ ۱۹۷۹م، ومن المتوقع أن تشهد الأسعار مزيدًا من الهبوط خاصة بعد تأكيد منظمة ال-أقطار المصدرة للبترول «أوبك» على المضي قُدمًا نحو استعادة الحصة العادلة للمنظمة في الإنتاج، جاء ذلك ضمن نتائج اجتماع اللجنة الوزارية في فيينا «لجنة الدفاع عن حصة الأوبك» في مطلع الشهر الجاري، موضحة بذلك أن المنظمة قد صرفت النظر حاليًا عن التدخل في وقف حرب الأسعار أو السعي من أجل منع المزيد من الانخفاض في أسعار النفط، معطية بذلك الضوء الأخضر لأعضاء المنظمة في خوض معركة غير تضامنية ضد المنتجين خارج المنظمة، اتباعًا لسياسة توفير حصص الإنتاج العادلة للمنظمة والتي ظلت حصتها تتقلص منذ ۱۹۷۹م ٣١,6 ملايين برميل يوميًّا إلى ١٦ مليون برميل في نهاية العام المنصرم، وهو ما يعادل نصف طاقتها الإنتاجية.

وتحولت المنظمة بذلك من منتج أساسي رئيسي إلى منتج ثانوي هامشي، ولعل مما زاد في استفزاز المنظمة لانتهاجها لسياسة الاستعادة لحصتها الإنتاجية، ذلك السلوك الانتهازي للأقطار المنتجة والمصدرة للنفط من خارجها المتمثل في زيادة معدل الإنتاج بشكل دوري، فكلما خفضت دول منظمة الأوبك من إنتاجها من أجل الحفاظ على مستوى الأسعار، كانت الدول المصدرة من خارج المنظمة تزيد من معدل إنتاجها حتى بلغ إنتاجها في نهاية العام المنصرم ٣٧٤، وكانت بذلك تمثل محطمًا رئيسيًّا لسياسة منظمة الأوبك الرامية إلى استقرار أسعار البترول.

مجبر أخاك لا بطل 

من الواضح في تخلي منظمة الأوبك عن سياستها الهادفة إلى ضبط الأسعار عن طريق تحديد حصص الإنتاج، وتبني سياسة إطلاق اليد لأعضائها في زيادة حصص إنتاجهم جاء کرد فعل مباشر على رفض الدول المنتجة والمصدرة للنفط خارج المنظمة على التفاهم والتعاون من أجل استقرار أسعار النفط، وبل سعت هذه الأخيرة في إفشال تلك الأهداف مما تسبب في خلق تصدعات متعددة في سياسة تحديد الحصص، وانعكس ذلك على تماسك أعضاء المنظمة والتزامهم تجاه السعر الرسمي والسقف الأعلى للإنتاج. 

ولقد استطاعت المنظمة أن تبدي طيلة الفترة السابقة مقدرة فائقة في تلافي تلك الإشكالات، إلا أن البون أصبح أكبر من لملمة المصلح، فعقب الاجتماع ال ٧٦ لوزراء المنظمة انخفض سعر البرميل إلى ١٨ دولارًا في الوقت الذي كان فيه السعر الرسمي المعلن لنفط الأوبك هو ۲۸ دولارًا.

ومن جانب آخر، لقد آثرت المنظمة المحافظة على وجودها وحدة متماسكة على أن تعرض وحدتها للانقسام وربما الانقضاض، لا سيما وأن الأكثرية كانت تطالب بزيادة حصص الإنتاج لمقابلة الانخفاض في أسعار النفط وانخفاض الدولار؛ حتى تتمكن من الإيفاء بالتزاماتها تجاه خطط التنمية، إضافة لانخفاض الإيرادات التي تسببت في انكماش حاد في الحركة الاقتصادية الداخلية لدول المنظمة.

خطورة سياسة الإغراق

من المتوقع أن يرتفع معدل إنتاج دول منظمة الأوبك خلال الشهر الجاري ليصل إلى ۱۹ مليون برميل يوميًّا، وفقًا لسياسة الإغراق التي تبنتها المنظمة ضمن سعيها من أجل استعادتها لحصة إنتاجها، التي تنازلت عنها طواعية في سبيل الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي العالمي بشكل عام، وبوصول معدل إنتاج أوبك إلى ١٩ مليون برميل يصبح الفائض النفطي في الأسواق أكثر من معدل الطلب ب 3 ملايين برميل يوميًّا. وهنا تكمن خطورة انتهاج سياسة الإغراق، وهذه الخطورة لا تقتصر فقط على المنظمة وإنما تمتد انعكاساتها لتشمل الدول المصدرة للنفط خارج الأوبك، وتؤثر بدورها على الاقتصاد الدولي بصورة عامة. 

أما في إطار دول المنظمة فإن هذه السياسة تعد قصيرة النفس، وتصبح غير ذات موضوع إذا ما تطاول بها الوقت، بل تنقلب تمامًا إلى سلاح في يد الاتجاه المضاد، فهي تتسبب في الآتي:

١- يؤدي توفير الكميات المعروضة إلى مزيد من الانخفاض في الأسعار، ومن ثم إلى مزيد من تضخم الكميات المعروضة لتلافي انخفاض الإيرادات للدول المصدرة في حالة عدم التدخل وترك قوى السوق لتحدد الأسعار.

۲- يؤدي انخفاض الأسعار وتوفر الكميات إلى سياسة تخزينية واسعة من قبل الدول الكبرى المستهلكة للنفط، مما يجعل العودة إلى نظام تحديد حصص الإنتاج عودة غير مضمونة النتائج.

3- اتباع سياسة الإغراق استنزاف مباشر لاحتياطيات الدول المصدرة للنفط بأقل الأسعار، وليس أمام هذه الدول إلا المزيد من الإنتاج؛ خاصة وأن دول الأوبك تتحمل التزامات دولية ومحلية متعلقة بإكمال مشروعات التطور الداخلي والالتزامات الخارجية تجاه قضايا الديون التي تعانيها أكثرية دول المنظمة.

أما في إطار الدول الأخرى خارج المنظمة، فإن أداء هذه السياسة يُعد أداءً مختلطًا، فإن دول العالم الثالث مثل المكسيك ومصر والصين تتأثر تأثرًا مباشرًا، ولقد أيدت كل من مصر والصين مؤخرًا رغبتها في التعاون مع منظمة الأوبك من أجل استقرار أسعار النفط. أما بالنسبة للدول المنتجة والمصدرة من الدول الصناعية فإن المسألة بالنسبة لها تخرج عن الإطار الاقتصادي تمامًا لتتصل بالنهج السياسي، وهذا ما يكشف موقف بريطانيا المتصلب تجاه الأوبك على الرغم من الأضرار المباشرة واليومية التي ترتبت على الموقف إثر إعلان المنظمة لسياستها الجديدة من أجل عدالة الإنتاج.

قضية سياسية تحت أقنعة اقتصادية

من المعلوم بالضرورة أن البترول ظل مرتبطًا بالسياسة بشكل كلي ولم يحدث أن سيطرت قوى السوق وحدها على مركز الحسم في تحديد أسعاره، وبالطبع يعد النفط عاملًا اقتصاديًّا فاعلًا ومهمًّا جدًّا في الاقتصاد العالمي، وفي النظام المصرفي الدولي.

لذا؛ كان دائم الارتباط بالأحداث السياسية في منطقة الشرق الأوسط لما له من صلة عضوية بالصراع الاستراتيجي بين الشرق والغرب. ضمن هذه الأطر ينظر الغرب الصناعي الرأسمالي إلى منظمة الأوبك كأحد العوائق الرئيسية في الاستقرار الاقتصادي والسياسي، من ثم لما لها من مقدرة نسبية في حسم قضايا الأسعار والإنتاج لصالح دولها. ولذا؛ كان دائم السعي من أجل تحطيم المنظمة حتى يتمكن من إكمال الدور الاحتكاري على الاقتصاديات العالمية. لهذا يرى في انخفاض أسعار النفط فرصة سانحة لانخفاض معدل التضخم وانخفاض أسعار السلع؛ مما يساعد على الإنعاش الاقتصادي وتقليل فرص البطالة بالنسبة للعمالة الداخلية، وبريطانيا وأمريكا تعدان المثال الأمثل لانتهاج سياسة تحطيم المنظمة من أجل تعديل الأوضاع الاقتصادية بالنسبة لكليهما. 

ومن جانب آخر يدخل العامل السياسي هذه المرة وبشكل واسع، حيث إن الانخفاض في أسعار النفط يؤثر بشكل مباشر في السيطرة على العالم؛ إذ ترى واشنطن في الزعيم السوفييتي الجديد تصميمه على الإصلاح الاقتصادي للاتحاد السوفيتي مما يجعلها في وضع غير مريح، ولذا؛ ترى في انخفاض أسعار النفط فرصة نادرة لمنع البرنامج الإصلاحي المتطور لغور باتشيف. فالاتحاد السوفيتي يحصل على ۸۰ % من عملته الصعبة من تصدير النفط والغاز، ومنظمة الأقطار المصدرة للنفط تعلم علمًا يقينا أن الدور السياسي أكبر بكثير من قوانين العرض والطلب، وما لم يتحقق بالمفاوضات السياسية يتحقق بالحرب الاقتصادية.

حرب الأسعار ومستقبل الأوبك

تتأثر دول المنظمة بانخفاض الأسعار بصورة مباشرة، سيما وأنها ظلت تقاوم هذا الانخفاض بخفض إنتاجها منذ أربع سنوات، وبالتالي ينعكس هذا على الدول العربية ودول الخليج التي بلغت خسائرها من جراء هذا الانخفاض وما تبعه من انخفاض في أسعار الدولار ٦ مليار دولار، وفقًا لتقديرات الخبير الاقتصادي جاسم السعدون. ومن المحتمل أن تُطرح في الاجتماع المقبل لوزراء النفط في المنظمة انعكاسات سياسة الدفاع عن الحصة العادلة للمنظمة وما تبعها من إغراق للأسواق بالنفط، ومدى الأثر المترتب على انتهاج مثل تلك السياسة، إلا أن الأوبك مطالبة هذه المرة ضمن خيارات ضيقة جدًّا، خاصة إذا باءت مفاوضاتها بالفشل مع المنتجين من خارج الأوبك، فإن العودة لنظام ما كان ليوفر لها الاستقرار مع عدالة الإنتاج، ويبقى الحظر النفطي للإمدادات كأحد الخيارات الأوفر حظًّا في تعديل الوضع المتقلب لغير صالحها. ولعل أعداء الأوبك تناسوا في غضون ال ١٢ عامًا الماضية أن ما حدث عام ١٩٧٣م ممكن الحدوث مرة أخرى وبصورة أشمل، فلم تعد هذه المرة في حدود الدول العربية وإنما تشمل أعضاء أوبك، وربما يتعاون معها غير الأعضاء كما فعلت الصين الآن.

وتبقى نقطة أخيرة، إن جل الدراسات والمعلومات المتوفرة تشير إلى الدور المتعاظم لاحتياطيات النفط التي تمتلكها المنظمة وبخاصة الدول العربية، والتي تصبح ذات وضع منفرد في الاقتصاد العالمي بعد نفاد أكثر احتياطي الدول غير الأعضاء في مطلع التسعينيات. ولذا؛ لا بد من تبني المنظمة لسياسة شمولية دقيقة المراحل والخطوات من أجل إعادة تماسكها ومن ثم سيطرقها بصورة أقوى على المقدرات الاقتصادية لها.

الرابط المختصر :