العنوان اتفاق واي ريفر والعودة إلى نقطة الصفر
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1999
مشاهدات 65
نشر في العدد 1365
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 31-أغسطس-1999
- مأساة السلطة أنها وجدت نفسها تفاوض الصهاينة على قضايا تم الاتفاق عليها
- نائب مسؤول الأمن يتفاخر بإنقاذ عشرات الصهاينة من عمليات المقاومة وباختراق خلايا حماس لصالح إسرائيل
لم تنجح حتى الآن محاولات بعض العرب ومفاوضي السلطة الفلسطينية من أنصار سلفه نتنياهو، ولأول مرة يفقد أعضاء فريق التفاوض الفلسطيني أعصابهم وشعروا باليأس في إقناع الشارع العربي بأنه ليس نسخة كربونية من إمكان تحقيق أي تقدم في مباحثات تطبيق اتفاق وأي ريفر الموقع بين السلطة الفلسطينية وحكومة نتنياهو السابقة في شهر أكتوبر الماضي، وخرجت تصريحات على لسان ما يسمى بكبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات وغيره تعترف بعدم وجود فرق حقيقي بين الإرهابي باراك والإرهابي نتنياهو.
وقبل أن يتوصل الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني إلى اتفاق سموه اتفاقًا جزئيًا، حول إطلاق سراح عدد محدود من المعتقلين الفلسطينيين، كان مسؤولو السلطة يعلنون أنهم يدورون في حلقة مفرغة منذ استئناف المفاوضات بين الجانبين في أعقاب فوز باراك في الانتخابات الأخيرة في شهر مايو الماضي، وعلى حد تعبير ياسر عبد ربه وزير الإعلام في السلطة الفلسطينية فإن الإسرائيليين عطلوا كل شيء وأعادونا إلى نقطة الصفر.
وحول الاتفاق المتواضع الذي توصل إليه عريقات وفريقه مع مسؤولين صهاينة برئاسة جلعاد شير، فقد اتفق الطرفان على إطلاق سراح ٥٠٠ معتقل فلسطيني آخرين على دفعتين الأولى في بداية شهر سبتمبر والثانية في 8 أكتوبر ۱۹۹۹م، وهذا العدد هو من أصل أكثر من ثلاثة آلاف معتقل فلسطيني في السجون الإسرائيلية غالبيتهم من أعضاء ومؤيدي حركتي حماس والجهاد الإسلامي، ويصر الإسرائيليون على أنهم لن يطلقوا سراح أي فلسطيني تلطخت يداه بدماء اليهود، ولذلك فإن غالبية من سيطلق سراحهم هم ممن جرى اعتقالهم على خلفيات جنائية وليس سياسية مثلما حدث مع الدفعة الأولى التي لم تشمل سوى مائة من المعتقلين السياسيين المحسوبين على حركة فتح والفصائل المؤيدة لاتفاق أوسلو، بينما أطلق سراح مائة وخمسين آخرين في عام ۱۹۹۷ من المحكومين والموقوفين على ذمة قضايا جنائية كسرقة السيارات والتسلل إلى داخل الخط الأخضر للعمل بدون تصريح من الحكومة الإسرائيلية!!
وفيما عدا الاتفاق الجزئي لم يفلح مفاوضو السلطة في إقناع حكومة باراك بضرورة تنفيذ اتفاق واي ريفر من النقطة التي توقفت عندها حكومة نتنياهو وهي إعادة نشر قوات الاحتلال في حوالي %۱۳ من مساحة الضفة الغربية وقضية المعبر الآمن بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
مأساة السلطة الفلسطينية أنها وجدت نفسها تفاوض الصهاينة على قضايا تم الاتفاق والتوقيع عليها، فعلى الرغم من أن اتفاق القاهرة حدد بوضوح مراحل وأزمنة تنفيذ اتفاق المبادئ المعروف باتفاق أوسلو، إلا أن مماطلات نتنياهو ومن قبله رابين وبيريز اضطرت السلطة إلى التفاوض من جديد في واي ريفر، وكان الاتفاق الذي ألغى في مجمله اتفاق القاهرة، وبعد اتفاق الواي ماطلت حكومة نتنياهو ولم تنفذ منه سوى إطلاق دفعة المعتقلين الأولى، ثم بدأ مفاوضو السلطة مفاوضاتهم من جديد للتوصل إلى اتفاق لتنفيذ اتفاق واي وفي كل مرة يعاد التفاوض بين الجانبين يجد مسؤولو السلطة أنفسهم منقادين لمطالب اليهود بتقديم مزيد من التنازلات أكثر مما قدموه في الاتفاق الأخير.
قناعة الإسرائيليين واضحة حول تكتيكهم المتبع في التفاوض مع مسؤولي السلطة، فهم يدركون على حد وصف صحيفة "ها أرتس" أن ياسر عرفات والقيادة الفلسطينية المحيطة به متعبون ومنهكون تمامًا، ولذلك فهم يريدون التوصل إلى اتفاق مهما كان وبأي ثمن حتى لو كان هذا الحل لن يصمد ولن يعمر طويلاً فالأمر بالنسبة لعرفات وحاشيته مسألة وقت لتثبيت سلطتهم أو بالأحرى سلطته هو وأنه ليس مسألة حقوق مشروعة للشعب الفلسطيني غير قابلة للتصرف.
من يراقب رد فعل السلطة على حركة الاستيطان الأخيرة التي بدأها نتنياهو بعد توقيع اتفاق "الواي" في شهر أكتوبر الماضي، ثم باركها وشجعها باراك بعد انتخابه على الرغم مما يقال عكس ذلك، يدرك فعلًا أن السلطة غير معنية بالحقوق الفلسطينية التي يصادرها المستوطنون اليهود كل يوم في الضفة الغربية، فقد أقام المستوطنون منذ شهر أكتوبر الماضي حوالي۲۰ مستوطنة ونقطة استيطان جديدة في الضفة إضافة إلى مشاريع تسمين وتوسعة المستوطنات القائمة، وفي الأسبوع قبل الماضي أعلنت وزارة الإسكان الصهيونية أنها ستطرح مناقصة لبناء أكثر من ألف مسكن جديد في مستوطنات الضفة وقبل ذلك شرعت حكومة باراك في بناء مستوطنة رأس العامود واستأنفت أعمال الإنشاءات في مستوطنة جبل أبو غنيم في القدس المحتلة، كل ذلك على الرغم من أن كل الاتفاقات الموقعة بين السلطة والحكومة الإسرائيلية نصت على وقف كل الأنشطة الاستيطانية اليهودية حتى يتم التوصل إلى اتفاق حول الوضع النهائي للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وبشهادة الإسرائيليين أنفسهم، فقد حقق ما يسمى بالاستيطان الأيديولوجي أهدافه الأساسية فالنشاط الاستيطاني الذي انتعش من جديد بعد اتفاق "الواي" هدفه تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب على الأرض، وهضم أكبر مساحة ممكنة من الأرض الفلسطينية لأن حدود الاستيطان على حد زعم صحيفة "ها أرتس" هي التي ستحدد الحدود النهائية للدولة اليهودية لأن اتفاق أوسلو كما تقول: اشترط ضم كل قطعة أرض استوطن عليها يهودي إلى الدولة العبرية ولعل ذلك هو ما يفسر مماطلة حكومة باراك ومن قبله نتنياهو في تنفيذ اتفاق الواي ومطالبة الإرهابي باراك لرئيس السلطة بالموافقة على دمج اتفاق واي ريفر مع اتفاق الحل النهائي، وحيث إن الإسرائيليين يخططون لتمديد مباحثات الوضع النهائي إلى أكثر من أربع سنوات كما توقع نواف مصالحة نائب وزير خارجية العدو الصهيوني، لنا أن نتصور حجم الأرض الفلسطينية التي سيبتلعها المستوطنون اليهود خلال هذه المدة.
بالنسبة لرئيس وزراء العدو الصهيوني فإن المفاوضات مع الجانب الفلسطيني تأتي من حيث الأهمية في آخر سلم المفاوضات مع الأطراف العربية المعنية، فباراك معني الآن بالتوصل إلى تسوية سلمية مع السوريين واللبنانيين والتي توقع مصالحة بأنها ستتم خلال عام، أما الفلسطينيون فلا يوجد ما يستدعي الالتفات إلى مطالبهم وخصوصًا أن المماطلة والتسويف مع سلطة عرفات تؤتي دائمًا نتائج جيدة للاحتلال الصهيوني ولصالح المستوطنين اليهود.
وتبريرًا لمماطلتها، لاتزال الحكومة الإسرائيلية تدعي بأن السلطة الفلسطينية لم توف بكامل تعهداتها في مكافحة ما يسمونه بالإرهاب الأصولي أو الإسلامي وذلك على الرغم من كل الخدمات الكبيرة التي قدمتها أجهزة أمن السلطة من اعتقال للمئات من رموز وأعضاء ومؤيدي حركة حماس والجهاد الإسلامي وتعذيبهم وتسليم بعضهم إلى أجهزة الأمن الصهيونية إلى إجهاض العديد من العمليات العسكرية التي كانت كتائب القسام تريد تنفيذها ضد أهداف صهيونية.
ووصل الأمر بالمدعو رشيد أبو شباك نائب مسؤول الأمن الوقائي الفلسطيني في غزة إلى التبجح بأن الإسرائيليين مدينون له بالكثير، وقد زعم أبو شباك بأنه أنقذ حياة العشرات من الإسرائيليين بإجهاضه لأعمال عسكرية ضد أهداف إسرائيلية واختراقه - كما يقول - خلايا سرية لحركة حماس كانت تخطط لمثل هذه العمليات، وتحدى أبو شباك الإسرائيليين الذين يشككون بتعاونه معهم بأن بإمكانهم سؤال وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "السي، أي إيه" التي تراقب نشاط أجهزة الأمن الفلسطينية بموجب اتفاق "واي ريفر" حول مدى التزام هذه الأجهزة ببنود الاتفاق نصًا وروحًا، ويقوم مندوبوها أيضًا بزيارة سجون السلطة بشكل دوري للتأكد من استمرار اعتقال الإسلاميين فيها، كما تقوم "السي أي إيه" بإرشاد أبو شباك وزبانيته وتدريبهم على مكافحة حماس والجهاد الإسلامي.
وعلى حد قول مجلة النيوزويك الأمريكية في عددها الأخير فإن رئيس وزراء العدو الصهيوني باراك لا يريد تدخل الإدارة الأمريكية في عملية التفاوض مع السلطة حتى يظل متحررًا من الضغوط الأمريكية وكي يتمكن من «حلب» السلطة على طريقته الخاصة، ولذلك لم يرحب باراك بزيارة مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية للمنطقة، وهي التي كانت قادمة لتشجيع الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني على استئناف المفاوضات وتنفيذ اتفاق واي ريفر، وقد حاول باراك أيضًا في زيارته الأخيرة للولايات المتحدة تحييد "السي. أي إيه"، وسلبها دورها الذي اكتسبته بموجب اتفاق واي ريفر بحجة أن رضا "ال سي. أي إيه" عن عمليات السلطة الفلسطينية ضد حماس والإسلاميين بشكل عام جعل عرفات أكثر اعتدادًا بالنفس وأقل استعدادًا للتفاهم مع الإسرائيليين باراك يقول ذلك وهو يدرك يقيناً أن عرفات على استعداد للذهاب معه إلى أقصى حد من التنازلات وهو ما بدا واضحًا في سرعة استجابة عرفات لطلب باراك منه تأجيل تنفيذ اتفاق الواي حتى الشهر القادم، لكنه كما قلنا يريد إبعاد الأمريكان عن الساحة لأن من مصلحتهم تنفيذ اتفاق واي ريفر الذي وقع برعايتهم ويضغط منهم.
السلطة الفلسطينية وخلال الشهور القادمة ستكون في موقف لا تحسد عليه مع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية، فالإدارة الأمريكية التي تعول عليها السلطة الفلسطينية كثيرًا لإلزام الحكومة الإسرائيلية بتنفيذ اتفاق واي ريفر لن تكون في موقف يسمح لها بالضغط على باراك أو بالشفقة على الرئيس عرفات، فكلينتون الآن هو الذي يخطب ود باراك للحصول على دعم اللوبي اليهودي - الصهيوني لترشيح نائبه ال جور للرئاسة خلفًا له، كما أنه مهتم أكثر بحشد هذا اللوبي لدعم زوجته هيلاري - التي اعترفت أخيرًا بيهوديتها - في انتخابات مجلس الشيوخ عن نيويورك.
ومع تصاعد العمليات العسكرية التي تنفذها كتائب "عز الدين القسام" الجناح العسكري لحركة "حماس" ضد الجنود الإسرائيليين وقطعان المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، وجد عرفات نفسه معزولاً سياسيًا بتخلي الأمريكان عن تأييد مطالبه وجماهيريًا بالتفاف جموع الشعب الفلسطيني حول برنامج الجهاد والمقاومة الذي تتبناه حركة حماس.
ولن تنفع الرئيس عرفات محاولاته للخروج من هذه العزلة بتدجين بعض فصائل المعارضة كالجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وإدخالهما معه في التحضير لما يسمى بمفاوضات الوضع النهائي، فالرئيس عرفات يدرك أن هذه الفصائل الماركسية لا تملك رصيدًا شعبيًا بين الفلسطينيين، ويعرف أيضًا بأنها مثل حركته فتح تخلت عن السلاح والمقاومة منذ الخروج الأخير من بيروت عام ۱۹۸۲م وبالتالي فإن اصطفافهما إلى جانبه لن يخرج عرفات من عزلته ولن يزيد من رصيده الشعبي الذي أوشك على النضوب.