العنوان الفجيعة
الكاتب نوال السباعي
تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2003
مشاهدات 84
نشر في العدد 1575
نشر في الصفحة 37
السبت 01-نوفمبر-2003
الفجيعة
لا شيء يمكنه أن يعبر عن الشعور العام الذي يسود الشارع العربي والإسلامي في هذه اللحظات الأليمة المفجعة من حياتنا ووجودنا وتاريخنا بعد ستة أشهر من سقوط بغداد، وتأجج هذه الحملة العسكرية الإعلامية النفسية الاستخبارية المسعورة على الأمة داخل أرضها وخارجها باسم الحرب على الإرهاب لا شيء يمكنه أن يصف ما نحن فيه الآن مع دخول شهر رمضان المبارك الذي يبدو أن اللياقة تقتضي أن نسميه شهر رمضان المفجوع بنا وبدمائنا وبهواننا وأوضاعنا التي أصبحت وكأنها تأخذ مع كل رمضان منحى مأساويًا مذهلاً، سواء في فلسطين حيث تستمر المذبحة يومًا فيومًا وساعة فساعة في أكبر اختبار «للتمسحة» العربية المعاصرة، أو في الجزائر حيث تتصاعد في كل رمضان الحملات الدموية التي يشيب لهولها الولدان والتي ما عاد ينفع معها تجميل ولا تستر ولا تبرير ولا حتى محاولة للفهم، أو في أماكن أخرى من هذه الأوطان المفجوعة بحاضرها المتشبثة بتاريخها الناظرة إلى مستقبل موعود تراه بعيدًا، وهو على الرغم من هذه الفواجع قريب قريب.
رمضان هذا العام يأتينا وقد فغر فاه، فينا جرح جديد، خطير وصعب ومزلزل، هو للهاوية أقرب منه إلى المعضلة، فمصيبتنا في بغداد فاقت كل المصائب- بعد سقوط القدس- لأنها لم تؤدِّ إلا إلى المزيد من المبالغة في استمرار الذبح اليومي لأهل الأرض المقدسة المصابرين المرابطين المستباحة دماؤهم وأعراضهم، ولم تؤد إلا إلى تكريس الاستبداد المتسرطن في أنحاء الأمة الواحدة ذات الحكومات المتعددة والكراسي المؤيدة والشعوب الصامدة.
ولأن سقوط بغداد كان البوابة التي دخل منها الاستعمار الغربي إلى وجودنا المتفسخ المنهار، ليفرض نفسه على أمة عجزت خلال مائة عام عن النهوض من عثرتها والوقوف على قدميها، ولأن هذا الاحتلال الذي أعاد جيوش الغزاة إلى أراضينا- باسم تحرير بعضنا من ظلم بعضنا الآخر- لا يمكن تفسيره ولا تبريره حتى اليوم على الأقل إلا بانهيار وفشل كل المشروعات النهضوية والتحررية الفكرية التي قامت على جماجمنا وأشلائنا وفرضت علينا بدمائنا وأموالنا خلال المائة عام الأخيرة مطبلة مزمرة بمبادئ غريبة عن الأمة وأطر تعادي أسس قيامها وطبيعة تركيبة إنسانها، فانهار البنيان من القواعد، وبدت هباء مفضوحًا كل الهياكل السياسية والثقافية وحتى العسكرية التي كانت قد صنعت في واقع تغييب المواطن عن الفعل والمساهمة وعن حقه في تقرير مصيره واختيار طريقه.
فجيعة وأي فجيعة هذا الذي نراه من صمت عربي إسلامي رسمي أمام هذا الحجم من المذبحة الفاشية الصهيونية العنصرية الحاقدة في فلسطين.
فجيعة وأي فجيعة هذا الذي يجري أمام سمعنا وأبصارنا من تهافت بعض الأنظمة- على الرغم من هذه المجزرة- على إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية وثقافية وانفتاحية وانبطاحية مع الكيان السفاح الوالغ في دماء الأبرياء من إخواننا، لحمنا ودمنا وعظامنا والحوايا والخلايا.
فجيعة وأي فجيعة هذه المؤتمرات السرية والعلنية التي تجري في الخفاء بين العدو من مستعمر أو مستوطن أو محتل وبعض حكامنا وسياسيينا وعسكريينا!
فجيعة وأي فجيعة أن يخرس الشارع العربي بهذا الشكل العجيب الغريب! علام يخافون وهم الذين لا يملكون شيئًا ولا حتى جزءًا بسيطًا من كرامتهم وحقوقهم ومبرر وجودهم؟!
فجيعة وأي فجيعة هذا التواطؤ العالمي على ذبح وحرق واستئصال الفلسطينيين الباقين حتى الآن صبرًا وقهرًا وتشبثًا فيما تبقى من أرضهم.
فجيعة وأي فجيعة هذا الإغضاء الدولي وهذا التصريح الأمريكي السافر لسفاح صبرا وشاتيلا وسيناء بالمضي قدماً في قصف شعب أعزل ممتحن وإيقاع عقوبات جماعية في صفوفه.
فجيعة وأي فجيعة أن تتحول سهامنا نحو أكبادنا.
فجيعة أن ننحر بأنفسنا قلوبنا، أن نغرز المقلاع الوحيد الذي نملكه أوان المحنة في عيوننا.
فجيعة أن نعجز عن محاورة شبابنا ولا نملك لهم خلال عقود متلاحقة- إلا السجون والتعذيب والملاحقة وحبال المشانق.
فجيعة أن يستمر هذا الشرخ في جسد الأمة ومنذ ستين عامًا وإلى اليوم دون أن يجد من يردمه أو يجسره على الأقل.
فجيعة مليون فجيعة أن تتبع بعض الحكومات العربية سياسات القمع في التعامل مع شباب الأمة ممن يعول عليهم في الخلاص مما نحن فيه، فتستنسخ بعضها من بعضها الآخر نفس الأساليب التي لم تجد فتيلاً مرة إثر أخرى وفي دائرة مفرغة طاحنة لا يبدو معها شعاع أمل ولا بصيص نور ولا فرجة للخلاص.
فجيعة هذا الذي يحدث من الهروب الجماعي المليوني لشباب الأمة نحو عوالم الإنترنت الخفية ليقيموا دولتهم التي يحلمون بها هناك، ويضعوا هنالك قوانينهم وتصوراتهم وإعلامهم وآمالهم وآلامهم التي تتمدد بشكل إلكتروني شبحي مخيف على هامش أمة مريضة عاجزة عن منح أبنائها فرصة واحدة على الأقل يستطيعون معها العمل في النور من أجل هذه الأمة.
فجيعة أن نكون في مثل هذا العجز عن الحوار مع بعضنا بعضًا، وبمثل هذا الشلل في استيعاب شبابنا وفهم همومهم وتطلعاتهم واستثمار ثورتهم وصدقهم وإخلاصهم.
فجيعة ألّا تستفيد الأمة منهم وهم الأمل في البقاء والصمود والبناء وصنع الغد والمستقبل والحياة.
فجيعة ألّا تفهم الأمة في هذه المرحلة أن نشوء أي نزاع طائفي اليوم يعني الدمار والهلاك المحتم.
فجيعة أن نعيش على هامش الأحداث التي تمور بنا كالزلازل ونحن في خدر وموات واستكانة.
فجيعة أن تذهب صرخات كل هذا الحجم الضخم من مثقفي الأمة أدراج الرياح والأمة في حالة تثاؤب وكأنها تستثقل أن تفتح عينها الواحدة على الأقل لرؤية التمثيل البشع الذي يجري بوجودها وهي ما زالت على قيد حياة تتنفس.
فجيعة أن تصل رائحة الدم الفلسطيني كل بيت وبر أو مدر أو حديد وأسمنت مسلح ونحن نحاول رش البهار الحارق على حسائنا لكي نمنع رائحة الدم من التسلل والاستيلاء على أدمغتنا.
فجيعة أن يطعن الإنسان العربي في قلبه وهو يرى وينظر، وأن تنتهك حرمة رفح بعد جنين بعد بيت حانون بعد غزة بعد القدس بعد.. وبعد.. وبعد.. وبعد.. ونحن ما زلنا في سدرنا وهواننا نجلس أمام برادات حفظ جثث الشهداء نصبغ يومنا باللون الأحمر ونبكي ثم نشيح بوجوهنا ونلعن السياسة وأهلها ونهرول لشراء التمر وقمر الدين، وقليل من البامياء والسمن العربي لأنه يُصلح طبخ الرز الذي يجب أن يكون شهيًا على موائد الإفطار، بدأنا بتخزين مؤونة رمضان، وأعددنا قائمة بأسماء المدعوين هذا العام إلى موائد الرحمة.. ورحنا نراقب قائمة برامج الفضائيات المختارة للتسلية.
رمضان جاء هذا العام ونحن نعاني حالة مزدوجة من الفجيعة هنيئًا لك يا أمتي رمضانك هذا وكل عام وأنت..