العنوان من الحياة: رسائل إلى المدخنين.. اترك السيجارة لتثبت أنك رجل (1)
الكاتب سمير يونس
تاريخ النشر السبت 27-أكتوبر-2012
مشاهدات 55
نشر في العدد 2025
نشر في الصفحة 56
السبت 27-أكتوبر-2012
يقول الطبيب العالمي «كيث باك»: «إن من بين كل عشرة مدخنين ثلاثة أو أربعة أو خمسة سيلقون حتفهم حتمًا بسبب التدخين، وإن الشاب يدخن السيجارة ليثبت أنه رجل، فأقول له: أترك السيجارة لتثبت أنك رجل».
يقول أحد التائبين عن التدخين واصفًا رحلته مع التوحيد بقوله: «إنها رحلة
تحمل في طياتها تجربة مثيرة مع النفس في صراعها بين الخير والشر الذي ترجوه بميزان
العقل والحكمة، وبين الشر الذي تهواه بدواعي الشهوة والغفلة، فكل سيجارة أشعلتها
قد اشتعلت في لحمي ودمي، وكل بقية منها، وقبل أن أطفئها فإنها كانت تطفئ في بريق
النضارة وإشراقة الصحة، بعد أن خلفت بين جوانحي مشاعر العجز أمام سطوة دخانها
العاتي برغم هوان الدخان ووضاعته التي صورها الشاعر في قوله:
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدخان يعلو بنفسه على طبقات الجو وهو وضيع
ويتابع هذا التائب حواره في مذاكرته قائلًا: «ولكم يؤلمني هذا العجز الدائم أمام سيجارتي، وتلك الأغلال التي تأسرني بها، والذي كان
أشد على
نفسي من إهداري لصحتي أو مالي قرابة ربع قرن مضت، ولا أزال على مرِّ أيامي أمني
نفسي يوم الخلاص، محاولًا الإقلاع مرات ومرات دون يأس من مواصلة الجهاد، بيقين أن
هذا واجب شرعي يحتمه علي ديني، على اعتبار أن صحتي ومالي - ومن قبل
إرادتي الحرة - أمانة يسألني ربي عنها يوم القيامة.. وهذا دليل قوي
على أن للمنهج الإسلامي تأثيره الفعال في إعلاء الروح وتزكية النفس، وذلك بآثاره
الجليلة على الإنسان في توجيه دفة حياته على دروب الخير وسبل الحياة.
قد يكون الكبار سبب الكارثة
تحدثت مع كثير من الشباب المدخنين وقلبي يعتصر حسرات على شباب الأمة، وكنت
أركز في حواري معهم على السيجارة الأولى التي دخنها الشاب: متى؟ وكيف؟
حكاني كثير منهم أنهم عرفوا السيجارة الأولى كأطفال صغار، جلسوا بين الكبار في
لقاءاتهم، فرأوا الكبار يتبادلون السجائر كتحية، فتولدت داخلهم الرغبة في تقليدهم،
ليكتسبوا صفة الرجولة حسب وهمهم.
يقول أحد هؤلاء الشباب: «كنت أصنع مع أقراني لفافات ورقية على شكل
سيجارة، نحاكي بها الكبار في تدخينهم، ولكم أضحكهم مسلكنا هذا ، بل ومنهم مع الأسف
الذين تباهوا بنا في فرحة قاصرة، كأن ما تفعله من علامات الرجولة الزائفة
يستعجلونه فينا، ومنهم الذي نهرنا بأسلوب فظ ووعيد، فالأول شجعنا على ترسيخ ممارسة
التدخين والثاني نفرنا بقسوته فلم نتقبل نصحه، فكلاهما أسهم بذلك في ترسيخ المشكلة
وتأكيد تقليد الكبار في التدخين، حتى تمكنت منا -مع الأيام - هذه العادة
الخبيثة».
سموم الإعلام والتدخين
يغيب عن شبابنا خطر التدخين، كما أننا -سواء الكبار
أم الصغار- مغيبون عن حقائق مهمة ترتبط بآفة التدخين.. نعم هناك متآمرون
على البشر، إن الحقيقة التي ينبغي أن نعلمها ونحذرها هي أن شركات الدخان العالمية
تهيمن على وسائل الإعلام، وهذه الأخيرة ظلت حينًا من الدهر تحجب نتائج البحوث
الطبية المهتمة بدراسة أضرار التدخين، وهذه البحوث أكدت أخطار التدخين
المروعة على صحة الإنسان والحيوان، بل وعلى سلامة البيئة بأسرها.
وقد ثبت أن شركات الدخان كانت توظف وسائل الإعلام للدعاية لها -ولا تزال إلى
الآن تمارس هذا الخبث- حيث تدفع مبالغ طائلة لمنتجي الأفلام
السينمائية وأبطالها، حتى تظهر هؤلاء الأبطال وهم يدخنون، حيث يتخذ كثير من الشباب
أبطال السينما قدوة، فيؤثرون في شعور هؤلاء الشباب، ويرسخون عادة التدخين الخبيثة
في وجدانهم، فيملكون عواطفهم وعقولهم، ومن ثم يقوم هؤلاء الشباب بتقليد أبطال
السينما هؤلاء في جميع حركاتهم، ومنها مشهد التدخين، الذي يدبر ويحكم إحكامًا
مقصودًا، يهدف إلى إيقاع الشباب والمشاهدين فريسة لهذه الآفة.
أبطال سقطوا بسبب التدخين
ليت المدخنين يقرؤون كلماتي هذه ليأخذوا منها العبرة والعظة، وليتهم يتخذونها
بداية خيط يتلمسون فيه حياة هؤلاء الأبطال وكيف انتهت، ولا يقتصرون على مشاهدة
أدوارهم فقط في الأفلام.. فهذا هو الفنان العالمي «يول براينر» الذي لم
تفارق السيجارة شفتيه في معظم مشاهد أفلامه، وهو من النجوم الذين جندتهم شركات
الدخان العالمية، نراه يسقط صريعًا لسرطان الرئة، فيستجمع قواه التي خارت
وهو يعاني آلام المرض، ويوصي ابنته قبيل موته قائلا بصوت خافت مفعم بالندم ويحترق حزنًا: «أرجوك يا
بنيتي لا تدخني، وهذه وصيتي لك ولكل إنسان، وأرجو أن تنشري عني هذه النصيحة».. وبالفعل طبعت
الابنة ملايين الأشرطة تحمل هذه العبارة البسيطة في مبناها والعظيمة في معناها.
وبسبب التدخين أيضًا انتهت حياة المطرب العالمي «نات كيج» عن خمس
وأربعين سنة، وكان معروفا بأداء أغانيه العاطفية وهو يدخن.
وها هو الممثل العالمي المشهور «همفري بوجارت» يموت عن سبع
وخمسين سنة بسرطان الحنجرة وكان معروفًا في أفلامه
بالتدخين بطريقة مغرية قلده فيها كثير من ضحاياه.
وهذا «جرمين ميكلرين» وهو الذي وُصف
بأنه أشهر ممثل الأفلام الدعاية لأكثر السجائر الأمريكية رواجًا في العالم، حيث
كان يظهر وهو يمتطي صهوة جواده والسيجارة مشتعلة بين شفتيه، بين أحضان الطبيعة
الجميلة الخلابة، ليخدع بذلك ملايين البشر ويوقعهم في شباك التدخين، ثم ها هو ذا
على فراش مرض الموت صريعًا لسرطان الرئة، وكان يقول في حرقة وندم: «السيجارة
تقتلكم، وأنا الدليل»!!
فسبحان الله، إنه هو نفسه الذي جنده الشيطان للترويج للتدخين، ويموت ضحيته
المخدوعون، وهو على فراش الموت يحذر الناس من شرها لكنه يموت بسبب السيجارة وهو
يلعن أصحابها.
ينبغي أن نراجع عاداتنا
إن كثيرًا من عاداتنا يجب مراجعتها، ذلك لأن كثيرًا من العادات السلبية تصير
قواعد يسلِّم الناس بها، وتصير مقبولة -برغم شرها وضررها- لمجرد أنها
شاعت بين الناس!!
وهناك مواقف وقصص من الحياة تؤكد أن الناس -من ذوي الفطرة
السليمة- استنكروا التدخين ونفروا من المدخنين في بداية
ظهور هذه العادة الخبيثة!!
ففي قصة الملاح الإسباني «رود دي جودي»، أنه رافق
الرحالة «كريستوفر كولمبس» إلى العالم
الجديد والذي أحضر معه الدخان، وعندما رآه الناس يدخن ظنوا أن الشيطان تقمصه،
لأنهم شاهدوا الدخان يتدفق من أنفه وفمه، ومن ثم فسيكون مصيره السجن.
وفي إنجلترا يروى أن الناس كانوا يدخنون خلسة، ومن هؤلاء رجل يدعى «والترواني»، وكان منهمكًا
في القراءة ذات يوم، فنادى خادمه وقد نسي الرجل غليونه في فمه فلما دخل عليه
الخادم ورأى الدخان ينتشر حوله إرتاع، وما كان منه إلا أن رماه بقدح الماء
الذي في يده، وخرج مسرعًا يستنجد صارخًا «ماء.. ماء.. لأطفئ سيدي،
الذي توقد ذهنه وأشتعل فكره!!
لقد كان أغلب الناس -في بداية ظهور التدخين- ينظرون إليه
نظرة اشمئزاز، وكانوا ينعتون المدخنين بـ «المنحرفين»، حتى وإن كان
أحدهم قائدًا أو ملكًا، كـ «نابليون الثالث» الذي كان من
كبار مدخني عصره، حيث لقب بـ «رجل السيجارة»، استخفافًا
به.
ومن الملوك من حارب هذه العادة الخبيثة، حتى إن بعضهم ألف كتبًا لتحذير الناس
منها وتنفيرهم، ومن هؤلاء الملك «جيمس الأول»، الذي ألف
كتابًا عن أخطار التدخين وأضراره يقول في هذا الكتاب: «أليس ذلك
قذارة وتفاهة عندما تنفخون دخانًا قذرًا برائحة كريهة نافثينه ملوثين الهواء في
الوقت الذي يمقت الحاضرون الآخرون مثل هذا بشدة؟!»..
وهذا «توماس أديسون»، مخترع
المصباح الكهربائي، وله مخترعات كثيرة أخرى تبهر
الألباب يقول: «إني أؤثر أن أرى مع أي إنسان مسدسًا يسدده إلى
فمه من أن أرى لفافة تبغ -أي دخان- بين شفتيه».
ويقول «جورج واشنطن»، وهو أول
الرؤساء الأمريكيين مخاطبًا المدخنين:
«لو أراد الله
أن يكون الإنسان مدخنًا لجعل فتحتي أنفه لأعلى لا كما خلقها الله لأسفل».
ولقد أدلى «هنري فورد» صاحب واحد من أكبر مصانع
السيارات في العالم بدلوه في عادة التدخين، فها هو ذا يحذر الشباب فيقول: حذار أن
يستقبل الشاب الحياة وهو غارق في سحب الدخان الخانقة من تلك السيجارة الذميمة،
فإنها تقتله حقًا».
إن العقل يوجب علينا أن نعيد تقييم أنفسنا وسلوكياتنا، وأن نعمل الحكمة والعقل
السديد في سلوك التدخين، وأن نصغي لما قاله المجربون عن التدخين، وقد سقت للقارئ
كوكبة من الأقوال، منها ما ورد على لسان الذين جربوا التدخين وذاقوا مرارته
واكتووا بشرره، ومنها ما ورد على ألسنة العلماء والحكماء والملوك والأمراء، عسى
المدخنون وخاصة شبابنا وأفلاذ أكبادنا أن يعودوا إلى صوابهم، ويستلهموا رشدهم
وليعلم كل مدخن أنه يهلك نفسه باستمراره في هذا الطريق، الذي لا يوجهه إليه إلا
الشيطان، أما رب العالمين خالقه فيريد له التوبة، فليتدبر كل
مدخن قوله تعالى ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ
لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ
عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ (26) وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ
أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا (27) يُرِيدُ ٱللَّهُ
أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا (28)﴾ (النساء: 26-28).
واعلموا -أيها الأطفال وأنتم يا شباب- أنكم مستقبل
هذه الأمة، فلا تقلدوا الكبار في التدخين، حتى لا تتصفوا بصفة هؤلاء الذين قالوا: «هكذا وجدنا
آباءنا، وإنا على آثارهم مقتدون».. ليست هذه بقدوة حسنة تتبع، وإنما هو تقليد أعمى
نهانا عنه حبيبنا ورسولنا الكريم ﷺ حين قال: «لا تكونوا
إمعة، إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن
تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا» (رواه الترمذي).
ولا تكونوا -أيها الشباب- كشاعر غزية
الذي قال:
وهل أنا إلا من غزية إن غويـــت غويت وإن ترشد غزية أرشد
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل