العنوان أيام في قيرغيزيا (1 من 2)
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 23-ديسمبر-2006
مشاهدات 54
نشر في العدد 1732
نشر في الصفحة 36
السبت 23-ديسمبر-2006
- شباب البلاد يجهلون حال العالم الإسلامي وقضاياه الرئيسة
- حملة تنصير واسعة بتمويل كبير.. وغياب كامل للمؤسسات الدعوية الإسلامية
- شيخ واحد هرب من مذبحة العلماء بالصين.. كان سببا في هداية عدد كبير من القرغيزيين
- طبيب الأسنان أوزبيك: التزمت بالإسلام منذ ١٣ عامًا فاتهمني أهلي بالجنون!!
بعد أن قضيت أيامًا في قزقستان شددت الرحال إلى قيرغيزيا.. وهي جمهورية إسلامية مجاورة لها، لكنها أصغر منها بكثير، إذ إن مساحة قزقستان ۲٫۸ مليون كيلو متر مربع تقريبًا - وهي أكبر دولة إسلامية في مساحتها - وتبلغ مساحة قير غيريا ١٩٧ ألف كيلو متر مربع تقريبًا، لكن نسبة المسلمين فيها قرابة 70% بينما نسبة المسلمين في قزقستان قرابة 55%.
ووصلت إلى هذه الدولة: أملًا أن أجد أوضاعًا أفضل من قزقستان، فخاب أملي وعرفت أن الجمهورية القيرغيزية تأثرت بالروس تأثرًا هائلًا، كما تأثرت بهم باقي الجمهوريات مررت بوسط العاصمة (بشكيك) لأجد تمثالًا لرقية وهي أول امرأة تخلع الحجاب هناك، فصوروها وبيدها الحجاب ترمي به وعرفت أن النصارى يعملون باجتهاد كبير في تنصير المسلمين، وأن بعض القرى قد زادت نسبة النصارى فيها عن نسبة المسلمين، وأنه في بلدة واحدة بلغ عدد الكنائس ١٣ كنيسة مقابل مسجدين وأن النصارى يجذبون الشباب المسلمين الذين تعد علاقتهم بالدين أوهى من خيط العنكبوت يجذبونهم بوسائل كثيرة، وأن بعض الفتيات القيرغيزيات يتزوجن بأوروبيين وصينيين ويابانيين... إلخ.
أما الخمور فهي منتشرة انتشارًا كبيرًا كحالها في قزقستان.
وحدثني أحد أفاضل أهلها- وهو الدكتور أوزبيك الطبيب البارع المتخصص في تقويم الأسنان وتجميلها، وله براءات اختراع وأبحاث منشورة في المجلات العالمية - أنه عندما التزم بالإسلام قبل ثلاث عشرة سنة وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة كان الناس يقولون عنه إنه مجنون وقصته عجيبة؛ حيث كان في سياحة لبلغاريا فقابل أتراكًا فسلموا عليه وتأثر بهم لما سألوه: هل أنت مسلم؟ وعاد إلى بلاده ليقابل الملا الذي أخبره بأنه يجب عليه أن يصلي منذ كان عمره اثنتي عشرة سنة، فصاح د. أوزبيك: إذا أنا متأخر عشرين سنة، وأصر على تعلم الصلاة فحافظ عليها من يومه ذلك. فصار أهل قريته يتهمونه بالجنون ويذهبون إلى أمه العجوز ليخبروها أن ابنها جن، وكانت أمه تبكي طويلًا، وهو يقول لها: يا أمي أنا طبيب مشهور، فكيف أكون مجنونًا فتهدأ قليلًا لتعاود البكاء من جديد!!
وقسا عليه أبوه عندما بدأ يدعو للإسلام، وأخذ أصهاره زوجته منه واتهموه بالجنون، لكنه صبر على كل ذلك. وصار يدعو للإسلام في التلفزيون القيرغيزي مرتين في الأسبوع، وله نشاطات مشكورة وهو حريص على التعدد لإنقاذ نساء قومه، فقام عليه الناس قومة عظيمة لكنه أسكتهم ببيان أهمية التعدد وحكمة الإسلام في تشريعه، وهو اليوم متفرغ للدعوة وترك التدريس في الجامعة وله تأثير جيد بالمجتمع، والناس يحترمونه ويحبونه رغم قلة اكتراثهم بالدين.
أما جنوب البلاد الملاصق لطاجيكستان وأوزبكستان، فهو أحسن حالًا. من شماله الملاصق لقزقستان، فأهله أقرب للإسلام.
وفي البلاد طوائف متعددة وأعراق مختلفة، منهم الإيجور وهم من أهل
تركستان الشرقية التي تحتلها الصين اليوم عجل الله فرجها - ومنهم الدونجان، فمن هؤلاء وما قصتهم؟
يومان مع الدونجان
الدونجان ينحدرون من وسط الصين وعددهم هناك قرابة عشرة ملايين أما عددهم في قيرغيزيا فقرابة مائة ألف فقط، ويقال إن أمهم صينية وأباهم عربي وهم يعملون بالزراعة ورعي الماشية ويعتمدون كثيرًا على أنفسهم في هذا الأمر ويباشرونه بأيديهم، ويحثون أولادهم على العمل أيضًا، ولهم لغة خاصة بهم.
أقام الدونجان مخيمًا لشبابهم الذين يدرسون في جامعات قيرغيزيا والسعودية ومصر وسورية، ودعوني لإلقاء محاضرات في مخيمهم الذي أقاموه لتعميق بعض المفاهيم الإيمانية والدعوية، فأجبتهم مسرورًا، وألقيت فيهم ثلاث محاضرات وموعظة، أما المحاضرات فكانت عن الأخوة الإسلامية، ومهمة طالب الجامعة، والتذكير ببعض المفاهيم الإسلامية، وأما الموعظة فكانت عن فضل الذكر، وكان نصفهم يتحدث بالعربية والنصف الآخر لا يستطيعها، فكان الحديث عن طريق مترجم فكان ذلك شاقًا علي، ويقطع تسلسل المعاني لدي، لكن لا بد مما ليس منه بد ولاحظت أن الشباب يكادون يجهلون حال العالم الإسلامي وعلماءه ورموزه خاصة من كان فيهم يدرس في قيرغيريا، بل لاحظت أن الجهل عام فيمن يدرس بقيرغيزيا وخارجها في قضايا إسلامية مهمة وأخبار تاريخية لا تكاد تخفى لكني عذرتهم، حيث إن القوم رزحوا مئات السنين تحت احتلال صيني روسي، فماذا يتوقع منهم بعد ذلك؟!
وعلمت أن الدونجان حريصون على تعاليم الإسلام من صلاة وصيام وبعض نسائهم محجبات وهم على العكس من القيرغيزيين الذين قد ابتعد أكثرهم عن الإسلام.
والقوم بحاجة إلى التفاتة جادة من قيل علماء المسلمين ودعاتهم ومفكريهم وأغنيائهم، فهم على استعداد تام لخدمة الإسلام لو فقهوه، وفيهم من صفات الشدة والقوة والبعد عن الترف، ما يؤهلهم لعمل متميز، فمخيمهم على النقيض من كل المخيمات التي حضرتها، بعيد عن وسائل الرفاهية تمامًا، حتى إنه لا يوجد فيه بيت للخلاء إلا صندوقان خارج المخيم يقضي فيهما المرء حاجته، وطعامهم نوع واحد فقط، ويأكلون اللحوم ٣ أو ٤ مرات يوميًا. وأجسادهم صحيحة وفطرتهم إلى حد كبير سليمة واعتزازهم بالإسلام كبير، وهم من الطوائف العصية على المنصرين وأشباههم فالله الله فيهم، ولندركهم قبل فوات الأوان.
قصة الشيخ يوسف الدونجاني
لكن ما السبب في حسن تمسكهم بالإسلام؟ إن الفضل في ذلك يعود - بعد فضل الله - لعالم دونجاني صينيي اسمه يوسف، وقصته عجيبة حكاها لي تلميذه الشيخ عبد الكريم الدونجاني؛ حيث تناقشتُ وإياهُ يومًا عن مشكلة الدونجان الصينيين وكيف يعيشون تحت الحكم الشيوعي الصيني، فذكر لي أن حالهم اليوم أفضل من حالهم أيام الشيوعيين في العهد السابق، وقص علي ما كان يفعله الهالك ماوتسي تونج رئيس الصين السابق بهم، وأنه أخذ علماءهم ومشايخهم وقتلهم قتلة شنيعة، حيث كان يعصر رأس الواحد منهم بين خشبتين حتى تتفجر دماؤه، ثم يأمر أهاليهم بدفنهم، وقد نجا من تلك المذبحة المروعة الشيخ يوسف ففر إلى قيرغيزيا التي كانت ترزح آنذاك تحت الحكم الروسي يوعي، وذلك سنة ١٣٨١هـ فكان كالمستجير من الرمضاء بالنار لكنه تخفى عند الدونجان في قير غيريا، وبدأ يعلم التلاميذ الإسلام والقرآن، وقد كانوا آنذاك يشبهون القيرغيز في البعد عن الإسلام وترك النساء للحجاب، فصار يعلم التلاميذ شيئًا فشيئًا تعاليم الإسلام وهدي القرآن لكنه لم يخبرهم بكل الشرائع المفروضة تدرجًا منه في أخذهم بالإسلام وحكمة في دعوتهم.
ثم وقع بصر محدثي الشيخ عبد الكريم في القرآن على الأمر بحجاب النساء، فسأل الشيخ عنه فأخبره، وأخبر باقي التلاميذ أن الحجاب واجب، وكان ذلك سنة ١٤٠٠هـ. فأخذ الشيخ عبد الكريم في دعوة أهله للحجاب، فابتدأ بأمه التي رفضت ذلك. وصار يلح عليها ويبكي وهي ترفض، ولما كثر إلحاحه واشتد بكاؤه قبلت أن تلبس الحجاب، فلما لبسته لم تخلعه بعد ذلك، ثم تحول إلى زوجته فأمرها بالحجاب فلبسته ثم أمر أخواته الست بلبس الحجاب فلبسنه فكانت أول عائلة في دونجان قيرغيزيا تلبس نساؤها الحجاب.
ثم صار يدعو الناس إلى أن تلبس نساؤهم الحجاب، ودعا بذلك على المنبر فوصل الخبر للشيخ يوسف وكان في المستشفى فطلبه فحضر إليه وعانقه وبكي فرحًا بما صنع تلميذه، وأنه فعل ما لم يستطعه هو، فدعا له وذكر له أنه مستعد للقاء الله تعالى في أي وقت، بعد أن أدى واجبه، وتوفي الشيخ يوسف سنة ١٤١٢هـ بعد أن كان له الفضل الأكبر، بعد الله تعالى في نشر الإسلام في دونجان قير غيريا.
فسبحان الله.. شيخ واحد ينجو من المذبحة في الصين يحول الله تعالى به مسار فئة كاملة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل