العنوان أوروبا.. هل تحولت إلى عالم ثالث؟
الكاتب حسام شاكر
تاريخ النشر السبت 26-يناير-2002
مشاهدات 78
نشر في العدد 1486
نشر في الصفحة 28
السبت 26-يناير-2002
قوانين «الإرهاب» الأوروبية الخاطفة تقضي على تراث من الحقوق والحريات.
أكثر ما يثير قلق القوى الحقوقية اعتماد بعض الدول مبدأ سرية الأدلة، والاعتقال دون توجيه تهم والتوسع في مراقبة الأشخاص.
بعد أحداث سبتمبر الماضي سارعت الدول الأوروبية إلى اتخاذ تدابير جديدة، جرى تمريرها تحت اللافتة الأمنية وفي ظلال الحملة العالمية ضد ما يسمى بـ «الإرهاب الدولي» لكنها كانت على حساب مساحات من الحقوق والحريات.
فقد جرت عملية مراجعة شاملة للنظم والتدابير الأمنية المعمول بها في أوروبا على مستويين أحدهما قطري والآخر فوق قطري.
فعلى المستوى القطري تجاوبت كلّ دولة على طريقتها مع التداعيات الأمنية للأحداث، باتخاذ المزيد من الإجراءات الوقائية وسَن المواد القانونية وإصدار التعليمات الإدارية التي تنسجم مع الحالة الأمنية الجديدة. وبينما تفاوتت ردود الفعل بين دولة وأخرى! فإنها سارت جميعها باتجاه تشديد الاحتياطات الأمنية.
وجاءت الحوادث مدعاة لتفعيل جهود التنسيق والتعاون بشكل فوق قطري، على مستويات الدول الخمس عشرة الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وعلى المستوى الثنائي والإقليمي، علاوة على التعاون ضمن إطار المنظومة الغربية «لمكافحة الإرهاب»، وخاصة فيما يتعلق بتبادل المعلومات والبيانات الاستخبارية.
وتبعًا لذلك جاءت التدابير الأمنية الوقائية التي عمل بها في أوروبا له مكافحة الإرهاب لتضع فئة «الكامنين» أو «النائمين» نصب عينيها. وهؤلاء يتم البحث عنهم في كافة القطاعات والشرائح ضمن معايير غربلة معينة.
وما يثير قلق قطاعات واسعة من مسلمي أوروبا بصفة خاصة أنّ ما يجري يشبه عملية البحث عن إبرة صغيرة وسط كومة كبيرة من القش، وقد لا تكون هذه الإبرة موجودة في الأصل، وإذا كان انتزاع الإبرة المؤذية بالأمر المفيد فإن بعثرة كومة القش ووضعها في دائرة الشكوك والاشتباه لا يمكن أن يكون باعثًا على الارتياح.
ويتعلق جانب من المخاوف بالضمانات المتاحة لعدم إخلال المواد القانونية – التي تم أو سيتم سنها، والإجراءات الأمنية الجديدة التي جرى اتباعها – بالحقوق المدنية للأفراد وخصوصياتهم الشخصية.
كما تثور التساؤلات عن الضمانات المتوافرة التي تمنع إساءة استخدام التدابير الأمنية، لممارسة أنماط من التفرقة والتمييز بما يصل إلى تعكير صفو المجال الشخصي للمواطنين، وهل يمكن القيام بممارسات تحمل شبهة عنصرية ضد أفراد أو مؤسسات بذرائع أمنية يصعب التحقق منها، خاصة وأنّ العديد من منظمات حقوق الإنسان دأب في السابق على اتهام عناصر من الشرطة في أكثر من بلد أوروبي بالقيام بممارسات عنصرية تحت غطاء الصلاحيات الممنوحة لرجال الشرطة.
أصوات حقوقية قلقة
في ضوء هذه المحاذير؛ أعربت منظمات حقوقية عن قلقها إزاء التوجهات الجديدة التي حملتها تداعيات الحادي عشر من سبتمبر إلى الفضاء الأمني والقانوني الأوروبي، وحذرت من مغبة انتهاك حقوق الإنسان تحت لافتة مكافحة الإرهاب.
وكانت دول الاتحاد الأوروبي قد أكدت في اجتماع المجلس الأوروبي المنعقد في مدينة تامبري الفنلندية عام ۱۹۹۹م، التزامها بإنشاء منطقة أوروبية تسود فيها الحرية والأمن والعدل ولكن هذا الالتزام يبدو الآن عرضة للاهتزاز.
وترى منظمة «مراقبة حقوق الإنسان» (هيومان رايتس ووتش) أن الإجراءات الأمنية التي اقترح اتخاذها على مستوى الاتحاد الأوروبي، يمكن أن تخل بمعايير حقوق الإنسان وفي مذكرة أصدرتها في السادس من نوفمبر الماضي أعربت المنظمة عن قلقها بشأن ما وصفته بـ «التعريف الفضفاض للإرهاب الذي يهدد الحق في حرية التعبير والتجمع، وتشكيل الجمعيات أو الانتماء إليها: وبشأن غياب ضمانات المحاكمة العادلة في اقتراح يقضي باستحداث أمر توقيف أوروبي؛ فضلًا عن اقتراحات أخرى تهدد النظام الدولي لحماية اللاجئين» ودعت المنظمة دول الاتحاد إلى رفض الاعتقال طويل الأمد للمشتبه فيهم دون أي مراجعة قضائية.
وتقول إليزابيث أندرسن، المديرة التنفيذية لقسم أوروبا وآسيا الوسطى بالمنظمة: «إن الأمن لا يمكن شراؤه على حساب حقوق الإنسان والتحدي الذي يواجه الاتحاد الأوروبي اليوم يتمثل في التصدي للتحديات الأمنية الجديدة دون إغفال الحرية، وهذا أمر لا تحققه التدابير الحالية المقترحة»، على حد تعبيرها.
هل من داعٍ للقلق؟
من المثير أن تشهد أوروبا جدلًا بخصوص القلق على هامش الحريات والحقوق خاصة وأنّ قضايا حقوق الإنسان والحريات العامة تحتل مكانة تزداد أهمية هناك، لكن عند التأمل في المسيرة الحقوقية لأوروبا عبر السنوات الماضية يفاجأ المرء بالعثور على جوانب قصور ومكامن خلل يصعب إغفالها.
فقد سبق اهتمام أوروبا بملف الحقوق والحريات أن تجلَّى بشكل واضح في قمة نيس لزعماء القارة المنعقدة في نهاية عام ٢٠٠٠م إذ اقر ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي ليكون مرجعًا موحدًا لحقوق المواطنين، ومن المفارقات في هذا المجال أن هذا المرجع لا يحظى في الوقت ذاته بالصفة الإلزامية.
كما جاءت تلك الخطوة بعد تعثر استغرق إحدى عشرة سنة تلت طلبًا كان قد تقدم به البرلمان الأوروبي بهذا الشأن. فقد حظي التوجه نحو إقرار ميثاق حقوقي موحد بموافقة عامة الزعماء المجموعة الأوروبية منذ البداية، لكن الخروج به ضمن صيغة رسمية استغرق زمنًا طويلًا وتخللته تجاذبات ساخنة ومخاوف من عواقبه بالنسبة لبعض الدول التي تعاني من عقدة الخوف من التفكك.
كانت المباحثات التي جرت للتوصل إلى ميثاق الحقوق الأساسية شاقة عكست الفجوة بين الطموح المرتجى والواقع الحافل بالصعوبات؛ إذ تدخل عدد من الدول للضغط باتجاه نزع الصفة الإلزامية عن الميثاق أو الصالح تجاهل بعض البنود، كالتي يمكن أن تنص مثلًا على حقوق الأقليات بشكل واضح.
وأخيرًا رأى الميثاق النور في نهاية عام ۲۰۰۰م، لكنه منذ ذلك الحين يبدو عديم الفاعلية وغير ملموس الأثر، لكنّ مجرد التوصل إليه رغم التحفظات الشديدة من هنا وهناك كان يعني قطع الخطوة الأهم على طريق إصدار دستوري أوروبي موحد، كما يتطلع بعض المتحمسين لمشروع «الولايات المتحدة الأوروبية».
كما جاءت تلك الخطوة لتمنح الاعتزاز الأوروبي بمبادئ الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان زخمًا إضافيًّا، فالاتحاد الذي يقوم رسميًا على سيادة القانون والمعايير الحقوقية، وقع مبكرًا على الاتفاقية الأوروبية الحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية كما أن دساتير الدول الأوروبية تنص على حماية حقوق الإنسان والحريات العامة، علاوة على توقيع هذه البلدان على الإعلان العالمي الحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف.
كما أن لجنة الخارجية في البرلمان الأوروبي شكّلت «مجموعة عمل لحقوق الإنسان»، قبل اثنتين وعشرين سنة، تحولت فيما بعد إلى «لجنة فرعية لحقوق الإنسان» ذات اهتمامات خارجية. وبموازاة ذلك تشكلت بموجب اتفاقية ماستريخت عام ۱۹۹۲م «لجنة الحريات الأساسية والشؤون الداخلية» في البرلمان الأوروبي، التي تنصرف المعالجة الملف الحقوقي الداخلي وتصدر كل من اللجنتين الداخلية والخارجية، تقريرًا سنويًّا يطرح أمام صانعي القرار والرأي العام.
ورغم تنامِي الوعي الحقوقي في القارة واستقرار ضمانات حقوقية واسعة في مواثيقها ودساتيرها ونظمها القانونية؛ فإنّ ذلك لم يمنع أوروبا من أن تشهد فظائع في السنوات الأخيرة، من قبيل المجازر الجماعية المروعة في البوسنة والهرسك وكوسوفا، أو كالتي دارت رحاها، وما زالت تحت سمع أوروبا وبصرها في شمال القوقاز على يد روسيا «الأوروبية».
بل إن الموقف الأوروبي أبدى صمتًا وترددًا إزاء الاعتداءات الصهيونية على الفلسطينيين العزل، رغم إمكانية ممارسة ضغوط سياسية وعقوبات اقتصادية على تل أبيب التي تتمتع بامتيازات ملحوظة من أوروبا. وعلى العكس تمارس أوروبا ضغوطًا مشددة على الجانب الفلسطيني، وتتمادى في نعت الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية به «الإرهاب»، بينما تغض الطرف عن الفظائع التي يرتكبها الاحتلال.
ويبدو أنّ هذه الظواهر مؤهلة لأن ترجح مصداقية المزاعم التي يبوح بها الكثير من المراقبين، من أنّ للاعتبارات الإستراتيجية والاصطفاف السياسي والشراكة الاقتصادية مساحة أوفر في التطبيق من الشعارات الحقوقية.
هل تغيّرت حقوق الإنسان بعد ١١ سبتمبر؟
هناك انطباع عام بأنّ التدابير والإجراءات المتخذة بما في ذلك العديد من القوانين التي تم سنها؛ جاءت على حساب جوانب من الحقوق والحريات فعلى سبيل المثال: توسعت دول أمريكا الشمالية وأوروبا في سن حزمة من قوانين مكافحة الإرهاب، جاءت في ذروة الصدمة والذهول مما حدث، أي أن العاطفة قد تكون كبحت جماع التعقل والتروي. كما أنها تمت بشكل سريع وخاطف في كثير من البلدان دون أن يتاح لنواب الأحزاب الحكومية أو المعارضة أو لقوى المجتمع المدني، فضلًا عن الرأي العام فرص الاطلاع على مضمونها واستشراف عواقبها بالقدر الكافي.
وزيادة على ذلك لوحظ أنّ حزمة قوانين الإرهاب خلت من المعارضة الفاعلة، مما يعطي الانطباع بأن الظرف الاستثنائي سمح به «تمرير» دفعة من القوانين التي كانت مثيرة للجدل في الأصل، وحتى النواب المدافعين عن الحقوق المدنية والقوى غير الحكومية المنافحة عنها لم يجدوا الأجواء ملائمة لخوض حملات معارضة» وسط إثارة مشاعر التهديد والحاجة إلى ضمان الأمن.
ولعلّ أكثر ما يثير قلق القوى الحقوقية هو اعتماد بعض الدول مبدأ سرية الأدلة، والاعتقال دون توجيه تهم محددة ودون محاكمة، والتوسع في صلاحيات التنصت على المحادثات الهاتفية ومراقبة المجال الشخصي للأفراد، بالإضافة إلى عمليات البحث في البيانات الشخصية دون علم أصحابها، وتقييد استيعاب اللاجئين وتشديد الحصول على تأشيرات الدخول والإقامة والهجرة، وهي التدابير التي تتفاوت من بلد إلى آخر. وإلى جانب ذلك كانت هناك تدابير خاصة بالجمعيات والمنظمات والأنشطة الخيرية والأعمال الاستثمارية والتجارية.
وقد حدا الأمر بمنظمة «مراقبة حقوق الإنسان» لأن تصدر مذكرة عن العواقب المحتملة للمقترحات والتدابير الأمنية الداخلية التي وضعها الاتحاد الأوروبي في أعقاب هجمات سبتمبر فيما يتعلق بحقوق الإنسان اعتبرت «أن بعض المقترحات التي وضعها الاتحاد مؤخرًا المكافحة الإرهاب وغيرها من تدابير الأمن الداخلي المقترحة تتضمن عناصر تثير مخاوف خطيرة بشأن حقوق الإنسان».
وحثت المنظمة الاتحاد الأوروبي على توخي الحذر لضمان أن تشتمل أي تدابير أمنية متخذة على الضمانات الكافية لحماية الحريات المدنية الفردية كما نوصي بأن تتضمن أي تشريعات جديدة يصدرها الاتحاد الأوروبي نصوصًا محددة تضمن اتساقها التام مع القانون الدولي الحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي والمعايير الدولية لحماية اللاجئين».
ورأت المنظمة أن التدابير الأمنية الجديدة التي اقترحتها المفوضية الأوروبية لمكافحة الإرهاب واستصدار أمر أوروبي للتوقيف تتضمن نصوصًا تؤثر على التزامات الدول الأعضاء بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان وقوانين حقوق الإنسان الأوروبية».
وترى المنظمة الحقوقية أنّ العجلة في الموافقة على هذه المقترحات تعني التضحية بالحوار العام، والاستفادة من آراء ومواقف المجتمع المدني على ما لها من أهمية حيوية في هذا الشأن، مما يؤدي إلى تقويض الجهود الحالية الرامية إلى وضع إجراءات تتسم بالشفافية وتقوم على المشاركة بقصد منح مواطني الدول الأعضاء دورًا في إدارة شؤون الاتحاد. ومن هنا فقد يؤدي إهمال الدراسة الفاحصة لعواقب هذه المقترحات على المواطنين واللاجئين والمهاجرين إلى وضع قوانين وسياسات تتسبب في تأكل الحريات الأساسية.
وتخشى منظمات حقوقية من استبعاد اللاجئين والمهاجرين أو طردهم بدون ضمانات كافية وتثير التصريحات الحكومية التي تسوي بين مكافحة الهجرة غير الشرعية والحرب على الإرهاب القلق من أن التدابير المقترحة لمكافحة الإرهاب المقترنة بتغيير السياسات والممارسات على صعيد الهجرة واللجوء تميل إلى استبعاد المهاجرين واللاجئين، مما قد يقوض الحق في طلب اللجوء وحقوق الإنسان الأساسية للمهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء.
وتزامنت المخاوف الحقوقية هذه مع ظهور بوادر مقلقة للغاية من ممارسة التفرقة والتمييز بحق المواطنين المسلمين في العديد من المجالات كمواقع العمل وبعض التخصصات الدراسية على خلفية أمنية. إذ بات المسلمون بشكل عام مستبعدين أو مهددين بالاستبعاد من الالتحاق بمجالات العمل في كثير من القطاعات الأمنية والمطارات وشركات الطيران والقطاعات الحساسة، أو أنّ التحاقهم بهذه القطاعات أصبح محفوفًا بالقيود والشكوك.