العنوان أوبك.. الاتفاق المنقسم
الكاتب عبيد الامين الفكي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1986
مشاهدات 109
نشر في العدد 765
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 29-أبريل-1986
البيان الختامي
لمؤتمر وزراء النفط في منظمة الأقطار المصدرة للبترول
البيان الختامي
لمؤتمر وزراء النفط في منظمة الأقطار المصدرة للبترول-والذي اختتم أعماله في جنيف
في منتصف الأسبوع الفائت- يدل على مدى ما تتمتع به المنظمة من كفاءة «رفيعة» في
ممارسة دغدغة القضايا واحتواء الخلافات دون تكبد مشاق الحسم الكامل لها، وإلا
بماذا يمكننا أن نصف ذلك «الاتفاق النظري المنشطر» الذي جاء في صدر البيان كإنجاز
أوحد لمؤتمر بعد امتداد لأطول اجتماعات المنظمة في تاريخها «المجيد»، فقد اتفق
عشرة من الأعضاء من حيث المبدأ على سقف إنتاج لا يتجاوز 16.7 مليون برميل/ يوميًا،
خلال الربع الحالي من السنة، على أن ينخفض في الصيف القادم إلى 16.3 مليون برميل/
يوميًا. ثم يرتفع خلال الربع الأخير من السنة إلى 17.3 مليون برميل/ يوميًا.
كما أعرب ثلاثة
أعضاء هم الجزائر، ليبيا وإيران عن اعتقادهم بأن تحقيق هدف المنظمة في رفع أسعار
النفط لا يمكن أن يتحقق إلا إذا تم تخفيض السقف الأعلى للإنتاج خلال الربع الأول
والثاني من هذه السنة إلى 14 و14.5 مليون برميل/ يوميًا «على التوالي»، على أن
يرتفع في الربع الأخير إلى 16.8 مليون برميل/ يوميًا. وسواء نظرنا للشطر الأول من
«الاتفاق» أو الشطر الثاني من «الإعراب» فإننا لا نجد تحديدًا عمليًا لكيفية تنفيذ
الحصص للأعضاء وبالتالي تحديد مستوى سقف الإنتاج مما يجعل «اتفاق العشر» «وإعراب
الثلاث» دون جدوى وأكثر من ذلك فقد طالب أكثر من عضو من «مجموعة الاتفاق» بزيادة
حصته من الإنتاج بنسبة تصل إلى 100%، علمًا بأن دول المنظمة تنتج حاليًا وفقًا
لحصص الإنتاج القائمة ما يتراوح بين 17- 18 مليون برميل/ يوميًا، وبهذا الإنتاج
تشكل فائضًا يبلغ 1.5 مليون برميل/ يوميًا مما يساعد على استمرار انخفاض الأسعار.
وأشار البيان
إلى قرار «مجموعة العشرة» بتكوين فريق من وزراء فنزويلا، السعودية، الكويت،
إندونيسيا ونيجيريا لإجراء الاتصالات اللازمة مع الدول المصدرة للنفط غير الأعضاء
في المنظمة سعيًا لتحقيق الارتفاع المطلوب لأسعار النفط، وحتى لو افترضنا النجاح
في مهمة الاتصالات مع الدول المصدرة من خارج أوبك مع صعوبة ذلك إلا أن الإشكال
يبقى في صعوبة اتفاق أعضاء المنظمة نفسها، وفي تراثنا «أعدى أعدائك نفسك التي بين
جنبيك».
الانقسام
والهوية
ليس في المؤتمر
الأخير فحسب وإنما في أغلب مؤتمرات المنظمة ومنذ 1984م حيث تحولت الساحة الداخلية
للمنظمة إلى كتلة من المتناقضات وصار الانقسام أمرًا مألوفًا في أروقة المنظمة غير
أن ذروة الخلافات جاءت في المؤتمرين الأخيرين، وإن كان هذا الأخير «متطورًا»
قليلًا في درجة الانقسام حيث أصبحت الكتل الثلاث التي برزت في المؤتمر الأسبق
كتلتين فقط في المؤتمر الأخير، وترجع أسباب الانقسام المزمن في المنظمة إلى فقدان
الهوية الأيدولوجية للمنظمة مع الاختلال القائم أصلًا في تحديد التوجه الاقتصادي
للسلعة الإستراتيجية، من قبل الدوائر السياسية والإستراتيجية. ولعل الظروف الحالية
من أوضاع اقتصادية وإشكالات سياسية والتي تجبر أوبك على تبني المتناقضات في وقت
واحد كما حدث في المؤتمر رقم 76 والذي طرحت فيه إستراتيجية إغراق الأسواق بالنفط
من أجل كسب الحصة العادلة لإنتاجية المنظمة، ثم عدلت عنه في مؤتمر مارس رقم 77 إلى
تبني سياسة السقف المحدود ونظام الحصص الذي حطم في المؤتمر 76 أن مثل تلك التخبطات
تحتاج قبل وضع الإستراتيجيات إلى تحديد هوية المنظمة وحصرها في الإطار الاقتصادي
البحت حيث تتناقص دائرة الخلاف كلما ابتعدت المنظمة عن المسافات السياسية للأعضاء
تجاه قوى السوق.
بالطبع لا نعني
بذلك قسر النهج السياسي وغض الطرف عن الدور الفاعل للسياسة في تسويق النفط وإنما
نعني وبالتحديد أن تتبنى المنظمة النهج الاقتصادي في فهم المشكل السياسي. ومما
يوفر على جهاز المعلومات في المنظمة كثيرًا من العلمية في تحديد أطر التعامل مع
الغير أيًا كان هذا الغير-الدول الصناعية المستهلكة ووكالتها للطاقة أو الدول
المنتجة خارج المنظمة- وصورة الانقسام الحالية والتي أسفرت عن المؤتمر الأخير
ترتكز إلى عدم التوافق السياسي في المقام الأول ومن ثم تبني سياسة متناقضة داخل
المنظمة نفسها، مما يؤدي إلى الجهود الرامية إلى قلق الاستقرار في أسعار النفط
وارتفاعها أمر مشكوك فيه طالما ظل الانقسام قائمًا. وعندما تصل أوضاع المنظمة إلى
ما وصلت إليه الآن تصبح مطلوبة الوجود ومرغوبًا فيها من قبل عدوتها الأولى وكالة
الطاقة الدولية.
منظمة تحت الطلب
في زيارة جورج
بوش الأخيرة للمنطقة ذكر أن الولايات المتحدة قلقة بشأن أسواق النفط والانهيار
الذي صاحب الأسعار في نهاية عام 1985م وبحق فإن الولايات المتحدة الأمريكية قلقة
تجاه الانهيار الهائل في أسعار النفط، لكنه مدروس وجاء وفق خطة أحكمت درجة التنفيذ
فيها مما أوصل للانهيار الأخير لأسعار النفط والاستحواذ من ثمة على زمام المبادرة
ووضع المنظمة في موقف المتفرج العاجز عن تعديل الأوضاع والمصير، إن سياسة الولايات
المتحدة على وجه الخصوص دون دول الغرب الصناعية قد تميزت بالصدامية تجاه المنظمة
وهي صاحبة فكرة تكوين وكالة الطاقة الدولية عام 1974م عقب صدمة النفط الأولى ورسمت
إستراتيجيتها وجعلت على رأسها هنري كيسنجر صاحب نظرية تسويق الذعر.
ولقد مضت ذات
الإستراتيجية على مدى قصير وآخر طويل النفس واستطاعت منذ عام 1983م أن تأخذ بزمام
المبادرة في تسويق الإنتاج النفطي وأضحت المنظمة مجرد تابع لإستراتيجية نفذت
تباعًا لتصبح حتمية سابقة ووفقًا لسياسة ونهج وكالة الطاقة العلمي والمدروس وضعت
الولايات المتحدة قوى الدولار، كعنصر فاعل في تسويق النفط بل أقنعت المنظمة بأن
يكون العملة الأساسية في التبادل وعليه كانت السياسات النقدية للولايات المتحدة
متناغمة مع تخفيض أسعار النفط عن طريق سياسة تضخمية عندما ارتفعت أسعار النفط
انخفض سعر الدولار 33% من أسعاره قبل ارتفاع أسعار النفط وهكذا كانت جولات الدولار
في خدمة وكالة الطاقة الدولية وفقًا للظروف المواتية.
ثم وظفت وكالة
الطاقة الدولية السياسة الاستثمارية للولايات المتحدة الأمريكية فتوجهت نحو فتح
المزيد من آبار النفط وزيادة التنقيب عنه داخل وخارج الولايات المتحدة ولما كانت
السياسة الاستثمارية في تنقيب النفط تحتاج إلى مبالغ مالية هائلة فقد توجهت
الولايات المتحدة عن طريق الإعلام إلى توفير تلك المبالغ من الفوائض المالية التي
تكونت لدول الأوبك من خلال التدفقات النقدية الناتجة عن الارتفاع القياسي لأسعار
النفط، عقب وقف الإمداد النفطي في حرب رمضان 1973م.
وخلاصة القول إن
قلق الولايات المتحدة الذي «تفضل» جورج بوش بالتعبير عنه لا يمت لأهداف المنظمة
بصلة لأنه قلق «الشماتة» والمنظمة بالطبع تعي هذا، لكن مشكلة المنظمة أنها تفهم
الأمور بعد الفوات وحتى لو وعت ذلك في حينه فغالبًا لا تستطيع أن تتخذ رد الفعل
مباشرة وهذا راجع لطبيعة تكوينية رافقت المنظمة وترافق كل الأوضاع في العالم
الثالث. فالمنظمة تحارب الجهة التي تستقي عبر أجهزتها الإعلامية كل معلوماتها
الخاصة وأكثر أدبيات المنظمة هي من إنتاج وترويج الإعلام الغربي والذي يمثل الخصم
والحكم في آن واحد. ولعل أشكال المعلومات أخطر مداخل وكالة الطاقة الدولية
لسيطرتها على نهج المنظمة وإحكام القبضة على توجهاتها. وعلى الرغم من صعوبة سد هذه
الثغرة إلا أن المنظمة تستطيع أن تكون مصادر حقيقية لمعلوماتها والخروج بذلك في
دور الفاعل التابع إلى الفاعل الأصيل.
وماذا بعد؟
لعل المؤشرات
المنظورة لا تستطيع التنبؤ بعودة الأسعار إلى ما كانت عليه في ديسمبر 1985م إلا أن
الأسعار يمكن أن ترتفع تدريجيًا لتصل لذلك المستوى إذا ما استطاعت أوبك أن تلتزم
بسقف إنتاجي لا يتجاوز 15 مليون برميل يوميًا حيث إن الإنتاج المعلن الآن للمنظمة
17 مليون برميل/ يوميًا، يحقق فائضًا في السوق يتراوح بين 2- 3 مليون برميل/
يوميًا، أي بمتوسط بسيط تتكون في السوق ولمدة شهر 75 مليون برميل، فائض نفطي مما
يجعل التحكم في الأسعار أمرًا بالغ الصعوبة بل ومشكوكًا فيه أيضًا، أما المؤشرات
التي ليست في إطار الحركة الفعلية للمنظمة فإن أضرار الانخفاض تنسحب على الدول
المنتجة خارج الأوبك مما يؤثر على الدورة الاقتصادية وفقًا للنهج الرأسمالي للدول
الصناعية الغربية ويتسبب انفلات الدورة الاقتصادية إلى عجز هائل في نمو الدول
الصناعية لانحسار استهلاك الدول المصدرة للنفط وعجز الدول النفطية المدينة عن سداد
ديونها ولعل البنوك الأمريكية أول من يتضرر من تلك الآثار وبالتالي الموازنة
الأمريكية أما بريطانيا فإنها تخسر كثيرًا إذا ما استمرت أسعار البترول في التدني
إذ إن تكلفة الإنتاج أكبر بكثير من الأسعار الحالية للسوق «التكلفة 18 دولارًا للبرميل».
أما في المستقبل
فإنه من المتوقع أن تصبح دول الخليج العربي المركز الأول للإمداد النفطي حيث إن
احتياطاتها تعد أكبر الاحتياطيات العالمية المعروفة حتى الآن، كما أن كثيرًا من
الدول المنتجة الآن سوف ينضب نفطها في الخمس سنوات القادمة مثل بريطانيا ونيجيريا
والمكسيك والنرويج مما يجعل مقدرة دول الخليج في السيطرة على مجريات وقوى السوق
أكبر، وتبعًا لذلك فإن أسعار النفط سوف تشهد ارتفاعًا قياسيًا قبيل 1990 ويبقى
الأهم في أن تستوعب التجارب الحالية والماضية والاستعداد للاستفادة القصوى من
الآتي، ويجب أن تؤهل تلك الاستفادة بالمناهج العلمية الكفيلة بالاستثمار الأفضل
للعوائد النفطية. إذا كانت الفرصة السابقة لارتفاع أسعار النفط لم تستغل كما ينبغي
فإن التخطيط يجب أن يسبق الفرصة الآتية من أجل إحداث تنمية حقيقية والخروج من
وضعية المتلقي المستهلك.