; أيام في مصر (۱من ۲) | مجلة المجتمع

العنوان أيام في مصر (۱من ۲)

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2007

مشاهدات 86

نشر في العدد 1762

نشر في الصفحة 38

السبت 28-يوليو-2007

  • سكانها أكثر من ٧٥ مليونًا وفيها طاقات كبيرة ومواهب جليلة قامت فيها ممالك حرست الدين طويلًا وذبت عنه كثيرًا ونصرت الإسلام في مواقع فاصلة

  • مئات الآلاف من العلماء امتلأت بهم مصر منذ الفتح الإسلامي على رأسهم الليث بن سعد والإمام الشافعي وابن حجر

  • البلد بحاجة إلى إخلاص الحاكمين والمحكومين والتعاون بين العلماء والحكومة.. والتخطيط السليم لتصبح في مقدمة دول العالم

  • اليوم يتم تعظيم آثار الفراعنة وطمس التاريخ الإسلامي فيها لإبعادها عن دينها وقطعها عن حضارتها الإسلامية الرائعة

  • زرت المتحف المصري ووقفت على جثة فرعون مصر وتعجبت أن كتب على التابوت الزجاجي أنه غرق في ظروف غامضة! رغم أن قصته يعرفها كل مسلم

لي في مصر عرى وثيقة فوالدتي حفظها الله منها، وامرأة أبي أم إخوتي منه منها، وهي أول بلد أزورها منذ خرجت من المملكة أول ما خرجت سنة ١٣٨٦هـ / ١٩٦٦م، ثم زرتها عشرات المرات بعد ذلك، وأول ما تراه في مصر مآذنها الشامخة، ففي البلد أكثر من سبعين ألف مسجد، وهي دالة شاهدة على أن ذلك البلد هو عرين الإسلام مهما ادعى المدعون وأراد الهادمون.

وفطرة أهله ربما كانت أقرب الفطر إلى الإسلام، فهم قوم فيهم طيبة ورفق في الجملة، وسلاسة طباع ونزوع إلى خير ولين هذا هو المعروف عنهم الذي شهد لهم به الموافق والمخالف.

ومصر هي التي نصرت الإسلام في مواقع فاصلة، فهي التي أخرجت الصليبيين من آخر مواقعهم في بلاد الشام من عكا أيام الأشرف خليل المملوكي سنة ٦٩٠هـ، وهي التي أنقذت المسلمين في معركة «عين جالوت» الفاصلة في سهول فلسطين سنة ٦٥٨هـ على يد أسدي الإسلام قطر والظاهر بيبرس، وهي موطن الخلافة الإسلامية العباسية بعد أن سقطت بغداد لمدة قرنين ونصف القرن تقريبًا، إلى أن جاء العثمانيون، وهي التي ردت الصليبيين خاسئين أيام الكامل الأيوبي، ومعركته مع لويس التاسع الذي سجن في دار ابن لقمان في المنصورة، وهي التي خرجت ليوث الإسلام من قادة المعارك العظام، فهي التي صقلت صلاح الدين سنوات طويلة قبل سلطنته، وفيها الممالك التي حرست الإسلام طويلًا، وذبت عنه مثل المملكة الأيوبية ودولة المماليك، ومنها خرج الفتح الإسلامي الأول إلى ليبيا وما وراءها إلى المحيط.

مئات الآلاف من العلماء

أما علماء مصر فحدث عن البحر ولا حرج، وحسبي أن أذكر على سبيل المثال: الليث بن سعد الذي قال عنه الإمام الشافعي: هو أفقه من مالك، وعبد الله ابن عبد الحكم والمزني، والبويطي، والشافعي . وقد مكث في مصر أكثر من أربع سنوات وقد قال ابن المبارك: من مكث في بلد أربع سنوات نسب إليها. والقاضي الفاضل العالم وزير صلاح الدين والحافظ العراقي والحافظ الهيثمي، والحافظ ابن حجر والحافظ السخاوي، والحافظ السيوطي وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وآلاف من العلماء، بل على الحقيقة مئات الآلاف من العلماء الذين امتلأت بهم مصر منذ الفتح الإسلامي إلى يوم الناس هذا. 

وهي بلد الأزهر الذي ظل شامخًا أكثر من ألف سنة، وإن اعتراه ما اعتراه في هذا الزمان من ضعف وهوان، لكن كم كان للأزهر بجلاله ومشايخه من مواقف عزة وقوة وجلال؟! أليس هو الذي دوخ نابليون وخليفته كليبر؟! أليس هو الذي وقف شامخًا أمام الخديوية وتساهلها وقلة دينها؟!

وعلى يد مصر وعلمائها قعدت أكثر العلوم والفنون، وضبطت الصناعات وحذقت، ولو قدر لها أن ترزق حكامًا صالحين لكانت الآن في مقدمة دول العالم ألم يبعث اليابان بعثة رسمية في أواخر القرن الثالث عشر الهجري التاسع عشر الميلادي إلى مصر لينظر كيف تقدمت ليتبع خطواتها؟ وإن شئت المزيد من البيان عن هذه الحادثة الجليلة فاقرأ «مجلة المنار» لرشيد رضا – يرحمه الله.

وقد زرت في مصر قلعة قايتباي في الإسكندرية، وهي قلعة جليلة، وقفت شامخة مئات السنين، وقايتباي هو أعدل سلاطين المماليك وأفضلهم وألينهم عريكة وأقومهم بالعدل، ومن أطولهم مدة حكم، ولا ينسى فضل قطز لكن كانت مدته قصيرة جدًا، وبين وفاتيهما قرنين ونصف القرن تقريبًا، فرحمة الله عليهما، فهما طرفا حكم المماليك وخير سلاطينهم فيما أعلم، والله أعلم.

اتهام باطل

وزرت في الإسكندرية أيضًا مكتبتها الجليلة – وهي التي بنيت باسم المكتبة القديمة التي اتهم عمرو بن العاص ظلمًا وعدوانًا بأنه حرقها، ولم أر أشهد بالزور بعد الرافضة من هؤلاء المستشرقين الكاذبين الذين يلصقون بالمسلمين خطايا هم براء منها براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام فقومهم هم الذين تواتر عنهم حرق المكتبات في مدن الأندلس لما دنسوها بأخذها من ضعاف المسلمين وخلف الصالحين العاملين أما المسلمون فلم يثبت عنهم حرق مكتبة الإسكندرية ولا غيرها، لكن للقوم اليوم إعلام قوي رائج، وإعلامنا إعلام غنائي راقص ساذج! 

وزرت في القاهرة قلعة صلاح الدين وهي قلعة عظيمة بحاجة إلى عناية وترميم وزرت أول مساجد إفريقية جامع عمرو بن العاص، وسعدت بالصلاة فيه مرارًا كما سعدت بالصلاة في الأزهر مع ألم اعتصرني من تراجع وظيفته ودرجة علم وعمل أكثر مشايخه.

صنيع حسن: وقد زرت أيضًا جامع الشيخ المقرئ الكبير محمود خليل الحصري –يرحمه الله تعالى– وشرفني القائمون عليه بالإمامة فيه في صلاة المغرب، وهو ضمن مجموع من الأبنية التي تقوم على الأيتام والفقراء، كلها تحت إدارة ابنة الشيخ الناشطة العاملة ياسمين الحصري، وقد جمعت من المال الشيء الكثير وبنت به تلك المباني الضخمة وجعلت ثواب كل ذلك لوالدها فما أحسن ما صنعت! وما مات من رزق مثل تلك البنت.

وفي مصر جوامع كثيرة جليلة إضافة إلى ما ذكرت، ومن أجلها جامع السلطان حسن وهو من الجوامع التي بنيت في العصر المملوكي، وأظن أن هذا الجامع هو أعظمها بناء، وبوابته شاهقة الارتفاع، لم أر جامعًا من قبل له مثل هذه البوابة العجيبة.

تعظيم الفراعنة

واليوم تعظم آثار الفراعنة أيما تعظيم وكأنما هي تاريخ مصر، فالأخبار عنهم وعن قبورهم وقصورهم قد ملأت الدنيا وشغلت الناس، وزوار مصر لا يكادون يعرفون إلا هي !! فمن ذا الذي يزور الأزهر، أو المتحف الإسلامي، أو قلعة صلاح الدين؟ سواء من الزوار المسلمين أو من غيرهم؟ وقد طمس اليوم التاريخ الإسلامي فيها أو کاد، وأعلي تاريخ الفراعنة وآثارهم، هذا على ظلمهم وشدة سطوتهم وجبروتهم وشركهم وكفرهم وإلحادهم، وتسخيرهم الشعب لنزواتهم وأهوائهم، وقد أخبر الله جل جلاله عنهم في كتابه بما يشفي ويكفي، لكن هي خطة ماكرة لإبعاد مصر عن دينها، وقطعها عن حضارتها الإسلامية الرائعة.

تجاهل عجيب

ومن العجائب التي رأيتها في مصر أنني زرت المتحف الفرعوني فوقفت على جثة فرعون مصر الذي قال الله تعالى عنه في القرآن: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ (يونس:٩٢) فأبقاه الله إلى يوم الناس هذا وسيبقى إلى يوم القيامة تحقيقًا لوعد الله تعالى، وقفت عليه وهو في تابوت من زجاج، فإذا بالتابوت مكتوب عليه هذا فلان بن فلان غرق في ظروف غامضة! فاسترجعت وعجبت أن يكتب عليه مثل هذا، والله تعالى قد فصل لنا في كتابه الكريم حادث غرقه، وبينه لنا أحسن تبيين، فما هذا التجاهل لهذه الحادثة الجليلة التي أذل الله تعالى فيها فرعون وملأه كانت هذه الزيارة قديمًا سنة ١٤٠٢هـ / ١٩٨٢م ثم إني لم أعد إليه، فلعلهم غيروا هذه العبارة العجيبة التي تدل على تجاهل كبير للنصوص الشرعية، إذ لا يمكن المسلم أن يجهل ما حدث الفرعون! وبعد، فمصر بلد واعد فيه أكثر من ٧٥ مليونًا من البشر، وفيه طاقات كبيرة، ومواهب جليلة، وسواعد واعدة، لكنه بحاجة إلى إخلاص الحاكمين والمحكومين، والتعاون بين العلماء والدعاة من جهة وبينهم وبين الحكومة من جهة أخرى، وبحاجة إلى تخطيط سليم وأخذ بأسباب التقنية فإذا فعلوا ذلك فأزعم أنهم سينافسون كثيرًا من دول العالم وأقطاره، والله أعلم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1229

الثلاثاء 24-مارس-1970

أصول الاقتصاد من الكتاب والسنة

نشر في العدد 2112

119

الأحد 01-أكتوبر-2017

مار جرجس.. والإله حورس!

نشر في العدد 61

110

الثلاثاء 25-مايو-1971

لقاءات المجتمع