العنوان أيام في «قازان » (۳) «المدرسة المحمدية» شعاع الدعوة في تترستان
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 20-ديسمبر-2008
مشاهدات 93
نشر في العدد 1831
نشر في الصفحة 42
السبت 20-ديسمبر-2008
ثورة عام ١٩١٧م البلشفية الملحدة قمعت المسلمين وهدمت وأغلقت ٥٤٧ مسجدًا في تترستان
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ۱۹۹۲م تحققت سيادة تترستان على إقليمها ورفضت الاتحاد مع «روسيا»
«موسكو» اعترفت بـ «تترستان» جمهورية فيدرالية بحكم ذاتي عام 1994م وقام التتار ببناء ۱۳۰۰ مسجد
استقلالها صعب بسبب إحاطتها بسبع وحدات إدارية روسية وعدم وجود منفذ على البحر
في جامعة تترستان الحكومية مركز ثقافي عربي له أثر عظيم في الدعوة وهو في حاجة ماسة للدعم
أحرص على لباسي العربي ولا أغيره في سفري مهما رآه الناس غريبا وكان مدخلي للدعوة في «قازان»
تناولت في المقال الماضي تاريخ التتار في روسيا حتى ظهور الثورة البلشفية الشيوعية الملعونة سنة ١٣٣٦هـ / ۱۹۱۷م، وقد ابتدأت هذه الثورة الملحدة باستمالة الشعوب الروسية، ومنهم المسلمون الذين وعدوا وعودًا معسولة ما لبثت أن ذهبت أدراج الرياح، فقد وعدوا بالحريات، ونادى فيهم لينين بالتحرر من القهر، وسلمهم مصحف عثمان المحفوظ في «طشقند» اليوم، ومناهم ووعدهم ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (الإسراء:64).
وعمدت الثورة إلى قمع المسلمين وتهجير كثير منهم وقتل أكثر قادتهم وزعمائهم حتى الذين انخدعوا بالشيوعيين وتعاملوا معهم، وفعل الروس الشيوعيون بالمسلمين الأفاعيل الهمجية المتوحشة، وكان نصيب التتار من ذلك وافرًا.
وفي سنة ١٣٣٩ هـ / ٢٧ مايو ١٩٢٠م أعلنت منطقة تتار الفولجا «جمهورية تترستان الاشتراكية السوفييتية» وعاصمتها «قازان»، وفعل الشيوعيون بالبلد الأفاعيل، فدمروا المساجد ونشروا الإلحاد والفساد واشتريت الذمم، وصار الرجل يخاف من زوجه وأبيه وابنه وأخيه، ومنع تعليم العربية والإسلام، وعوقب من يفعل ذلك بالإعدام، وفي سنة ١٩٣٩م بلغ عدد المساجد التي أغلقت في «تترستان» ٥٧٤ مسجدا، وفي سنة ١٩٤١م لم يبق إلا ۱۲۰ مسجدًا فقط، وخاف الناس من دخول المساجد فصارت خاوية، وفي سنة ۱۹۹۰م كان في «قازان» مسجد واحد فقط أما المدارس فحدث عن تخريبها ولا حرج فقد بلغ عدد مدارس منطقة قازان قبيل الثورة الشيوعية الملعونة ٩٦٧ مدرسة، وعدد طلابها ٧٩٤٩٦ طالبًا وذلك سنة ١٩١٣م، لكن بعد الثورة أغلقت جميع المدارس الدينية ولم يبق لها وجود والكلام عما فعله الشيوعيون في تترستان يطول لكن حسبي ما أوردته.
إعلان الاستقلال
وأذن الله تعالى بالفرج لمسلمي تترستان يوم أن أوشك الاتحاد السوفييتي الهالك على السقوط، فاجتمع مجلس السوفييت في ٢٠ أغسطس سنة ١٩٩٠م ليعلن سيادة الدولة الإقليمية، فيما فسر بأنه إعلان استقلال ولم يكن الروس وقتها قادرين على فعل شيء. وفي ديسمبر ۱۹۹۱م انهار الاتحاد السوفييتي الهالك - ولله الحمد والمنة - وفي ٢١ مارس سنة ۱۹۹۲م جرى استفتاء في تترستان حول سيادة الدولة على إقليمها فاختار ٦٢,٤% من المشاركين في الاستفتاء السيادة، وفي ۱۲ ديسمبر سنة ١٩٩٣م رفضت تترستان تنظيم استفتاء على أرضها حول معاهدة الدستور والاتحاد مع روسيا التي أصبحت تعرف بـ «الاتحاد الروسي» بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لكن أكثر قادة التتار رأوا أنه من غير الممكن الاستقلال الكامل عن روسيا لأسباب منها: عدم وجود منفذ بحري، ولأن هناك سبع جمهوريات ووحدات إدارية روسية تحيط بها من كل جانب فوقعت مع موسكو معاهدة في فبراير سنة ١٩٩٤م تعترف بموجبها تترستان بأنها جزء من الاتحاد الروسي لكنها جمهورية فيدرالية لها حكم ذاتي.
بناء ١٣٠٠ مسجد
ومنذ ذلك الوقت أقبل التتار على بناء المساجد، فبعد أن كان في «قازان» مسجد واحد صار فيها اليوم مئات المساجد، وبلغ عدد مساجد تترستان اليوم ۱۳۰۰ مسجد ولله الحمد والمنة، ورقم التتار مساجدهم القديمة، وعلى رأسها مسجد «قل شريف» الذي زرته وصليت فيه الجمعة، وسأذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى، وهو مسجد قديم أنشئ قبل احتلال إيفان الرابع - الرهيب – لـ قازان سنة ١٥٥٢م. وقد استغرق ترميمه تسع سنوات تقريبًا من سنة ۱۹۹٦ - ۲۰۰٥م، ومن أشهر مساجد «قازان» جامع «شهاب الدين المرجاني» الذي أسس عام ١٧٧٠م، ولم يكن اسمه جامع المرجاني، وإنما سمي بذلك لأن أشهر علماء التتار شهاب الدين المرجاني صار إمامًا له سنة ١٨٥٠ م قسمي بعد ذلك باسمه.
وفي «قازان» اليوم عشر مدارس إسلامية رسمية مرخص لها، لكنها غير معترف بشهادتها سوى المدرسة العثمانية، ومنها المدرسة المحمدية، وقد زرتها واجتمعت ببعض طلابها وأساتذتها، وفيها موجه مصري نابه يسمى محمد محمود عبدالله وهو أستاذ في جامعة «قازان» الحكومية، ومعهد اللغات الشرقية، وهو موجه في المدرسة المحمدية، ومشرف في المركز الثقافي العربي، وقد احتفلت المدرسة سنة ۲۰۰۷م بمرور ١٢٥ عاما على إنشائها. وقد أسسها العالم التتري المفتي عالم «جان بن محمد جان بارودي» في «قازان»، وقد أغلقت المدرسة بعد الثورة الشيوعية بسنة واحدة سنة ۱۹۱۸م، وكان عدد من تخرج فيها من الطلاب إلى ذلك الوقت ألف طالب أو يزيدون وبعد مصادرة الشيوعيين للمدرسة حولت إلى مدرسة صناعية، ثم أعيد افتتاحها في أكتوبر عام ١٩٩٣م، في غرفتين مستأجرتين في قصر «لينين» للثقافة لأن المدرسة لم تكن قد استردت بعد، فقد اكتمل استردادها سنة ١٩٩٧م، وفي سنة ١٩٩٤م استقبلت المدرسة الطالبات في قسم منفصل عن الطلاب بلباسهن الشرعي، فكان ذلك بدءا لظهور الحجاب في «قازان»، ولله الحمد والمنة، وأشرفت على المدرسة مؤسسات عديدة كان آخرها «مؤسسة طيبة» من سنة ١٩٩٥م ۱۹۹۷م، ثم جمعية الإصلاح الاجتماعي الكويتية من سنة ١٩٩٨ - ٢٠٠٣م.
و«المدرسة المحمدية»، معهد عال وليست مدرسة، فهي تقبل الطلاب بعد الثانوية ويدرسون فيها خمس سنوات، وفيها دراسات مسائية أيضا ودراسات بالانتساب، وللمدرسة أثر جيد في المجتمع القازاني بل النتري، فمن مهماتها تخريج الأئمة المساجد تترستان البالغة ألفًا وثلاثمائة مسجد، وكذلك ملء الفراغ في المؤسسات الدينية المختلفة والاهتمام بالنساء - وكل الطالبات محجبات - والدعوة إلى الله تعالى في وسائل الإعلام والمدن والقرى، والتصدي للأفكار المنحرفة التي تغزو المنطقة، وترسل المدرسة بعض الطلاب للدراسة في بعض الدول العربية، ولأداء الحج، وهي اليوم تعاني من مشكلة مالية فقد تخلت عنها الجمعيات الإسلامية التي منعت من العمل في روسيا، واضطرت المدرسة لإنقاص عدد الطلاب المقبولين كل عام في الله للمسلمين.
الجامعة الإسلامية
وقد زرت «الجامعة الإسلامية» في «قازان» التي أنشئت من قرابة عشر سنوات وفيها اليوم أربعمائة طالب ومديرها أستاذ لطيف لبق يسمى «رفيق محمدشن»، وقد موّل بناءها البنك الإسلامي للتنمية وتخرج الجامعة الطلاب الذين يعملون في المؤسسات الدينية المختلفة، وقد اجتمعت بالمدير وسألته أسئلة متنوعة، وقد بين لي أن في الجامعة كليتين كلية للعلوم الإسلامية وكلية للإلهيات وأهداني كتابًا عن «قازان» باللغة الإنجليزية استفدت منه كثيرا، وأهداني خمس مجلدات عن بعض أعلام التتار وكانت هدية ثمينة جدًا، وذلك لأنني لما عكفت على دراسة تاريخ المنطقة لم أجد من المعلومات عنها وعن أعلامها إلا أقل من القليل، وذلك باللغتين العربية والإنجليزية، وهذه المجلدات الخمس باللغة الروسية، لكن سأعمل على ترجمتها إن شاء الله، وذلك للاستفادة مما فيها من أخبار أعلام التتار الذين أريد نشر أخبارهم في الحلقات التي أقدمها عن أعلام المسلمين في القنوات الفضائية إن شاء الله تعالى.
والجامعة ناشئة وبحاجة إلى منح ودعم من جامعات الدول العربية والإسلامية؛ ليكمل طلابها مسيرتهم العلمية وتكمن أهميتها البالغة في أنها جامعة اتحادية لكل روسيا، وأنها إسلامية ومعترف بشهادتها، فأين أغنياء المسلمين منها؟!
مدخل للدعوة
وقد زرت جامعة تترستان الحكومية للعلوم التربوية والإنسانية، وقابلت عميدة كلية اللغات الشرقية وهي رئيسة قسم اللغة الإنجليزية أيضًا!! وكانت تتكلم الإنجليزية بطلاقة وهذا مما أسعدني وأمكنني من الحديث معها مباشرة؛ إذ يقل في التتار من يعرف العربية أو الإنجليزية، وهي امرأة خمسينية لكنها غير محجبة، فنصحتها أن تتحجب فوعدت خيرا ثم قلت لها: كيف يكون ٩٠٪ من البنات في الجامعة من المسلمات وهن غير متحجبات؟ فقالت لي: لأن هذه الجامعة جامعة حضارية!! فقلت لها: إن الإسلام هو الحضارة الحقة والحجاب فريضة! فأحرجت وتخلصت من هذا النقاش إلى نقاش آخر حول الجامعة وأقسامها، ثم وصفتني بأني رجل جاد جدًا!! ولا أدري لماذا مع أني كنت أبتسم بين الفينة والأخرى مع المتحدثين معي ممن كانوا في مكتبها، لكن يبدو أن للباس أثرا في ذلك، وهذا لأني أحرص على الباسي العربي ولا أغيره في سفري للبلاد الإسلامية مهما رآه الناس هناك غريبا، وذلك لأنني أظن أنه من المهم أن يرى الناس اللباس العربي الذي ربما لم يره أكثر القازانيين في حياتهم؛ لأنهم لم يخرجوا من بلادهم إلا في النادر وليس عندهم قنوات عربية أو إسلامية، فمن أين لهم أن يروه، وأريد من لباسي هذا أن يلفت نظرهم ليأتوا إلى ويناقشوني ويسألوني فيكون هذا مدخلاً لدعوتهم، والله أعلم.
وقد رأيت في مكتبها أستاذًا تتريًا يتكلم العربية بطلاقة، وهو من «تتار القرم» وليس من تثار الفولجا وهم شعب واحد لكن بعضهم سكن تترستان وبعضهم سكن القرم. وهي اليوم تابعة لجمهورية أوكرانيا، واسم هذا الأستاذ القرمي «سعيد هبة الله كامل». وهو أستاذ في الحضارة الإسلامية ومهتم باللغة العربية وربطها بالقرآن والإسلام، وهو أيضا عضو في «الإيسيسكو» وهي المنظمة الإسلامية للتربية والثقافية والعلوم ومقرها في الرباط، وقد جود العربية بجولاته في البلاد العربية وحضوره المؤتمرات، وقد بشرني بأن هناك خمسة وعشرين مجلدا ستظهر قريبا عن تاريخ المفكرين والعلماء المسلمين في روسيا باللغة الروسية، فسررت وذلك لندرة المصادر والمراجع التي تتحدث عن تاريخ الإسلام والمسلمين في روسيا، وقد زرت فصلا دراسيا في هذه الجامعة وتحدثت إلى الطلاب والطالبات فيه.
مركز ثقافي عربي
وفي هذه الجامعة مركز ثقافي عربي يقوم عليه الدكتور اليمني «محمد العماري». وهو من المقيمين في قازان منذ عشرين سنة وهو من العاملين الناشطين، وقد استقبلني في مطار «قازان»، ثم دار بي على عدد من المراكز والمساجد والمدارس، وتعب كثيرًا فجزاه الله تعالى عني خير الجزاء ومركزه هذا بأمس الحاجة للدعم، فهو ذو أثر مهم في تعليم اللغة العربية والدعوة إلى الله تعالى، خاصة أنه يقبل الطلاب المسلمين والكفار، والمركز يرسل الطلاب إلى «سورية» في دورات بجامعة «تشرين» باللاذقية، وفي المركز دراسات مسائية للغة العربية لمدة ثلاث سنوات، وقد تأسس سنة ١٤١٣هـ / ١٩٩٣م. ثم أخذتني هذه العميدة إلى مدير الجامعة الذي تحدث معي عن طريق مترجم وهو الدكتور محمد العماري - الذي ذكرته أنفًا - عن هموم الجامعة وعن وجوب مساعدتها من قبل الجامعات العربية، فوعدته أن أسهل له عقد اتفاق مع جامعة «الملك سعود» في الرياض - إن شاء الله - لترسيخ الدراسات العربية.
هذا وقد ذهبت بي العميدة إلى المركز الفارسي الإيراني الثقافي في الجامعة وأرتني كتبه فبينت لها أن للقوم أهدافًا من وراء ذلك وهو زرع نبتة لهم في المنطقة حتى تسبب القلاقل والفتن فيما بعد، وضربت لها مثلا بما يجري في العراق واليمن وبمحاولات زرع نبتة شقاق لهم في «مصر» و«فلسطين» و «المغرب» العربي الكبير، فأظهرت الاهتمام والله أعلم بما تنتهي إليه أحوال هذا المركز الخطير، وأرى أننا مقصرون جدًا في دعم مثل هذه الجامعات، ويستغل هؤلاء تقصيرنا ويملؤون هذا الفراغ بمراكزهم الثقافية التي لها أهداف وغايات خطيرة.
ثم زرت المفتي «عثمان بن عمر إسحاق»، وهو مفتي جمهورية تترستان ورئيس الإدارة الدينية لمسلميها، والنائب الأول لرئيس مجلس شورى المفتين في روسيا، وقد أهداني كتباً عن تاريخ تترستان وعلمائها، وهي هدية ثمينة، وذلك لأن هذه الكتب حديثة النشر جدا، ولأنها ستكون عاملًا مهمًا في سد الثغرة الكبيرة في تاريخ المنطقة، حيث إن هناك قرونا مغلفة بالغموض، ولا أكاد أجد مصدرا بالعربية أو الإنجليزية يتحدث عنها، صحيح أن هذه الكتب تنشر بالروسية لكن ترجمتها سهلة إن شاء الله تعالى، وفي الإدارة الدينية شباب متحمسون نشطون أحسبهم على خير إن شاء الله تعالى.
(*) المشرف على موقع التاريخ www.altareekh.com.