; أيام في إسطنبول (3) | مجلة المجتمع

العنوان أيام في إسطنبول (3)

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 08-سبتمبر-2007

مشاهدات 68

نشر في العدد 1768

نشر في الصفحة 42

السبت 08-سبتمبر-2007

 وصلت إلى تركيا بعد الفوز العريض لحزب العدالة والتنمية ولمست نتائج الانتصار.

 تركيا تمضي بهدوء وحكمة وصمت في طريق عودتها إلى الإسلام من جديد.

 قبل الانتخابات أعلنت مجموعة رجال الأعمال الكبار (التوسياد) أنها تؤيد السياسة الاقتصادية لأردوغان.. وهذا أوقع الدوائر العلمانية في ربكة وذهول.

قدمت من رحلة الأندلس إلى إسطنبول، وركبت الطائرة إليها من مدريد، ولا أكتمكم أني نزلت من المطار إلى جامع الفاتح مباشرة قبل ذهابي إلى النزل (الفندق)، وذلك الشوقي الشديد إليه، وقد بينت سبب حبي لهذا الجامع في المقالين السابقين عن إسطنبول، ذهبت إلى الجامع وصليت المغرب هناك مع مرافقي الكريم أبي بشر أسامة الخطيب -حفظه الله ونفع به-، ثم بقيت إلى العشاء مع الشيخ الدكتور حمدي أرسلان.

وهو أحد أعمدة هذا الجامع العتيق، وكان عنده الأستاذ سفر حسن من صوفيا عاصمة بلغاريا، وقد حكى لنا أن الحكومة الآن لا تضيق على المسلمين وقد رجعت إليهم أسماؤهم الإسلامية التي منعتهم منها الحكومة الشيوعية السابقة، وأنهم الآن أحرار في تطبيق الإسلام شعائر، وشرائع ولله الحمد والمنة.

ولقد كان معنا بعض طلاب جامع الفاتح قد أتوا من مناطق عدة من تركيا، وقد أسمعني اثنان منهم منظومة علمية في العقائد وهي أملية لأحد العلماء ويدعى الأوشي وشرحها الشيخ علي القاري، وقد سررت بفصاحتهما وحسن حفظ أحدهما، وهذا من بشائر عودة الإسلام في تركيا عزيزًا على يد العلماء، إن شاء الله تعالى.

هذا وقد وصلت تركيا بعد الفوز العريض الحزب العدالة والتنمية التركي الذي خالف به كل التوقعات، وقد أخبرني من هو قريب من الحزب أن النتائج التي تحققت لم تكن تخطر في بال أحد، وكان الله تعالى يرعى الحزب قبل الانتخابات بالتالي:

أ- ائتلف الحزبان المعروفان حزب الطريق القويم وحزب الوطن الأم، وقبل الانتخابات بقليل السحب رئيس حزب الوطن الأم من الانتخابات فورث الله تعالى جل أصوات من يصوت له لأردوغان وحزبه أما الحزب الآخر فقد دخل الانتخابات فلم يحصل على نسبة ١٠% التي تخول له الدخول إلى البرلمان فورت حزب أردوغان الأصوات التي حصل عليها!!

ب- دار أردوغان في مناطق الجمهورية كلها، وأعلن أنه لا فرق بين تركي وكردي وعلوي وشركسي وأنهم سواء تحت الراية التركية وهذا مما شجع الأكراد للتصويت لحزبه حتى إنه فاز في مناطق الأكراد بما لم يفز به الأكراد أنفسهم، وفي الوقت نفسه قطع الطريق على الحزب اليميني المتطرف.

ج- مجموعة رجال الأعمال الكبار (التوسياد) أعلنت أنها تؤيد السياسة الاقتصادية لأردوغان، وهذا أوقع الدوائر العلمانية في ربكة وذهول.

د- نجاح حزب العدالة والتنمية

في عدد من مشروعات التنمية والاستثمار. وارتفاع معدل الدخل للفرد التركي. وانتعاش الليرة والاقتصاد، كل ذلك كان ممهدًا لجذب أصوات ما كان لها أن تصوت للحزب من قبل.

أما نتائج الانتخابات فكانت عجيبة إذ حصل التالي بإيجاز:

أ- حصل حزب العدالة على قرابة ٤٧% أي بزيادة تقارب ١٣% من الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات السابقة. وهذا لم يتكرر في تاريخ تركيا.

ب- حصل على مقاعد برلمانية في كل محافظة، وهذا أيضًا لم يكن يدور بخلد أحد.

ج- قطع الطريق على كل القوى المتربصة، وذلك لأن المقاعد غير العلمانية المشترطة في البرلمان قرابة ٨٥% ولم يبق لحزب الشعب الجمهوري ومن ورائه إلا قرابة ١٥% من الأصوات وبهذا يكون البرلمان يمثل حقًا كل شرائح الشعب التركي.

د- حصل رئيس البرلمان على ٤٤٠ صوتًا، وهذا لم يحصل في تاريخ تركيا من قبل، إذا صار رئيس البرلمان مرشحًا من قبل أعضاء حزب العدالة والتنمية ومن قبل ۱۰۰ عضو آخر وهذا أمر فريد، ويمثل اتفاقًا وطنيًا لم يكن من قبل.

هـ -حصل حزب العدالة والتنمية على ٣٤١ مقعدًا وهو أقل بعشرين مقعدًا تقريبًا من الانتخابات السابقة، لكن الـ 3٤١ مقعدًا هذه كانت نتيجة فوز حزب العدالة والتنمية بنصف الأصوات تقريبًا، وليس ثلثها فقط كما كان الأمر في الانتخابات السابقة، وذلك لأن النظام يقضي بأن الحزب الفائز يحوز على أصوات الأحزاب التي لم تحصل على الـ ١٠%، ولذلك فاز حزب العدالة بما فاز به من أصوات في المرة السابقة مضافًا إليها أصوات الأحزاب الأخرى أما هذه المرة فقد جاز نصف عدد المقاعد بفوزه المباشر، وبهذا يتضح الفارق بين هذه الانتخابات والانتخابات السابقة.

وقد تم أخيرًا انتخاب عبدالله حول رئيسًا للجمهورية التركية بأغلبية برلمانية كبيرة، ولم يستطع الجيش أن يتدخل هذه المرة ضد انتخابه لأنه إن صنع ذلك فسيكون ذلك ضد رغبة أكثرية أعضاء البرلمان وأكثرية الشعب التركي وهذا من عجائب التقادير الإلهية، ومن المؤمل أن تنجح الحكومة، مستقبلًا إن شاء الله تعالى في سن قوانين موافقة للإسلام، ولن تجد -إن صنعت- ممانعة من رئاسة الجمهورية كما كان الأمر من قبل.

وهكذا تمضي تركيا بهدوء وحكمة وصمت في طريق عودتها إلى الإسلام، وهي بهذا جديرة بعد ثمانين سنة من التغريب الوحشي وقسر الناس على ما لا يريدون.

ولا يكدر علينا إلا الخلاف بين الأستاذ نجم الدين أربكان والأستاذ رجب طيب أردوغان، ولعل الله تعالى أن يجمع قلبيهما. أو أن يخلصنا من هذا الخلاف بما يحبه ويرضاه، فقلوبنا لم تعد تحتمل مزيداً من الخلافات والساحة الإسلامية لا تريد مزيدًا من التمزق هذا وهناك كثرة متربصة بالمشروع الإسلامي وتريد به شرًا فهل تكون ممن يساعدهم على الوصول إلى مبتغاهم بخلافاتنا وسوء صنيعنا؟ أليس لنا في عبر التاريخ القريب والبعيد وعطائه بصائر تنير لنا الطريق وتمنعنا من التفرق والتشرذم ألا تستطيع أن ننسى خلافاتنا أو نتناساها من أجل غاية عظمى ومستقبل جليل؟ أرجو أن يوفق الله بينهما ويرفع عن تركيا البلاء والمحن والفتن والله الموفق.

الرابط المختصر :