; أوسلو وأخواتها.. نموذجًا فريدًا.. ألعوبة الاتفاقات في مسرح الهزل السياسي | مجلة المجتمع

العنوان أوسلو وأخواتها.. نموذجًا فريدًا.. ألعوبة الاتفاقات في مسرح الهزل السياسي

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1999

مشاهدات 63

نشر في العدد 1370

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 05-أكتوبر-1999

 لم يشهد التاريخ السياسي المعاصر هزلًا سياسيًا كما هو مشاهد على مسرح المفاوضات الجارية على المسار الفلسطيني مبعث ذلك التنازلات المفرطة وغير المعقولة أن الجانب الفلسطيني الذي يهدد بداية «لاءاته» الضخمة التي تبدو كالجبال الراسيات، ثم لا تلبث أن تتلاشى هذه اللاءات المفرغة لتتحول إلى هباء منثور أمام الضغط الصهيوني هذا من جهة، ومن جهة أخرى سيكولوجية المفاوض اليهودي بمراوغته الماكرة التي رسمها الوحي المقدس ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم﴾ (البقرة: ۱۰۰)، ذلكم المفاوض الذي يقرض تعهداته قرضًا كالجرذ النهم.

بداية الحكاية السياسية على المسار الفلسطيني كانت اتفاقية أوسلو الغبراء التي وصفها حين ولادتها المفاوض الفلسطيني فيصل الحسيني بأنها جنين ضعيف غير مكتمل علينا المحافظة عليه لكي يبقى على قيد الحياة.. كبرت الوليدة أوسلو المشوهة عوراء خرساء عرجاء، وكتبت لها الحياة قسرًا بسبب الرعاية الفائقة من قبل الأطراف الدولية خاصة الولايات المتحدة، وتحولت أوسلو باعتبارها الأخت الكبرى إلى مرجعية التسوية على المسار فلسطيني تبعتها على المسار نفسه أخوات أخريات أكثر منها تشوهًا وإعاقة، فظهر على المسرح السياسي اتفاقات القاهرة، وطابا، والخليل، وواي ريفر وأخيرًا التوأم الناقص لواي ريفر اتفاق شرم الشيخ والاختراع السياسي غير المسبوق في هذا السياق أن هذه الاتفاقات المتتالية عقدت كل واحدة منها لتنفيذ الأخرى، ورغم هذه السلسلة الخائبة من الاتفاقات فإن محصلتها على صعيد الواقع لم تتجاوز الصفر إلا قليلًا، بل على العكس ضاعت الأرض، وشرعت للوجود اليهودي في فلسطين، ومزقت لحمة الشعب.

هذه السلسلة من الاتفاقات دفعت صحفيًّا فلسطينيًّا لكي يقول ساخرًا يا ترى كم من الاتفاقات يلزم لتنفيذ أوسلو؟، وهي كما هو معلوم تخص المرحلة الانتقالية فقط، وبدوري أتساءل: كم اتفاقية يحتاجها المفاوض الفلسطيني مع الصهاينة لكي يحل تعقيدات الوضع النهائي الصعبة، مثل الحدود، والقدس المستوطنات، واللاجئين وغيرها؟! الجانب الأكثر هزلًا ، في المشهد السياسي على المسار الفلسطيني الفسيفساء الجغرافية لنسب الأراضي التي تحددها الاتفاقات لإعادة انتشار الجيش الصهيوني من الأراضي الفلسطينية.. ولكي أطلع القارئ المسلم أطرح بين يديه هذه اللوحة من فيزياء السياسية تمثل نسب إعادة انتشار الجيش الصهيوني من الضفة الغربية وفق اتفاق شرم الشيخ الأخير:

- إعادة الانتشار الأولى: في 5 سبتمبر الماضي ينقل ٧٠٪ من أراضي الضفة الغربية التابعة للفئة «ج» «وهي المناطق الواقعة تحت السيطرة الكاملة للاحتلال الصهيوني»، إلى الفئة «ب» «أي المناطق الخاضعة إداريا للسلطة الفلسطينية وتخضع أمنيًّا للجيش الصهيوني».

- إعادة الانتشار الثانية:  في 8 أكتوبر الحالي: يحول ٣٪ من أراضي الضفة من الفئة «ج» إلى الفئة «ب»، و٢٪ أخرى من الفئة «ب» إلى الفئة «أ» «أي التي تخضع كاملًا للسلطة»

 - إعادة الانتشار الثالثة : في ٢٠ يناير ٢٠٠٠م يحول ٥،١٪ من أراضي الضفة من الفئة «ب» إلى الفئة «أ» و١٪ من الفئة «ج» إلى الفئة «أ»

وهي نسب رقمية لم تحدد بخرائط جغرافية محددة، إنما الذي سيحددها الكيان الصهيوني فيما بعد؛ بمعنى أن السلطة وقعت على الاتفاقية دون أن تعرف مواقع هذه النسب على الأرض، ومع الانتشار الثالث الأخير ستحصل السلطة على ما مجموعه ١١٪من أراضي الضفة الغربية تضاف إلى المساحة الحالية البالغة ٢٩٪ وبذلك ستبلغ مساحة الأراضي الخاضعة للسلطة ٤٠٪ من مساحة الضفة، هذا على أعلى التقديرات إضافة إلى هذه اللوحة السالفة من الفيزياء السياسية، هناك موقف أكثر سريالية على المسار الفلسطيني يمثله دأب السلطة الفلسطينية على حرق أوراق الضغط التي يمكن أن تدعم بها موقفها السياسي، ويتجسد ذلك في حرصها الشديد على تصفية المقاومة وملاحقة عناصرها، لكن اللغز السريالي هذا يفسره أن المكر اليهودي جعل أهلية السلطة في الوجود مربوطة بحرقها لأوراق الضغط التي تمتلكها - أي ضرب المقاومة - ناهيك أن السلطة أصلًا قد فارقت الخيار العسكري إلى غير رجعة تحت عنوان خيار السلام هو الخيار الاستراتيجي، وهو عكس ما فعلته كل حركات التحرر في العالم في التاريخ المعاصر رغم هذا التناقض العجيب قبلت السلطة بهذه المعادلة المقلوبة - القبول بتشريع الوجود اليهودي في فلسطين، وبتمزيق الأرض ولحمة الشعب وبمطاردة المقاومة- الأمر الذي يدفع المرء لكي يعتقد أن هذه السلطة لا يمكن فهم مواقفها إلا وفق اتجاهين:

 الأول: إما أن هذه السلطة تسير في هذا التيه السياسي وهي تعلم أن النهاية هي المجهول بعينه وهذه مصيبة عظيمة.

والثاني : أنها تعمل لتحقيق مصالح ذاتية لنخبة من المتنفذين متدثرين بغطاء من الشرعية التاريخية لنضالهم الثوري، وهذه مصيبة أعظم.

الرابط المختصر :