; أوروبا تحاول التخفف من عبء البلقان | مجلة المجتمع

العنوان أوروبا تحاول التخفف من عبء البلقان

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-2000

مشاهدات 59

نشر في العدد 1430

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 12-ديسمبر-2000

الاستقرار في البلقان، أصبح هاجسًا يقض مضجع الاتحاد الأوروبي، الذي تساهل في التعاطي مع العدوان الذي سنه الصرب والكروات على المسلمين في البوسنة والهرسك فدفعوا ثمن ذلك، من خلال نزوح مئات الآلاف من المهجرين إلى الاتحاد الأوروبي، أصبحوا عبئًا ثقيلًا على اقتصاد كثير من الدول الأوروبية، ولذلك سارع الأطلسي بطريقة غير مسبوقة إلى إنهاء الوجود العسكري الصربي في كوسوفا، وإعادة المهجرين في وقت قياسي حتى لا تضاف إليه مشكلة جديدة.

وينظر الاتحاد الأوروبي للتطورات الأخيرة في صرح كوسوفا والمتمثلة في عودة موجة العنف بين الشرطة الصربية والمقاتلين الكوسوفيين بكثير من الريبة والقلق وخاصة أن شبح الاغتيالات في كوسوفا قد عاد من خلال اغتيال أحد الشخصيات البارزة في حزب روجوبا، وما يمكن أن يحدث من قلاقل في حالة أعلن الجبل الأسود الاستقلال، سيما أن المرشح الجمهوري جورج بوش الابن قد أثناء حملته الانتخابية بأنه سيسحب القوات الأمريكية من البلقان في حالة فوزه في الانتخابات الأمر الذي قال عنه ريتشارد هليروك سفير الولايات المتحدة في الأمم المتحدة ومهندس اتفاقية دايتون «إذا سحبت القوات فسوف تعود الحرب ويحترق البلقان»، وبالفعل لم يمض وقت كثير حتى أطلت الفتن برأسها، فقد عاد العنف مجددًا إلى كوسوفا وبصورة لافتة، وأجرى الكروات في البوسنة استفتاء للحصول على كيان مستقل، في يوم الانتخابات العامة التي أجريت في نوفمبر الماضي، وصرح الوسيط الدولي السابق البريطاني اللورد أوين بأن الصرب يحق لهم الاستفتاء على الاستقلال في حالة تم ذلك في كوسوفا، وهو ما أكده الصرب بعد ذلك، وإن تراجعوا عنه تحت التهديد بحظر الحزب الديمقراطي الصربي الذي كان يترأسه مجرم الحرب رادوفان كارانيتش وتم الإسراع في بحث موضوع الجمارك والشرطة المشتركة وارتفعت وتيرة الحديث عن جيش بوسنوي موحد في أروقة مجلس الرئاسة البوسنوي، في محاولة لتدارك الموقف قبل أن يتسع الخرق على الرائق.

في هذه الأجواء جاء استفتاء مؤتمر «الاتحاد الأوروبي والبلقان» في العاصمة الكرواتية زغرب في الرابع والعشرين من نوفمبر الماضي، حيث ركزت قمة زغرب على تطوير العلاقات بين دول الجوار، وخاصة العلاقات البوسنية الكرواتية التي شهدت تحولًا إيجابيًّا منذ تولي الرئيس الكرواتي ستيب ميسيتش الحكم، وساعد –ولا يزال- في لجم التطلعات الكرواتية الشيفونية، وينتظر أن ينسج الرئيس اليوغسلافي على منوال نظيره الكرواتي في لجم التطلعات الصربية في البوسنة والهرسك وقد بدأت إجراءات تطبيع العلاقات بين بلجراد والبوسنة، حيث سيتم تبادل السفراء بين البلدين قبل نهاية العام الحالي.

 ومن الخطوط العريضة التي شملها البيان الختامي لقمة زغرب الأقليات المختلفة في دول البلقان وخاصة الدول المستقلة عن يوغسلافيا السابقة، فهناك أقليات بوشناقية في صربيا والجبل الأسود وكرواتيا وسلوفينيا وكوسوفا وغيرها، لا تزال تطالب بالاعتراف بها، وتشتكي من الظلم الفادح الذي تتعرض له من قبل المجتمعات التي تعيش فيها والتي لا تعترف بخصوصياتها ولا حقوقها الثقافية والدينية، كما أنها أعلنت إجراء استفتاء في أوساطها بهذا الشأن، ففي كرواتيا وحتى الآن، كما في صربيا والجبل الأسود لا يعترف بالبوشناق كأقلية، فيما توجد أقليات صربية في كرواتيا والبوسنة وكوسوفا ومقدونيا والجبل الأسود وألبانيا تتمتع بكل الحقوق، كما أن هنالك أقلية كرواتية في صربيا والبوسنة، تتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها غيرها وزيادة في مايتعلق بالخصوصيات والشأن الثقافي والديني.

«بدون القبض على مجرمي الحرب لا يمكن للأمن والاستقرار أن يستتب في منطقة البلقان» هذه المُسلَّمة أجمع عليها المؤتمر في زغرب، لكن الرئيس اليوغسلافي كوشتونيتسا لم يبد أي إشارة تفيد بأنه مستعد لتقديم مجرمي الحرب الصرب إلى المحاكمة وفي مقدمتهم الرئيس السابق سلوبودان ميلوسوفيتش، والجنرال راتكو ملاديتش الذي نقل إلى صربيا ليقوم بالتدريس في الكلية الحربية هناك ورادوفان كاراذيتش الذي يتنقل بين مناطق السيطرة الصربية في البوسنة وصربيا، بل إن رئيس وزراء يوغسلافيا زوران دجنجيتش صرح بأن التعاون مع محكمة جرائم الحرب ليس من أولوياتنا، وأن الذي يشغلنا هو كوسوفا والجبل الأسود.

 المنطقة الحرة

من البنود التي تم التفاهم حولها في زغرب إقامة منطقة حرة، وعقد اتفاقيات تعاون إقليمي، ورفع الحواجز الجمركية وتخفيض الضرائب على السلع وتشجيع التعاون التجاري بين دول البلقان وقد خصصت القمة مبلغ أربعة مليارات من الدولارات لتنمية المنطقة اقتصاديًّا، لتخفيف حدة الهجرة لدول الاتحاد الأوروبي من خلال تشجيع الشباب على إقامة مشاريع صغيرة، ودمجهم في دورة الإنتاج بعد إعادة تشغيل بعض المصانع التي أتت عليها الحرب، وسيبدأ ضخ الأموال من بداية العام الجديد وعلى مدى ست سنوات متتالية.

 الموقف المعلن لقمة زغرب من الجبل الأسود هو رفض الاستقلال، الأمر الذي سبب خيبة أمل لدى ميلود جوكانوفيتش رئيس الجبل الأسود الذي اشترط معاملته كرئيس دولة قبل حضور القمة وعرض مقترحات عدة من أجل تهدئة الوضع وإقامة علاقات طبيعية مع صربيا، ومنها: 

  1. إخراج الجيش الصربي من الجبل الأسود. 

  2. الحصول على عملة خاصة وإنهاء التعامل بالدينار اليوغسلافي.

  3. فصل المؤسسات كالبرلمان المركزي والخارجية ووزارة الداخلية الفيدرالية.

 وتعهد بتقديم تسهيلات لصربيا في حال قبلت مقترحاته، أو كما أوضح مستشار رئيس الجبل الأسود ميودرانغ فوكوفيتش: «نحن ندعو إلى رابطة مع صربيا ولكن هذه الرابطة لا تحمل طابع الدولة الواحدة نحن لا نريد التحدث مع كوشتونيتسا نريد أن نتحدث مع الحكومة التي ستفرزها الانتخابات في ديسمبر القادم وهذا قرار نهائي».

وواقع الأمر أن الجبل الأسود أرسى قواعد الدولة المستقلة ومؤسساتها خلال الصراع الإقليمي والدولي مع ميلوسوفيتش، فالعملة اليوغسلافية مهجورة في الجبل الأسود، كما كوَّن الجبل الأسود جماركه الخاصة، وعين دبلوماسييه في عدد من الدول الغربية، وبعد ذلك صدرت التصريحات تترى بأن الجبل الأسود لن يفرط في أي جزء من سيادته الكاملة، وأخيرًا اقترح مستشار رئيس الجبل الأسود ورئيس الفريق السياسي الذي سيقدم بمذكرة الاستقلال نمطًا من العلاقة مع صربيا شبيهة بعلاقات دول الاتحاد السوفييتي السابق مع بعضها البعض، حيث تمارس كل دولة نشاطها الخاص، أما يوغسلافيا فليست قدرًا مقدورًا على الجبل الأسود، ورغم أن مؤتمر زغرب انتهى برفض دعوة رئيس الجبل الأسود للاعتراف باستقلال بلاده، إلا أنه وأعضاء حكومته ومستشاريه يؤكدون أن الاستقلال سيتم في صيف العام القادم بعد إجراء الاستفتاء العام بهذا الخصوص.

الموقف من البوسنة والهرسك

قرارات المؤتمر جاءت في صالح البوسنة والهرسك، فالتحذير من التطلعات الطائفية والاعتراف بالحدود الدولية للبوسنة والهرسك والضغوط التي تمارس على أطراف عدة، وإن لم تكن كافية للالتزام باتفاقية دايتون تخدم المصالح العليا للبوسنة، وهذا ما قاله علي عزت: «نحن مع تقوية سلطة الحكومة المركزية ودعم وحدة أراضي البوسنة والهرسك.. لكن ذلك لم يمنع علي عزت من توجيه النقد اللاذع للغرب فوصف مؤسساته بأنها تعاني من الإرهاق وتفتقر للنزاهة والعدل، فحتى الآن لم تفعل منظمة الأمن والتعاون الأوروبي ما يجب للمحافظة على حدود البوسنة وعودة المهجرين، وعقد علي عزت مؤتمرًا صحفيًّا بعد عودته من زغرب فضح فيه ممارسات منظمة الأمن والتعاون الأوروبي التي حرمت حزب العمل من عشرة آلاف صوت في الانتخابات العامة الأخيرة وفاز فيها الحزب بأغلبية الأصوات في البرلمان الفيدرالي والبرلمان المركزي، رغم كل أساليب الحيف والانحياز للحزب الاشتراكي الديمقراطي.

صربيا في المقدمة

فويسلاف كوشتونيتسا هو الشخصية البلقانية الأكثر سرقة للأضواء حتى الآن، فهو الذي أسقط ميلوسوفيتش بعد أن عجز الأطلسي عن فعل ذلك، وبمجرد وصوله للسلطة بدأت العقوبات ترفع تدريجيًّا عن صربيا، وبدأت المساعدات تنهال عليها، وقد أعيد مقعد يوغسلافيا في الأمم المتحدة ومقعدها في منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، وقد تم ضخ الأموال لصربيا، ومن ذلك مائة مليون دولار لتأمين التدفئة للصرب خلال مائة يوم من فصل الشتاء، بينما يوجد في البوسنة ٤٠ ألف مسلم مهجر عادوا إلى البيوت التي تركها الصرب خرابًا ولا يجدون الطعام الكافي فضلًا عن الدفء والدواء وضرورات الحياة الأخرى.

 

الرابط المختصر :