العنوان أولادنا والإنترنت (1)
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 25-أكتوبر-2008
مشاهدات 86
نشر في العدد 1824
نشر في الصفحة 58
السبت 25-أكتوبر-2008
ظهرت فكرة الإنترنت في بداية الستينيات بالولايات المتحدة الأمريكية، وكان الغرض منها خدمة الأغراض العسكرية، وفي السبعينيات اخترع البريد الإلكتروني، وكان الهدف منه مشاركة العلماء بعضهم بعضا وتحقيق الاستفادة بينهم، وفي بداية الثمانينيات بدأ استخدام الإنترنت في الجامعات الأمريكية وفي بداية التسعينيات انتشرت شبكة الإنترنت على مستوى العالم حتى قيل: إن معدل نمو الإنترنت وصل إلى ١٣٤١، وما زالت تنمو حتى الآن بشكل كبير!!
وصلتني عدة رسائل حول استخدام أولادنا للإنترنت منها رسائل تحمل شكاوى، ومنها رسائل أخرى تطرح أسئلة حول الموضوع، ومنها رسائل تطلب مني أن أتناول الموضوع فأعرض له عرضا تقويميًّا تربويًّا، وذلك بوضعه في الميزان بين الإيجابيات والسلبيات، ومن ثم تبين كيف نحسن استخدام هذا المصدر العجيب؟ وكيف تتجنب أضراره؟
ولقد أثارت هذه الرسائل في ذاكرتي عدة مواقف منها أنني ندبت منذ سنوات التخطيط دورة تدريبية للأمهات وتنفيذها بمركز الأمومة والطفولة كان موضوعها الصداقة بين الأطفال فيما قبل أربع سنوات... فنقيت في ذاكرتي عسى أن أجد شيئا عن هذا الموضوع فلم أجد ما يكفي ولم تكن لدي سعة من الوقت، فشعرت بحاجتي إلى مصدر سريع يسعفني ويزودني بما أحتاج إليه من معلومات أو حتى يولد لدي الأفكار، فدخلت الإنترنت فوجدت زخما كبيرا في هذا المجال.
ومرة ثانية دعيت لأداء دورة بعنوان قيم العمل وأخلاقياته. وكان لدي محتوى علمي شري في هذا الأمر، لكنني كنت في حاجة إلى ورش عمل في هذا الموضوع واختبارات ومقاييس، وقد وجدت بغيتي في هذا المصدر العجيب الواسع الإنترنت.
يقول أحد المتخصصين في المعلوماتية أن الإنترنت تعد أحد مصادر التعلم الحديثة المبهرة إذ يوجد بها معلومات لا يكفي العمر المديد لتصفحها!!!
وكثيرًا ما يأتيني أحد أولادي يسترشدني في إجراء بحثه أو تنفيذ نشاط مدرسي وأكون حينها غارقًا في أعمالي التي لا تتحمل التأخير، فأجد في الإنترنت معينا لي ووسيلة تربوية مناسبة لولدي يتفاعل معها، فيجد ما يبتغيه عن طريق البحث الذاتي والمجهود الشخصي، فتنمو لديه مهارات البحث وقيم الإيجابية، والمبادرة، والاعتماد على الذات.
قلت في نفسي، سبحان الله لا كنا في مراحل تعليمنا. قبل وجود الإنترنت في حياتنا، إذا كلفنا المعلم إنجاز بحث كلفنا ذلك عناء وعنتًا، لأن أغلبنا لم تكن في بيته مكتبة ولا كتب ولا مراجع، وكنا لا نجد في المدرسة فرصة لدخول المكتبة والقراءة والاطلاع فيها، وذلك لتضخم المقررات الدراسية وتورمها... ودائمًا ما أكون حريصا على أن أحكي لأولادي ما كنا نعانيه ونكابده لأشعرهم بنعمة ربهم علينا وعليهم، ولكي يكون ذلك دافعا لهم نحو تحصيل العلم وإحراز التفوق.
وبرغم ما لي من ملاحظات على المعلومات والمعارف الموجودة بالإنترنت بسبب عدم دقتها أحيانا، أو لعدم توثيقها علميًّا. إلا أن أحدا لا يستطيع أن ينكر ما للإنترنت من فوائد كما أنها تسعف المتعجلين في الاستزادة من المعرفة وهي على الأقل، توسع آفاق الخيال، وتثري بنات الأفكار وتزودنا بالمعارف والمعلومات وتطوف بنا في مجالات متنوعة عجيبة.
وفي المقابل أطرح هذا السؤال هل الإنترنت كلها خير؟ أم تحفها أضرار وأخطار وما منافعها؟ وما أضرارها؟ وما موقف الآباء والأولاد إزاء الإنترنت؟ أتربيهم على مقاطعتها تماما؟ أم تربيهم على استخدام الإنترنت متى شاؤوا؟وأين شاؤوا؟ وكيف شاؤوا؟ أم يدخلون بضوابطها؟ وكيف يستفيد أولادنا من الانترنت ويتقون شرورها؟
الإنترنت نعمة أم نقمة؟
الإنترنت ظاهرة حضارية تحقق فوائد كثيرة لأولادنا، وعندما نحسن استخدامها تكون نعمة عظيمة تنعكس بالخير علينا، ويمكن أن تكون نقمة إذا أسأنا استخدامها، ومن أهم إيجابياتها:
تحقيق التواصل بين الأقارب بعضهم بعضا، وكذلك بين الزملاء والأصدقاء دون تكلفة تذكر كتابة عن طريق البريد الإلكتروني، أو المحادثة عبر الماسينجر.
يعتمد عليها في تنفيذ سياسة التعليم المفتوح وتحقيق أهدافه، وذلك بتيسير التواصل بين المعلم وتلاميذه.
تستخدم كوسيلة دعوية مبتكرة وإبداعية، فلك أن تتصور العدد الذي تؤثر فيه دعويا عندما تحسن صياغة رسالتك، ثم تضغط ضغطة واحدة على أحد مفاتيح الحاسوب لتصل مئات الرسائل إلى من لديك عناوين بريدهم الإلكتروني، وذلك كله في جزء من الدقيقة.
إنشاء مستودعات علمية في شتى مجالات العلم وتجميعها وتخزينها للاستفادة منها وقت الحاجة.
الاستفادة من الإنترنت في مجال البحث العلمي.
إتاحة مساحات جديدة من الحرية بميادينها المختلفة.
التأثير في الغير عن طريق إبداء الرأي في القضايا الساخنة والجارية، وغير ذلك من قضايا الدين والوطن.
الحصول على المواد العلمية المسموعة والمقروءة دون تكلفة باهظة وربما دون تكلفة.
ولكن.. في المقابل هل الإنترنت كلها خير لأولادنا؟
إن الوقائع والحقائق تكشف، بما لا يدع مجالا للشك أن للإنترنت أخطارها وسلبياتها على أولادنا، ومن أخطر سلبيات الانترنت ما يلي:
الإصابة بإدمان الانترنت، ولا يخفى ما يبدده هذا الإدمان من وقت وجهد.
حرمان أولادنا من ممارسة الرياضة.
الإصابة بالأمراض الجسيمة، وخاصة في الرقبة والعين والعمود الفقري، وسائر الجسم، لكثرة مكون أولادنا أمام شاشة الحاسوب عند استخدام الإنترنت.
الانحرافات الجنسية والخلقية التي تيسرها شبكة الإنترنت إما بانتشار المواقع الإباحية، أو بسبب التعرف على المنحرفين في غرف الدردشة.
سهولة نشر الأفكار الغريبة على ديننا ومجتمعاتنا، كالتكفير والقتل، وعبادة الشيطان.
الاستغراق في استخدام مهارات التلصص واختراق خصوصيات الآخرين ومواقعهم وبريدهم الإلكتروني وكشف أسرارهم.
تدمير أجهزة الحاسوب عن طريق إرسال الفيروسات التدميرية التي تدمر الأجهزة والبرامج.
نشر العنصرية والتفرقة بين أهل الدين الواحد، وشعب البلد الواحد، وبلاد الأمة الواحدة.
الهوس العاطفي الذي يسببه التحاور بين ذكر وأنثى، وتصوير كل منهما حبه للآخر. مما يجعلهما يسبحان في بحر من الحب الوهمي والخيال المرضي وربما يكون المتحدث شخصية وهمية تتخفى في أسماء مستعارة، والأشد والأذكى ما يترتب على هذه القصص من أخطار وحوادث قد تصل إلى الزنى والقتل والسرقة.
الإضرار ببعض الشخصيات المشهورة أو الناجحة، وذلك عندما يتقمص بعض الشباب أو بعض البنات تلك الشخصيات فيسيؤون إلى سمعتها.
التشهير بالشركات ونشر الشائعات الضارة بها.
حدوث جرائم السرقة الإلكترونية عن طريق اختراق اللص الإلكتروني الخصوصيات الشخص عن طريق الشراء الإلكتروني أو استخدام البطاقات الائتمانية.
انتشار التلوث اللفظي على غرف الدردشة ووقوع أعين أولادنا عليه، مما يؤثر سلبا في سلوكياتهم وأخلاقياتهم.
الضعف الجسدي نتيجة إنهاك الجسم بالسهر وكثرة النظر إلى شاشة الحاسوب، وذلك يؤدي إلى قلة تركيز أولادنا في دراستهم، مما يؤدي إلى التأخر الدراسي.
انتهاك حقوق ملكية دور النشر وشركات البرمجيات والصوتيات بتسجيل المواد السمعية غير المسموح بتسجيلها دون إذن من أصحابها.
من المسؤول؟
ألا تتسبب الانترنت في كثير من الأمراض الجسيمة والنفسية إذن؟ أليست
تحفها كثير من الأخطار؟
ينطق واقع حياتنا بماس سببها إساءة استخدام الإنترنت.. فمن المسؤول؟
الإنترنت؟ أم أولادنا؟ أم نحن؟
نحن الآباء تختلف فمنا من يحول بين أولاده والانترنت فيدفعهم دفعا إلى مخاصمتها ألد الخصام!! ومثل هذا الأب مثل الرجل الذي يغلق نوافذ بيته على أولاده فلا يسمح بتجدد الهواء!!!
ومن الآباء من يقف موقفا على النقيض من ذلك تماما، فيترك لأولاده الحيل على الغارب ليلجوا الإنترنت في أي وقت ويمكثون بها ما يشاؤون من زمن ويجولون فيها ويصولون في مواقعها دون ضابط ولا تمييز!!! ومثل هذا الأب كمثل الرجل يفتح نوافذ بيته وأبوابه على مصاريعها في كل وقت وحين، فيسمح للعواصف أن تدمر البيت ومن يسكنونه، ناهيك عن خطر اللصوص الذين يقتحمون البيت ذا الأبواب والنوافذ المفتوحة التي تغري اللصوص باقتحامها وسرقتها!!!
والاعتدال فيه الحكمة والخير والصواب الأب الحكيم هو من لا يحجب أولاده عن التطور والمعاصرة وإتقان استخدام التكنولوجيا والتقنيات فيما يعود عليهم بالنفع وتطوير الذات، وهو أي الأب في الوقت ذاته يحصن أولاده بعدة حصون منها إحسان تربيتهم وبث القيم الأخلاقية في نفوسهم، وتوعيتهم النافع والضار من الإنترنت.. وذلك لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان الآباء أصدقاء. بكل ما تحمل هذه من معان لأولادهم، بيد أن الواقع يؤكد أننا لا نجيد مهارات الصداقة مع أولادنا وتطغى علينا السلطة على حساب الصداقة، فيخفت الحوار بيننا وبين أبنائنا أو يغيض وما أحوج أولادنا الحوار يفيض ولا يغيض.
وكثير من الآباء يعتقدون أنهم عندما يحسنون تربية أولادهم يكونون بذلك قد أنهوا مهمتهم، فبعضهم يقول رب الابن، ثم ارمه بالبحر، فلن يفرق ولهؤلاء أقول: لا تكفي التربية وإنما لابد من المتابعة التربوية الحكيمة... فقد قال ربنا، ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾(النور:۳0).
فإذا كان المولى عز وجل حريصًا على المؤمنين ووقايتهم بغض البصر، فهل يعقل لأب بعد ذلك أن يترك أبناءه أو بناته على الإنترنت ساعات طويلة وفي أوقات متأخرة من الليل، ثم يقول: لقد أحسنت تربيتهم فلا أخاف عليهم ولا أحزن؟!!
بل إن بعض الآباء من المتفرنجين، للأسف يسمح لأبنائه بالتحدث مع من يشاؤون من البنات على الإنترنت أو يسمح لبناته بالتحدث مع شباب أو رجال على الإنترنت دون متابعة بحجة أنه ربي فأحسن التربية، وقد حصنهم بذلك!! وهذا منطق عجيب!!
أي منطق نصدقه ونجعله منهجا لتعامل أولادنا مع هذه الظاهرة؟ منطق الإسلام الذي يضع لنا الحماية بغض البصر وتجنب الخلوة ومتابعة الأولاد لتعلم نحن مع من يتحدثون، وما فحوى الحديث؟ أم منطق هؤلاء الآباء الذين تركوا أولادهم دون متابعة؟ وهل ثمة تربية دون متابعة؟!!
أعود فأسأل: من المسؤول؟ الإنترنت؟ أم الآباء؟ أم الأولاد؟
في الحقيقة الإنترنت، ما هي إلا أداة كالسكين في المطبخ والتلفاز في البيت.. كلها أدوات يمكن أن تكون نعمة عندما نحسن استثمارها واستخدامها، ويمكن أن تكون نقمة عندما نسيء استخدامها.
لعلك عزيزي القارئ أدركت الآن من المسؤول.. المسؤول الحقيقي الذي يستطيع أن يجعل من الانترنت نعمة لا نقمة هو أنت وأنا وجميع الآباء والأولاد، فسكين المطبخ يمكن أن تساعد في إعداد طعام شهي يسر الأعين وتلذ به الأنفس وتسعد، وحينئذ تكون هذه الأداة نعمة. ويمكن أن تستخدم في القتل وعندها تكون نقمة، بيد أن السؤال الذي يفرض نفسه الآن كيف تكون الإنترنت لأولادنا نعمة لا نقمة؟ أو بمعنى آخر كيف تجعل أولادنا يستفيدون من الإنترنت؟ وكيف نحميهم من أخطارها؟ هذا ما سنجيب عنه في مقالنا القادم إن شاء الله تعالى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل