العنوان أيام في طشقند وسمرقند وبخارى
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 19-يناير-2008
مشاهدات 63
نشر في العدد 1785
نشر في الصفحة 39
السبت 19-يناير-2008
دول آسيا الوسطى تعيش مرحلة العودة البطيئة إلى الإسلام ولم تظهر فيها الصحوة الإسلامية بعد
شاهدت قلعة بخارى القديمة التي قصفها الروس بالطائرات ولكن لم يصب مسجدها بأذى بفضل الله
حكى لي أستاذ تركي قصة هولندية اعتنقت الإسلام حديثًا رأت والدها النصراني في المنام بعد موته وطلب منها الثبات على الحق لأنه يعذب في قبره.
التقيت في مؤتمر بخارى بأستاذ تركي يدرس العربية في جامعة «روتردام» بهولندا واسمه مصطفى أوزجان وهو من إسطنبول، وقد أخبرني أن الجامعة في «روتردام» تشترط لمن يريد أن يدرس العربية والعلوم الإسلامية في جامعتها أن يدرس العربية لمدة سنتين حتى يفهمها, وتشترط على المدرس أن يعرف الهولندية أو يدرسها حتى يفهمها، وقد ذكر لي أنه درس العربية في مدرسة «خسكي» في إسطنبول، وخسكي، هي زوج السلطان سليمان القانوني، وهي التي أنشأتها، واليوم لها فروع في بعض المدن التركية، وتشترط على من يريد أن يدرس بها أن يكون قد فرغ من الجامعة، وأن يدرس بالعربية، ومدة الدراسة سنتان ونصف يدرس فيها الطلاب العلوم الإسلامية والعربية، وهي تابعة لرئاسة الشؤون الدينية ولذلك تكون الدراسة فيها بالعربية، وذلك لأن المدارس التابعة لوزارة التعليم يمنع فيها التدريس بالعربية، وكل مدرسة لا تقبل إلا ستين طالبًا فقط، وكان ما ذكره جديدًا علي تمامًا .
وأخبرني بأمر جليل وهو أنه كان في هولندا امرأة هولندية أسلمت وتزوجت تركيًا مقيمًا في هولندا، وتحجبت ولله الحمد والمنة، فزارها الدكتور مصطفى أوزجان في بيت زوجها فذكرت له أنها كانت تحدث نفسها دومًا: لماذا أسلمت وغيرت دينها؟! فلما كانت حاملًا بابنتها رأت أباها في المنام فرأت نفسها واقفة على قبره الذي انشق أمامها وخرج منه أبوها وهو أسود اللون تمامًا من رأسه إلى قدميه بل كان متفحمًا تمامًا، ودعاها لأن تدخل معه إلى قبره فاعتذرت عن عدم قبول ذلك بسبب أنه يضر جنينها الذي في بطنها، ثم قال لها أبوها: أنت دومًا تتساءلين عن سبب إسلامك، أليس كذلك؟ فقالت: بلى، فقال لها: وهل يرضيك أن تكوني مثلي انظري إلى جسدي المحروق وهذا بسبب ما مت عليه من عقيدة فاحتفظي يا بنيتي بدينك ولا تتراجعي عنه.
فقالت المرأة للدكتور: بعد أن رأيت هذا المنام أيقنت بأني على حق، وأن الإسلام هو الدين الصحيح.. ولما أخبرني الدكتور مصطفى أوزجان بهذا سرت القشعريرة في جسدي تعجبًا وتعظيمًا لهذا الخبر، والله تعالى يهدي من شاء بما شاء جل جلاله.
في اليوم الذي ختم فيه المؤتمر دعانا حاكم بخارى إلى عشاء في الفندق نفسه لكني علمت أنه سيكون هناك مغنية كما كان الحال في عشاء حاكم سمرقند، فاعتزلت العشاء وبقيت في غرفتي حيث أتوا لي بالعشاء، ولله الحمد.
وفي الصباح ذهبوا بنا في حافلة كبيرة لزيارة الآثار. فبدأوا بضريح بهاء الدين نقشبند صاحب الطريقة النقشبندية الشهيرة التي يتبعها غالب أهل المنطقة، وهي طريقة تقل بدعها بالمقارنة مع أكثر الطرق الصوفية وكان لها فضل كبير في إحياء الجهاد ضد القياصرة الروس ومن بعدهم البلاشفة فذهبت إلى قبره وسلمت عليه السلام الشرعي، لكني رأيت أمورًا هناك يذوب لها المسلم حزنًا وخجلًا، من طواف حول القبر وتمسح به بل تمسح باللوح الرخامي الذي كتب عليه نبذة من حياته!! هذا عدا عن الذهاب بالرضع إليه، التماسًا للبركة، وذهاب العروسين هناك للبركة أيضًا!! هذا والمرأة العروس في كامل زينتها!! إنا لله وإنا إليه راجعون كيف انقلبت المفاهيم، وظهر حتى صار هو الأصل، وصار المعلم والمنكر معروفًا، والعجيب أن النساء حول القبول بدون حجاب مما زاد الطين بلة.
بدع وضلالات
ثم أخذنا إلى منطقة أخرى مليئة بقبور العلماء والأمراء والقواد والعامة، وفيها من «البلاوي» ما هو قريب مما في منطقة الشيخ بهاء الدين نقشبند، وإنما يعود ما هم فيه إلى الجهل الشديد الذي عليه أكثر عامتهم ولعدم استطاعة علمائهم الجهر بالحق فصارت عقيدة التوحيد التي هي سهلة يسيرة واضحة صارت مختلطة بهذه البدع الغليظة.
ثم اصطحبونا بعد ذلك إلى المدينة القديمة، وهي أصل مدينة بخارى، وفيها مدرسة «مير عرب»، وقد بناها الشيبانيون العالم من اليمن يسمونه «محمد اليماني»، لذلك ورد في اسمها كلمة عرب، وهو مدفون فيها وصلينا في المسجد الجامع الضخم الذي يدعونه ، «كالون» ومنارته الشهيرة التي هي أطول منارة في آسيا الوسطى، ودرجاتها حلزونية وعددها خمس ومائة درجة، وهي بديعة المثال جميلة المنظر، وقد صعدت إلى أعلاها مع مجموعة من الإخوة فانكشفت لنا بخارى كلها قديمها وحديثها، وهذه كلها من مباني القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، والمدينة القديمة عجيبة في تعميمها وبنائها، والداخل إليها يشعر بشعور غريب مزج فيه الرهبة بالإجلال، وما ذلك - والله أعلم- إلا لقدم البناء مع علوه على وجه غير معتاد فالقدم يورثك الإجلال والعلو والارتفاع يورثانك الرهبة والمهابة، وأنا أعود إلى القول بأن هذا الذي رأيته -على جلاله وعظمته- إنما هو نوع من العلو في البنيان، والسرف في غير محله، لكن له اليوم فائدة واحدة مهمة نبهني عليها الدكتور عبد الإله بن عرفة - مندوب الإيسيسكو - ألا وهي أن هذه المباني صارت اليوم رمزًا يجتمع عليه أهل تلك البلاد فيتذكرون عزة ماضيهم التليد، وجلال مجدهم السليب، وربما تحركهم هذه المباني للعمل على أن يعودوا إلى ما كانوا عليه، وربما ينازع بعض الناس في هذه الفائدة لكن أظن أن لها وجهًا مقبولًا والله أعلم.
ضرب القلعة بالقنابل
ثم مرت الحافلة بنا على قلعة بخارى القديمة، والقلعة تسمى بلغتهم «فهندز»، وقد قال لي أحد المترجمين المرافقين: إن الروس لما حاصروا البلد ضربوا القلعة بقنابل الطائرات فدمرت أجزاء منها وسلم المسجد بفضل الله تعالى.
ثم مرت الحافلة بنا على مدارس قديمة كثيرة ومساجد أثرية، وعلى خوانق للصوفية. والخوانق جمع خانقاه، وهي ما يعد للصوفية لخلوتهم وتعبدهم، وكان للصوفية دولة في المنطقة وهيمنة وشأن كبير، لكن الشيوعيين لما جاؤوا إلى البلاد وعاثوا فيها الفساد ضيقوا على الصوفية جدًا.
ثم أخذنا إلى الفندق لنستعد للذهاب إلى طشقند بالقطار أيضًا، ولقد حاول المشرف على المؤتمر والمنظم له أن نسافر بالطائرة لكن المنظمين المحليين رفضوا رفضًا باتًا، ولم تعلم لرفضهم هذا سببًا، فالمال قد دفع من جهة أخرى خارجية والمسافة من بخارى إلى طشقند طويلة جدًا بالقطار إذ تقطع في اثنتي عشرة ساعة بقطار ليلي ذي سرر للنوم، وحاول منظمو الرحلة أن يشرحوا للمنظمين المحليين أننا بحاجة للذهاب بالطائرة لأن في الباحثين من هو طاعن في السن فهو في عشر السبعين، وفيهم من هو مريض لكنهم لم يرضوا ولم يقبلوا ولم نعرف لذلك سببًا، فالله أعلم.
عودة بطيئة للإسلام
هذا وقد لاحظت أن القوم يعيشون كما كان سكان أكثر البلاد العربية يعيشون قبل عودة بطيئة للإسلام.
أما دول آسيا الوسطى التي زرتها وهي «قيرغيزستان» و«قزقستان» و«أوزبكستان» فهي تعيش مرحلة العودة البطيئة إلى الإسلام لكن لم تظهر فيها بعد الصحوة، ولم تكتمل لها عوامل اليقظة، وأحسنهن في ذلك قيرغيزيا وما زال الحجاب نادرًا في شوارع «ألماتا» عاصمة قزقستان، وبخارى وطشقند وللقوم في ذلك بعض العذر؛ فهم قد خرجوا للتو من استخراب روسي قيصري ثم بلشفي طويل جدًا ناف على مائة وعشرين سنة، وهم بحاجة ماسة إلى مساعدة البلاد العربية والإسلامية والكثرة الكاثرة منها قد قلبت لهم ظهر المجن وأسلمتهم لمصيرهم، وأنا واثق إن شاء الله تعالى أن هذه الدول كلها ينتظرها مستقبل مشرق وسيكون لها أثر كبير في عودة الحضارة الإسلامية المرتقبة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل