; أوزبكستان.. محنة الدعاة في سجن كريموف الكبير | مجلة المجتمع

العنوان أوزبكستان.. محنة الدعاة في سجن كريموف الكبير

الكاتب عبدالله النمنكاني

تاريخ النشر السبت 01-يوليو-2006

مشاهدات 132

نشر في العدد 1708

نشر في الصفحة 18

السبت 01-يوليو-2006

  •  كريموف سعى لتمزيق الصف الإسلامي وزرع الفتن عبر عملائه واستخباراته.. وحوّل الشعب الأوزبكي إلى طوائف متناحرة .
  •  المخابرات تدس أسلحة ومتفجرات ومخدرات في بيوت بعض المشايخ والدعاة.. ثم يداهمها رجال الشرطة ويعتقلونهم.
  •  الإقبال الكبير على الإسلام أقض مضاجع النظام الذي تربى قادته في أحضان الشيوعية.
  •  الحكومة الأوزبكية لجأت إلى وسائل جديدة في محاربة الإسلام والمسلمين حتى حوّلت حياة الشعب المسلم إلى جحيم فأصبح من أفقر شعوب العالم.

يعيش المسلمون في أوزبكستان مأساة متجددة.. كبت للحريات.. حصار للإسلام وشعائره وكل مظاهر الالتزام به.. بل يعيش علماؤه ودعاته محنة ظالمة من سجن واضطهاد وتعذيب وخطف وتشويه إعلامي إلا من رحم الله وقد دفعت تلك المحنة عددًا غير قليل من العلماء إلى الهروب من هذا السجن الكبير.. سجن الرئيس كريموف 

لعل أشهر هؤلاء العلماء الشيخ عابد خان قاري بن ثابت نازاروف الخطيب المفوه والداعية المشهور، فمن هو وما قصته؟! 

أصله من مدينة لمنكان بإقليم وادي فرغانه المعروف بتمسك أهله الشديد بتعاليم الإسلام منذ قديم الأزمان. 

ولد في عام «١٩٥٨م» في أسرة محافظة ملتزمة بتعاليم الإسلام، وتربى في كنف والديه تربية إسلامية صافية، وتتلمذ على بعض مشايخ مدينة لمنكان، والتحق بالمدرسة الحكومية الشيوعية - التي كانت إلزامية على الجميع - وحصل على الشهادة الثانوية بتقدير امتياز. 

وامتثالًا لنصيحة بعض مشايخه سافر الشيخ عابد قاري إلى العاصمة الأوزبكية طشقند، والتحق بمعهد الإمام البخاري العالمي لإعداد الأئمة والخطباء وتخرج فيه بأعلى درجة في عام 1982 م. 

الإمام الشاب 

كان مفتي الإدارة الدينية آنذاك الشيخ ضياء الدين باباخانوف - رحمه الله - معجبًا بالشاب الناشئ عابد قاري المتميز بأخلاقه العالية وآدابه الراقية وتفانيه في طلب العلم الشرعي وخدمة دينه في ومساعدة مشايخه، وإتقانه لتلاوة القرآن الكريم بصوته العذب الجميل. 

وقد رشح الشيخ المفتي عابد قاري ليكون إمامًا وخطيبًا ثانيًا لجامع تلًا شيخ أمام مبنى الإدارة الدينية للإفتاء مع أن عمر الشيخ عابد قاري آنذاك لم يكن يتجاوز ٢٥عامًا فقط. 

ثم نقل الشيخ عابد قاري إمامًا وخطيبًا مستقلًا إلى جامع توختاباي في وسط العاصمة الذي أعيد افتتاحه في أواخر عام ١٩٨٩م.

ومن هنا بدأ رحلته الدعوية وتصدق فيه فراسة شيخه وأستاذه الشيخ ضياء الدين باباخانوف، فيقيض الله للأمة هذا الإمام الشاب الذي فاجأ العالم بمواعظه الإيمانية القوية وأسلوبه الدعوي المؤثر وخطبه البليغة التي تسري في القلوب، بالإضافة إلى ثباته في طريق الحق رغم الفتن الحكومية والإغراءات الكثيرة ثم تهديدات الدولة الخطيرة.

ومنذ أن تولى الشيخ عابد قاري الإمامة والخطابة في هذا المسجد العريق بدأت أعداد المصلين فيه تزداد بصورة متسارعة وصار آلاف المسلمين يقصدون مسجد الشيخ عابد خصيصًا لحبهم خطبه البليغة المؤثرة وشجاعته في الصدع بكلمة الحق واهتمامه الكبير بتربية الشباب الناشئ بأخلاق الإسلام العالية. 

حقوق المرأة 

تميز الشيخ عابد قاري بدفاعه المستميت عن حقوق المرأة المسلمة وحجابها الساتر، وكان آلاف النساء المسلمات الأوزبكيات يتعلمن العلوم الشرعية النافعة في مسجده عبر خطبه المنبرية ودروسه اليومية والدورات العلمية التي كان يقيمها تلاميذه لكبار السن من الرجال والنساء بجانب الفتيان والفتيات.

 كما اهتدى على يد الشيخ مئات المثقفين الشيوعيين وأعلن عدد من الفنانين المشهورين في أوزبكستان توبتهم في هذا المسجد المبارك، كذلك كانت إذاعة صوت أوروبا الحرة - القسم الأوزبكي تبث عبر موجاتها التي تصل إلى معظم أنحاء العالم دروسًا أسبوعية للشيخ عابد قاري في تفسير القرآن الكريم، قبل أن ينقطع الشيخ عن مواصلة هذا البرنامج الإذاعي بسبب التضييقات الأمنية عليه في عام ۱۹۹۸م، وبذلك تمكن المسلمون الأوزبك خلال سنوات قليلة فقط من إحياء شعائر ومعالم الإسلام التي طمستها الشيوعية خلال٧٠ عامًا. 

هذا الإقبال العظيم على الإسلام أقض مضاجع أعداء الإسلام والحكومة الأوزبكية التي تربى زعماؤها في أحضان الشيوعية بالأمس القريب وارتموا بعد الانفصال في حظيرة الكيان الصهيوني - فشرعوا مرة أخرى في الهجوم على هذا الدين وأهله باستخدام مختلف الأساليب الخادعة وأنواع المكر والحيل. 

عداء الحكومة 

لقد لجأت الحكومة الأوزبكية لاستخدام عدد من الوسائل لمحاربة الإسلام والمسلمين وواصلت هجومها ضد المعارضين لسياساتها الدكتاتورية بالتنقل من مرحلة إلى أخرى حتى حولت حياة الشعب الأوزبكي المسلم إلي جحيم حتى فأصبح من أفقر شعوب العالم، في حين أن ثرواتها الهائلة من ذهب وفضة ونفط وغاز وقطن وغير ذلك تذهب إلى كريموف رئيس الجمهورية وأعوانه. 

وكانت مراحل هجوم النظام الدكتاتوري على المسلمين كالتالي: 

-السعي الحثيث لتفريق الصف الإسلامي وزرع الفرقة والخلاف في داخل المسلمين - عبر عملائه واستخباراته الذين يزرعون الفتن ويؤججونها في عمق الشعب الأوزبكي بتقسيمهم إلى طوائف متناحرة سواء بوسم بعضهم بالوهابية والبعض الآخر بالمتعصبة.

-الاعتماد على نشر الإشاعات والتهم الباطلة بحق المسلمين المستقيمين فمن ذلك مثلًا بدأ الهجوم الإعلامي الحكومي أولًا على اللحية والحجاب والملابس الإسلامية وكثير من الشعائر الدينية.

- ثم بدأ الهجوم الإعلامي عبر عملاء الحكومة على بعض الرموز والشخصيات الإسلامية والدعاة إلى الله باتهامهم بأعمال عنف وإصدار فتاوى تحريضية وتدريب الشباب على الجهاد وغير ذلك من التهم الباطلة. 

شرعت بعد ذلك بالهجوم الميداني بوضع أسلحة ومتفجرات ومخدرات في بيوت بعض المشايخ والدعاة - كما فعلت ذلك في حق الشيخ الداعية محمد رجب قاري وغيره - وبعد أن يضع عملاء المخابرات تلك المواد المتفجرة ونحوها في منزل الدعاة وطلبة العلم يداهم رجال الشرطة والاستخبارات ذلك المنزل للتفتيش بدعوي الاشتباه ومن ثم يعتقل الداعية بتهمة الإرهاب وبعد أن أصبحت هذه الحيلة مكشوفة لجأت المخابرات إلى حيلة أخرى وهي: الاختطاف السري للمشايخ والدعاة وعدم تحمل مسئولية اختفائهم بل وزعمها أنها تطلبهم لمعاقبتهم، كما فعلت ذلك في حق الشيخ الداعية عبد الولي قاري في عام ١٩٩٥مالذي تم اختطافه مع العشرات من طلابه الدعاة، وقبلهم الشيخ عبد الله أونا في عام ١٩٩٣م.

ثم جاء دور الشيخ عابد قاري أخيرًا والذي لم يكن من السهل إزاحته عن الميدان: ففي البداية اتهمته السلطات بالخروج عن أوامر الإدارة الدينية التابعة للحكومة، ولكنها فشلت في إثبات ذلك. 

فأمرت الاستخبارات الأوزبكية سرًا مفتي الإدارة الدينية آنذاك مختار جان عبد اللابيف، ونائبه يوسف خان شاكروف باختلاق طريقة لعزل الشيخ عابد قاري فأعلنت الإدارة الدينية موعدًا لإجراء اختبار كفاءة الأئمة، من أجل إسقاط الشيخ عابد في الاختبار والإعلان للناس بأنه قد رسب في الاختبار لعدم كفاءته العلمية للإمامة! إلا أن هذه الحيلة فشلت بسبب مرض الشيخ عابد قاري الذي استمر لمدة تزيد على نصف شهر وينص القانون على منع عزل الشخص من منصبه في حال مرضه ومع ذلك أمرت الحكومة بعزل الشيخ عابد قاري من الإمامة فورًا حتى لو كان مريضًا مهما كلف ذلك من انتهاك للقانون فالقانون لحماية المتغطرسين لا لحماية المستضعفين في شريعة الغاب الأوزبكية.

وبعد أن فصل الشيخ عابد قاري من الإمامة والخطابة بالقوة بدأت الاستخبارات الأوزبكية تتابع تحركاته باستمرار، إلا أنه استطاع أن يواصل العمل الدعوي لمدة سنتين حتى جاءت سنة ١٩٩٨م التي استنفرت فيها القوات الحكومية طاقاتها من أجل القاء القبض عليه والمتعاونين معه مهما كلف ذلك من الفضيحة، ولكن الشيخ نجح في الاختفاء التام وأخذ الاحتياطات. 

في مطلع عام ۱۹۹۹م نفذت الحكومة الأوزبكية - ممثلة في وزير داخليتها - آنذاك - ذاكر ألماتوف ورئيس الاستخبارات روستم عنایاتوف أبشع خططها الإجرامية حيث استدرجت عددًا من الشباب المسلم الغاضب على الحكومة غضبًا أخرجهم عن الاستماع لنصيحة العلماء وتوجيههم بالتزام الهدوء والحكمة حتى لجئوا إلى حمل السلاح في وجه الحكومة الطاغية وإحداث الاضطرابات التي خدمت الحكومة كثيرا في تبرير جرائمها ضد المسلمين وقد تركت الاستخبارات الأوزبكية أولئك الشباب يتورطون في أحداث العنف وهي تراقب تحركاتهم بدقة عبر عملائها المخترقين.

وفي١٦ فبراير ۱۹۹۹م ضربت سلسلة من التفجيرات المفبركة العاصمة طشقند بشهادة المراقبين بالأدلة الكثيرة على علاقة الاستخبارات وأجهزة الأمن بتدبيرها. وعلى الفور بدأت الحكومة أعنف حملاتها الهمجية على رؤوس المسلمين حتى وصل عدد السجناء إلى ٣٠ ألف سجين خلال بضعة أشهر فقط حسب إحصائيات جمعية المبادرة لحقوق الإنسان - ويسبب هذه الحملات العنيفة والمداهمات والاعتقالات المتواصلة التي لا تزال مستمرة اضطر الشيخ عابد قاري للخروج من أوزبكستان إلى كازاخستان المجاورة في عام ٢٠٠٠م المواصلة عمله الدعوي والتعليمي هناك وبسرية شديدة. 

واستمرت الحكومة الأوزبكية في اعتقال تلاميذ الشيخ وأعوانه ومن بينهم عدد من الدعاة إلى الله مثل الشيخ عاقل يونسوف - خريج الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في عام ۱۹۹۸م- والذي اختطفته المخابرات الأوزبكية في طشقند عام٢٠٠٤م ومن قبله الشيخ فاروق حيداروف الذي اختطفته المخابرات بعد أيام قليلة من خطف الشيخ عاقل - وكذلك حسين الدين نجل - الذي اختطف من طشقند في نفس الفترة أيضًا - وغيرهم من الشباب المسلم. 

كما اعتقلت زوجته مرة ثم أطلق سراحها بسبب احتجاجات منظمات حقوق الإنسان، واعتقل أيضًا أخوي الشيخ عابد قاري، عمر خان نازاروف وعبد الملك نازاروف وحكمت عليهما بالسجن لسنين طويلة، ثم أفرجت عنهم في السنوات الأخيرة بعد فشل كل الضغوط لإجبار الشيخ على الاستسلام.

وبعد أحداث أنديجان شددت الاستخبارات الأوزبكية البحث عن الضحايا المسلمين كي تتهمهم بالعلاقة بأحداث أنديجان، وقدر الله تعالى أن تتزامن تلك الحملات العشوائية والمداهمات المفاجئة على بعض المنازل في مدينة شمكنت جنوب كازاخستان التي كان يختبئ فيها عدد من تلاميذ الشيخ عابد قاري والدعاة المتعاونين معه، وكان من بينهم الشيخ الداعية روح الدين فخر الدينف - أحد الأئمة المشهورين والمطاردين من قبل الحكومة بالإضافة إلى عدد من المقربين للشيخ عابد قاري.

وبذلك ضاق الخناق على تحركات الشيخ عابد قاري ولم يبق له سوى طلب اللجوء السياسي لدى الأمم المتحدة. وبالفعل تم له ذلك وسافر إلى أوروبا تحت مظلة الأمم المتحدة وعند مغادرته لكازاخستان من مطار «ألما آتا» قال للصحفيين وبعض وكالات الأنباء العالمية في أول تصريحات له منذ ٨ سنوات إنه برئ من التهم التي ألصقتها الحكومة الأوزبكية به، من بينها ادعاء العلاقة بينه وبين منظمة حركة أوزبكستان المسلحة وقد نفى الشيخ أن تكون له أية علاقة بها، مشيرًا إلى أن ظهور الحركات المتشددة في أوزبكستان هو الحصاد المر الذي جناه الرئيس الأوزبكي بسياسته القمعية تجاه الشعب الأوزبكي.

الرابط المختصر :