; أيام في تاريخ أمريكا والإسلام | مجلة المجتمع

العنوان أيام في تاريخ أمريكا والإسلام

الكاتب وليد أحمد فتيحي

تاريخ النشر السبت 27-أكتوبر-2001

مشاهدات 89

نشر في العدد 1474

نشر في الصفحة 30

السبت 27-أكتوبر-2001

استيقظت صباح الحادي عشر من سبتمبر على رؤيا رأيتها قبل صلاة الفجر، فقد رأيت جبالًا جرداء تهتز من حولي كأنها زلزال عظيم، وأنا أتلو في منامي قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ﴾ «الزمر: ٦٧». ذهبت إلى عيادتي وسمعت من أول مريض لي عن الطائرة الأولى التي ارتطمت بمركز التجارة العالمي، وسمعت بالطائرة الثانية من مريضي الثاني وبدأ الإعلام منذ اليوم الأول يلمح إلى أن هناك أيادي مسلمة وعربية خلف ما حدث.

وفي تمام الساعة الثانية عشرة اجتمع أمناء المركز الاسلامي في بوسطن وإدارته ولجانه وإمامه اجتماعًا طارئًا وكنت معهم على الهاتف من عيادتي، وقررنا القيام بحملة تبرع بالدم -وكونا لجنة للاتصال بالصليب الأحمر الأمريكي -والترتيب معهم ودعونا الإعلام لتغطية الحدث -واتصلنا بسلطات المدينة والولاية فسارعوا بتسخير رجال الأمن الحماية المركز الاسلامي -وممتلكاته وزائريه كان يومًا عصيبًا علينا جميعًا، وكنا نتلهف على أي معلومة تبعد التهمة النكراء عن الأيدي المسلمة العربية.

وفي يوم الثاني عشر من سبتمبر انهالت علينا الصحف وقنوات التلفاز والمذياع تمطرنا بالأسئلة من كل مكان، ودعيت إلى قناتين تلفازيتين وعدة صحف محلية ودولية مثل وول ستريت جورنال وبوسطن جلوب ونحن تحاول أن تثبت إنسانيتنا، وأننا براء مما حدث، نعم.. كنا نحاول أن نثبت إنسانيتنا في يوم واحد وجدنا أنفسنا نقف على ثغر مفتوح وينهال علينا الهجوم من كل مكان وقلوبنا تدمى ولسان حالنا يقول إن الدعوة إلى الله قد تراجعت خمسين عامًا في أمريكا والعالم أجمع.

وفي يوم الثالث عشر من سبتمبر اجتمع في الساحة المقابلة لمقر عمدة مدينة بوسطن عشرة آلاف شخص، وتحدث رؤساء الديانات بما فيهم المسلمون وجرى شرح موقف الإسلام وشاهد الملايين ذلك، واستمعوا إلى القرآن الكريم أيضًا وحدث مثل هذا في ولايات أمريكا كلها.

وفي يوم الجمعة الرابع عشر من سبتمبر دعينا مرة أخرى للمشاركة في برامج تلفازية عدة، وقد شاركت في أحدها كما شارك في صلاة الجمعة في المركز الإسلامي للجمعية الإسلامية في بوسطن في خيمة مخصصة لذلك رؤساء الكنائس المجاورة وعمدة مدينة كامبردج، وساروا مع المسلمين تضامنًا معهم حتى مقر عمدة مدينة كامبردج، وشرحنا الإسلام الحاضرين تحت تغطية إعلامية.

وفي يوم الخامس عشر من سبتمبر ذهبت إلى أكبر كنيسة في بوسطن تلبية لدعوة للجمعية الاسلامية هناك لتمثيل الإسلام في دعوة خاصة وقد حضر عمدة المدينة ورؤساء جامعات، وزاد عدد الحاضرين على الألف استقبلنا استقبال السفراء وتحدث كبير القساوسة في خطبته فدافع عن الإسلام كنين سماوي واهم الحاضرين بوجودي مثلًا الجمعية الإسلامية في بوسطن وبعد الانتهاء من المحاضرة وقف بجواري كبير القساوسة وقرات البيان الذي صدر من كبار علماء المسلمين والذي يدين العمل الشائن ويشرح موقف الإسلام وبدين مبادئه وتعاليم السلمية.

ثم قرأت ترجمة آيات من القرآن الكريم باللغة الإنجليزية أولًا ثم مرتلًا ترتيلًا، وارتفع قول الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ «المائدة-32 «وقوله تعالى: ﴿ا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ «الحجرات-13«. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ «المائدة-8« . كانت لحظات لن أنساها تلك التي انقلبت فيها الكنيسة إلى بكاء عند سماع آيات من كلام الله تعالى.

وانهالت المشاعر الفياضة علينا، فيقول - أحدهم لي إنني لا أفهم اللغة العربية ولكن ما نطقت به هو من كلام الله لا شك، وأخرى تضع في يدي ورقة وهي تغادر الكنيسة باكية وتكتب فيها اغفروا لنا ماضينا وحاضرنا وادعوا لناء، وآخر يقف على باب الكنيسة وينظر - إلىَّ بعينين دامعتين ويقول أنتم مثلنا.. بل أنتم - خير منا، وطلب كثيرون مني عنوان الجمعية الإسلامية في بوسطن لزيارتها والاستماع للمحاضرات الأسبوعية وسماع القرآن يتلى أثناء الصلاة.

 وفي لحظات قليلة الحسن بحكمة الله تصل بطريقة لا تدركها وأن تركها حولنا التواضع وفي يوم الأحد السادس عشر من سبتمبر وجهت الجمعية الإسلامية في بوسطن دعوة مفتوحة في مقر المركز العالي في كامبردج. والوجود بين جامعتي هارفارد ومعهد ساتشوستس التكنولوجيا، ولم تتوقع حضور أكثر من مائة شخص، وكانت مفاجئة أن يحضر أكثر من ألف شخص من الجيران ومن أساتذة جامعات ورجال دين، بل حضر كبار القساوسة من الكنائس المجاورة التي دعينا إليها لإلقاء كلمات عن الإسلام وتحدث الجميع تضامنًا مع المسلمين. وانهالت علينا أسئلة كثيرة تريد أن تعرف الإسلام وتفهم تعاليمه، ولم يكنْ بين الأسئلة سؤال واحد تهجمي، بل على العكس من ذلك فقد رأينا العيون تدمع وهي تسمع عن الإسلام ومبادئه السامية، ومنهم الكثيرون ممن لم يسمعوا من قبل عن الإسلام.

نعم لم يسمعوا عن الإسلام إلا من وسائل الإعلام المغرضة. ودعيت مرة أخرى في اليوم نفسه لأشارك في اللقاء الذي عقد في الكنيسة التي شاركت فيها في اليوم السابق، وتكرر الحدث وتكرر المشهد وتكررت المشاعر وتكررت رغبة الكثير في زيارة المركز الإسلامي المعرفة المزيد عن الإسلام وسماع كلمات الله تتلى. وتكررت التغطية الإعلامية والمشاركة فاستضافتنا أكثر من خمس قنوات تلفزيونية. وفي يوم الأربعاء دعينا من قبل عمدة المدينة المجاورة لشرح موقف الإسلام أمام الاف من سكان المدينة، وتلي القرآن على الآلاف وفي يوم الخميس زارت مركز الجمعية الإسلامية في بوسطن بعثة من ثلاثمائة طالب وطالبة وأساتذة جامعة هارفارد برفقة سفيرة الولايات المتحدة في فيينا، وجلسوا جميعاً على أرض ساحة المسجد. وامتلأ المكان وشرحنا تعاليم الإسلام الغراء ودفعنا الشبهات التي تثار حوله، وقرأت آيات الله عليهم مرة أخرى ودمعت العيون وتأثر الحاضرون، وطلب كثير منهم الحضور للمشاركة والاستماع للدروس الأسبوعية التي يعقدها المركز الإسلامي لغير المسلمين ودعيت في مساء اليوم نفسه للمشاركة في برنامج على مستوى امريكا كلها مع البروفيسور الآن ديرشوفيتر من جامعة هارفارد لمناقشة الحقوق المدنية والإنسانية في القوانين الأمريكية والدولية، وشارك في البرنامج إخوة وأخوات لنا من المسلمين حول أمريكا.

وفي يوم الجمعة الموافق الحادي والعشرين من سبتمبر شارك المسلمون في اجتماع مغلق مع حاكمة ولاية ماستشوستس، وتمت مناقشة إدخال مادة لتعليم الإسلام في المدارس كمنهج دراسي لتوعية الشعب ومحاربة العنصرية ضد المسلمين الناجمة عن جهل الشعب الأمريكي بالإسلام، وتمت الموافقة والتأييد من حاكمة الولاية وبدأت الخطوات لدراسة كيفية تحقيق هذا الهدف.

أما صلاة الجمعة في مركز الجمعية الإسلامية في بوسطن فقد غطتها بالكامل قناة سي إن إن، وكذلك الحال بالنسبة للدرس الأسبوعي ليلًا، وما ذكرت لكم إلا أمثلة لما حدث ويحدث في مدينة بوسطن هذه الأيام، ويحدث مثل ذلك في كثير من المدن الأمريكية الأخرى إن الدعوة إلى الله لم تتقهقر تتراجع خمسين عامًا كما كنا نحسب في الأيام الأولى بعد الحادي عشر من سبتمبر، وإنما شهدنا أحد عشر يومًا هي بمثابة أحد عشر عامًا في تاريخ الدعوة إلى الله. وها أنا أكتب إليكم هذه الكلمات وكلي ثقة أن الإسلام سينتشر إن شاء الله في أمريكا والعالم أجمع خلال الأعوام المقبلة، أسرع مما كان ينتشر سابقًا؛ حيث إن العالم أجمع يسأل «ما الإسلام»؟، ومن يرى بأم عينيه ليس كمن يقرأ ويسمع.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 103

104

الثلاثاء 06-يونيو-1972

أهمية..  المراقبة والمحاسبة

نشر في العدد 296

105

الثلاثاء 20-أبريل-1976

بريد المجتمع (عدد 296)

نشر في العدد 356

111

الثلاثاء 28-يونيو-1977

لكي نمارس إسلامنا.. عمليًا