العنوان أوزبکستان- سفير بريطانيا السابق في أوزبكستان يكشف «أهوال» نظام كريموف
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 27-يناير-2007
مشاهدات 59
نشر في العدد 1736
نشر في الصفحة 34
السبت 27-يناير-2007
* الغرب يتجاهل قضايا حقوق الإنسان من أجل مصالحه
* القوى الأجنبية مستعدة للتدخل بالقوة إلا أنها لا تمتلك برنامجًا تنمويًّا كما في أفغانستان والعراق
* روسيا تسعى للهيمنة من جديد باسم روسيا الكبرى بدلا من الاتحاد السوفييتي وأمريكا تحاول تقليص الحضور الروسي وبناء إمبراطورية إمبريالية بدون بدائل اقتصادية وسياسية
تشير الإحصاءات إلى أن نسبة المسلمين في أوزبكستان تزيد على 95% من مجموع الشعب البالغ 22 مليون نسمة. وفي شهادته أكد سفير بريطانيا السابق في أوزبكستان «جراي موراي» أن المسلمين يعانون من الاضطهاد الذي بلغ حد إلقاء الضحايا في مياه حمضية تغلي إذا رفضوا إقرار التهم الملفقة لهم في تقارير الاستخبارات بأنهم أعضاء في إحدى الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة..
وأكد جراي موراي أن الاستخبارات الأوزبكية كانت تعذب السجناء وتنقل على ألسنتهم معلومات خاطئة للأمريكيين والبريطانيين، وأضاف: وصلتني صور فوتوغرافية بعد أسبوعين من وصولي إلى أوزبكستان لشاب تم تعذيبه ورميه في ماء مغلي حتى فارق الحياة لعدم إدلائه بشهادات تطلبها المخابرات، وهو أسلوب استخدمته الاستخبارات الأوزبكية مع المئات من أبناء الشعب الأوزبكي المسلم.
دموية سادية
جميعنا يتذكر صور المجزرة التي قام بها نظام كريموف في 14/5/2005م، ذهب ضحيتها - وفق الإحصائيات الرسمية - 187 شخصًا، بينما قالت مصادر أخرى إن عددهم تجاوز 800 شخص قتلوا رميًا بالرصاص في الشارع لأنهم كانوا يتظاهرون ضد نظام كريموف، ورغم مطالبة المنظمات الحقوقية الإنسانية الكشف عن ملابسات تلك الجرائم إلا أنه لم تسفر تلك المطالبات عن نتائج وظلت السلطات الأوزبكية تمارس عمليات التعذيب والقتل داخل المعتقلات ضد المعارضين السياسيين، ولا سيما الإسلاميين منهم. ورغم علم لندن وواشنطن بما يجري في المعتقلات الأوزبكية إلا أنها لم تحرك ساكنًا لوقفها، كما تفعل مع الأنظمة التي تصفها بالمارقة، بل أصبحت الاعترافات القسرية والمعلومات الخاطئة التي أدلى بها المعتقلون في أوزبكستان أداة سياسية في يد الاستخبارات الأمريكية والبريطانية.
تواطؤ إمبريالي
وبسبب شهادته تلك التي نشرتها الصحف البريطانية يقول السفير البريطاني استدعيت إلى لندن في 8 مارس 2006م للمشاركة في لقاء فأخبرني مسؤول الشؤون السياسية في وزارة الخارجية، بأن استخدام معلومات ناتجة عن أعمال التعذيب أمر شرعي، مضيفًا أن المخابرات لم تمارس أي أعمال تعذيب أو تحرض أحدًا على التعذيب للحصول على المعلومات.
ويتابع: كذلك كانوا يعتبرون حصول الاستخبارات الأوزبكية على المعلومات من خلال التعذيب ونقلها إليهم يجري في الإطار الشرعي والقانوني! ويواصل «موراي»: استدعوني عندما كنت في عطلتي بكندا، ووجهوا لي 18 تهمة، وكانت تلك الاتهامات من النوع الذي يوجه عادة للأشخاص بقصد تشويه سمعتهم، اتهموني بإدمان الكحول، وبسرقة أموال السفارة، وغير ذلك من الافتراءات والأقاويل الباطلة، ورغم أن جميع تلك الاتهامات باطلة إلا أنهم هددوني بنشرها إن لم أقدم استقالتي، لقد أجبرت على تقديم استقالتي بعد 21 سنة من الخدمة، كان هذا القرار صعبًا جدًّا.
حرية الصحافة: وعمل جراي موراي على تجميع وثائق عن انتهاكات حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم ونشرها في موقعه على الإنترنت، لكن الصحافة البريطانية لم تستعن به مطلقًا.
ويضيف جراي لم يعد الإعلام البريطاني يجرؤ منذ عدة سنوات على عرض مشاهد تعتبر في عرف السلطات تمس الروح الوطنية، فقد أقيل مدير الـ «بي بي سي» من منصبه لأنه قال إن العراق لا يملك أسلحة الدمار الشامل.
ولهذا يتجنب الصحافيون البريطانيون الخوض في هذا الموضوع.
الشهادة التي أدليت بها بخصوص الرحلات السرية الجوية للاستخبارات الأمريكية أثارت اهتمام البرلمانيين الأوروبيين، والأمر الذي نزل عليّ نزول الصاعقة اكتشافي بأن الموظفين الذين كنت أعمل معهم منذ أمد بعيد كانوا يعلمون بما كان يجري، لقد دهشت بأن مايكل ورد وجد مبررات (شرعية) للتحايل على القانون الذي يمنع اللجوء إلى التعذيب.
الأراضي المفتوحة والسجون المغلقة
وساعد كريموف على قيامه بمجازره ضد شعبه تمكينه روسيا من تحقيق أهدافها في أوزبكستان وأمريكا من إقامة قواعد عسكرية واقتسام عوائد النفط مع الشركات العابرة للقارات دون أن يحسب للضحايا من أبناء شعبه أي حساب.
وفي هذا الصدد تقول «إلينا ساليفا» من منظمة تعنى بحقوق الإنسان في أوزبكستان: «لا يمكننا أن نفعل شيئًا، لا يمكننا أن نساعد الضحايا».
يضيف أحد المواطنين الأوزبك خالد إنديان: من أعطاهم الحق في إطلاق النار على المدنيين العزل والأبرياء، قتلوا ولدي وهو أب لثلاثة أطفال من سيكفلهم، أنا متقاعد وعندي 67 عامًا وسيصعب عليّ الاهتمام بهم كما يجب.
ويقول المراقبون إن الطريق الذي اختاره كريموف كان خاطئًا، فقد واجه مطالب شعبه على الطريقة السوفييتية القديمة وفشل في تحقيق مآربه، فخشيته على حياته جعلته عصا بدون عقل، وعلق استبداده على محاربة الحركات الإسلامية التي تلقى في الغرب صدى إيجابيًّا لكنها غير مضمونة. واليوم يتحدث شهود العيان عن وجود مقابر جماعية لضحايا قام جنود كريموف بدفنهم سرًا، مما يجعل رقم الضحايا يرتفع إلى مستويات أكبر من المعلنة بكثير.
العد التنازلي
لقد بدأ العد التنازلي لنظام كريموف الذي يمسك بقبضته الحديدية أعناق شعبه البائس منذ 16 سنة، فمنذ 1991 وهو يواصل قمعه للحركات الإسلامية في أوزبكستان، فهناك الآلاف من الشباب الإسلامي داخل السجون في ظروف سيئة للغاية ومعظمهم قضى عدة سنوات دون توجيه أي اتهامات له، فضلاً عن محاكمته بسبب أن اعتقالهم كان لمجرد الشبهة، فكل صاحب لحية مشبوه، وكل من يصلي مشبوه وكل قريب المشبوه مشبوه حتى أضحت أوزبكستان مجتمعًا من الأشباح.
وفي ظل وضع متوتر كهذا تمت أحداث أنديجان التي يؤكد المراقبون أنها لن تكون الأخيرة؛ فالدماء التي سالت لن تسهل الصلح مع نظام دموي غارق في دماء شعبه ومسؤول عن تجويعه، حيث الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية من السوء لدرجة لم يعد فيها الشعب يتحمل الأوضاع القاسية التي يعيشها.
ولا يمكن لشعب تعداده 22 مليونًا أن يظل حبيس الأقفاص التي وضعها فيه الطاغية كريموف، ولا شك أن الأحداث التي شهدتها أوزبكستان العام الماضي وتحديدًا الجانب الشرقي منها سيكون له ما بعده، فهي بداية لثورات أعم وأكبر ما لم يبادر كريموف لتصحيح مساره الحالي وتعامله مع الشعب الأوزبكي بطريقة حضارية، والسماح لأحزاب المعارضة بحرية التعبير وتنظيم المظاهرات السلمية والاحتكام لصناديق الاقتراع لحل الخلافات السياسية وتوزيع الثروة بشكل عادل.
كما أن المعارضة - وبعد تجربة 16 سنة من حكم كريموف - لم تجد في نظامه ما يدعو للتأني في انتظار الإصلاحات التي لم تأت ولم يعلن عنها في أوزبكستان حتى الآن، بل لم يعلن حتى عن إجراء تحقيقات مستقلة فيما جرى في أنديجان، وبالتالي فإن المعارضة قد تلجأ إلى الاحتكام للسلاح مرة أخرى، خلافًا لما جرى في جمهوريات أخرى مثل أوكرانيا وقيرغيزستان، في حين ستظل القوى الإقليمية ولا سيما روسيا والقوى الدولية وتحديدًا أمريكا وحلف شمال الأطلسي تراقب الأوضاع عن كثب، بعد أن وضعت المعارضة الإسلامية تحت المراقبة الشديدة، وهذه القوى متأهبة للتدخل العسكري المباشر وهي تروج الآن لمقولة إن استقلال الجمهوريات السوفييتية السابقة أدى للعنف..
ورغم استعداد هذه القوى للتدخل بقوة السلاح، إلا أنها لا تمتلك برامج تنموية كما هو الحال في أفغانستان والعراق، وهو ما يؤكد أطماعها في ثروات البلاد وليس في تنمية شعبها؛ فروسيا تسعى للهيمنة من جديد باسم روسيا الكبرى بدلاً عن الاتحاد السوفييتي، وأمريكا تسعى لتقليص الحضور الروسي وبناء إمبراطورية اقتصادية وسياسية دون النظر إلى القيم والقواعد السياسية التي تتغنى بها، بما فيها إرساء دعائم الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعامل مع الواقع لا قمعه والتآمر مع الدكتاتوريات والإمبرياليات الأخرى ضد الشعوب وثرواتها، وفي كل الأحوال تبقى المقاومة بأشكالها المختلفة فقط الحل الوحيد لمواجهة الدكتاتوريات والاحتلال على حد سواء.