العنوان اتفاق ضد المسلمين في قمة الأمن والتعاون الأوروبي
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1994
مشاهدات 63
نشر في العدد 1130
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 20-ديسمبر-1994
انتهت قمة مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي، والتي انعقدت في العاصمة الهنغارية «المجربة جرية بودابست» على مدى يومي 5 و 6 ديسمبر الجاري، وشارك فيها 53 رئيسا ورئيسا للوزراء يمثلون تكتلًا سكانيًّا كبيرًا ومساحة جغرافية تمتد من الولايات المتحدة حتى طاجيكستان متضمنة كل القارة الأوروبية انتهت إلى لا شيء، اللهم سوى تغيير الاسم إلى منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، وتأكيد فشل كافة المنظمات الدولية في إحراز أي نتائج ملموسة على أرض الواقع، بل عجزت تلك القمة حتى على الاتفاق على أن مجازر الصرب في البوسنة والهرسك جريمة إنسانية وانتهاك لمبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي، رغم أن تلك القضية كانت على رأس جدول أعمال القمة التي استمرت الاستعدادات لعقدها من بداية أكتوبر الماضي حتى 2 ديسمبر الجاري تخللتها جلسات عمل مكثفة.
نتائج هزيلة
وأهم ما يمكن رصده من خلال المناقشات ونتائج القمة لمؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي، إن مؤتمر أو منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، كما قرر المؤتمرون تسمية تشكيلهم السياسي لا يعدو أن يكون أكثر من متحف سياسي يضم أعداء الأمس حلفي وارسو السابق والأطلنطي الحالي؛ ليعيشوا في جو السلام البارد - على حد قول بوريس يلتسن - الرئيس الروسي - بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها، وذلك بسبب محاولات الناتو ضم دول وارسو السابق إليها باستثناء روسيا.
وإذا كان مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي قد تجاوز احتمالات الصراعات بين الشرق والغرب فإنه في نفس الوقت لم يتمكن من منع اشتعال الحروب والصراعات الداخلية في دوله، والبوسنة والهرسك خير نموذج على ذلك؛ إذ اندلعت الحرب في وسط أوروبا منذ عام ۱۹۹۲، وقتل مئات الآلاف، وتشردت الملايين، وتفجر الصراع في طاجيكستان؛ بسبب دعم روسيا للشيوعيين السابقين ضد المعارضة الإسلامية منذ عام 1992 أيضًا، بينما الصراع في قره باغ المندلع عام 1988، وقتل خلاله عشرات الآلاف، واحتل الأرمن حتى الآن حوالي 25% من أراضي أذربيجان، وما زال مستمرًا انتظارًا لقوة لسلام التي سيرسلها المؤتمر تحت مظلته؛ إذ إن تلك التوصية هي الإيجابية اليتيمة لقمة بودابست الأخيرة، وكذلك الصراع الذي اندلع عام 1992 في أبخازيا؛ بسبب غزو القوات الجورجية ما زال قائمًا رغم تجمد الموقف؛ بسبب وجود قوة روسية من 5 آلاف جندي تقف بين الطرفين.
كما ترفض روسيا سحب قواتها من مولدوفيا حتى الآن، بل إن دباباتها دخلت الشيشان في غزو دموي بعد انتهاء القمة؛ إذ بدأ الغزو الرسمي يوم 11/12 الجاري، ولم تحاول دول الأمن والتعاون الأوروبي حل ذلك الصراع الذي اندلع منذ 1991م عندما أعلن الرئيس دوداييف استقلال بلاده عن الاتحاد السوفيتي مثلما فعلت جمهورياته السابقة، ومنذ تلك اللحظة والدبابات الروسية كانت محتشدة على حدود الجمهورية الصغيرة دون أي حراك من تلك المنظمة.
تنافس أمريكي روسي ظاهري:
إن التنافس بين موسكو وواشنطن عاد للبروز والتشكل من جديد داخل أسوار تلك المنظمة.
وخير مثال على ذلك الخلاف في وجهات النظر بين واشنطن وموسكو بالنسبة لمشكلة البوسنة والهرسك، وكذلك الخلاف بين واشنطن وباريس ولندن حول نفس المشكلة؛ إذ تمكنت موسكو من عرقلة صدور أي قرار لصالح البوسنة، وهو ما أقره ماهر حاجي أحمد وفيش ممثل البوسنة عندما قال: إن روسيا تعرقل كل شيء، وقال داركو باكيش ممثل كرواتيا: إن التنافس الروسي الأمريكي الجديد منع محاولات الحصول على نتائج.
والكلام المثار حول التنافس الروسي – الأمريكي ليس صحيحًا بشكل كامل، وإن كانت هناك بعض ظل الصحة - بدليل أن كلينتون رد على يلتسين بشكل قاطع عندما حاول الثاني الضغط؛ لعدم دخول وارسو إلى الناتو، مشيرًا إلى أن ذلك يعني عدم مصداقية أوروبا، وأن بقاء روسيا خارج الناتو والاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى اضطرابات، ولذلك تريد موسكو إعطاء دور مقال لمنظمة التعاون والأمن الأوروبي، واقترح أن تكون روسيا في الجناح السياسي للحزب مثل فرنسا، التي جمدت عضويتها العسكرية فيه، إلا أن كلينتون حسم الأمر بقوله: إنه ليس من حق أحد من الخارج – يقصد روسيا – معارضة سياسة توسيع الناتو، أي أن روسيا ليس لها هنا حق الفيتو، فلماذا إذا سمح لها كلينتون بعرقلة صدور توصيات حول البوسنة، اللهم إلا إذا كان دوره المؤيد للبوسنة ليس أكثر من تمثيلية لتجميل وجه الحضارة الغربية لامتصاص نقمة المسلمين.
القمة تكشف النفاق السياسي الغربي وانفصامية كلينتون السياسية!
ـ كلينتون رفض محاولات يلتسين التدخل في سياسة الناتو، وغض النظر عن عرقلته لتوصية البوسنة.
قوة سلام بقره باغ:
والدليل الآخر أن قوة السلام التي قررت القمة إرسالها إلى ناجورني قره باغ لم تلب الشروط الروسية؛ إذ إن موسكو كانت تريد أن تتشكل من جنودها فقط، وتعمل تحت مظلة المنظمة، إلا أن كلينتون قال: لن نترك القوقاز لروسيا وحدها، وذلك تلبية لرغبة تركيا التي حددتها تانسو تشيللر - رئيسة الوزراء التركية - في كلمتها أمام القمة: بأنها لن تترك القوقاز لروسيا، ولا تريد رؤية القوقاز حديقة خلفية لروسيا، وحثت كلينتون على تحمل هذه المسئولية التاريخية، وألا تكون قوة السلام من القوات الروسية فقط، وأن يتم بحث المسألة في إطار منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، وألا تتحول إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
إذ إن روسيا حاولت عرقلة الاقتراح التركي بإرسال قوة سلام تحت مظلة منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، وهو ما أيدته دول المنظمة، بأن طلبت أن يكون ذلك من خلال قرار يصدر من مجلس الأمن، وهو ما حاولت تركيا منعه؛ لأن لروسيا حق الفيتو هناك، وتحت الضغوط الأمريكية وافقت روسيا على ذلك بشرط المشاركة بأكبر نسبة من الجنود.
ولكن وفقًا للمصادر الدبلوماسية، فإن فعالية قرار تشكيل، وإرسال قوة سلام عددها 3 آلاف جندي إلى قره باغ ستذهب أدراج الرياح؛ لأنه وفقًا لشروط الإرسال يجب أن تطلب كل من أذربيجان وأرمينيا رسميًّا استدعاء هذه القوات بعد أن يتم إعلان وقف إطلاق النار بشكل رسمي أيضًا، وتبدأ مفاوضات ثنائية بين الأرمن والأذربيجانيين، وهي ورقة ستلعب بها موسكو؛ إذ يمكنها الضغط عبر الأرمن خاصة وأن روسيا تدعمهم بالسلاح لعدم التفاوض مثلا خاصة، وأن الأرمن لم ينفذوا أساسًا قرارات الأمم المتحدة حول المشكلة.
إذ إنه ليس من المنصور أن ينسحب الأرمن بعد أن احتلوا 25% من الأراضي الأذربيجانية، وهم يريدون تحقيق حلمهم التاريخي بإقامة أرمينيا الكبرى؛ لتمتد حتى وسط الأناضول داخل تركيا الحالية نفسها، وبالتالي ستتمكن موسكو من تعطيل القرار، الذي رضخت له بسبب الضغوط الأمريكية؛ لتظل منطقة القوقاز حديقة خلفية لموسكو رغم أنف الجميع أو بتعبير أدق بموافقة الجميع الداخلية رغم رفضهم الظاهري، وهو ما يمكن أن نسميه بالنفاق السياسي، الذي أصبح سمة السياسة الغربية.
البحث عن الدعم للوحدة الجمركية:
وعمومًا فإن ما جناه العالم الإسلامي من المؤتمر ليس أكثر من قبض الريح رغم محاولات تشيللر - رئيسة الوزراء التركية -، والذي كان يشغلها موضوع أهم من كل ما يحدث، وهو طلب الدعم الأوروبي في مواجهة الفيتو اليوناني؛ لتوقيع اتفاقية الوحدة الجمركية مع أوروبا، والتي سوف تكون حسمت أمس الاثنين يوم 19/12 الجاري، والتي تعتبرها أنقرة بمثابة دخول الاتحاد الأوروبي من الباب الخلفي؛ إذ تشير المعلومات أنه لن يسمح لتركيا بالعضوية الكاملة في الاتحاد قبل عام ۲۰۲۰ على أقل تقدير إذا ما سمح لها أصلًا بذلك، وهو ما بحثته مع رئيس الوزراء البريطاني والألماني، وناقشته مع الرئيس الأمريكي كلينتون؛ ليمارس نفوذه على شركائه الأوروبيين، الذين يرون تركيا بعيدة عن احترام حقوق الإنسان، وهو أكبر دليل على الانفصامية السياسية والسلوكية؛ لأنهم يدعمون الصرب سواء بشكل مباشر أو غير مباشر رغم قيامهم بالدوس على كافة القيم والمبادئ الإنسانية، لكن عذرهم الوحيد أنهم أوروبيون مسيحيون رغم أن المسيحية دين المحبة والتسامح، وعمومًا لم تحصل تشيللر على أكثر من الوعود، والتي تعتبر في عرف المفاهيم السياسية بلغتنا اليومية «فض مجالس».